<!--

<!-- <!-- [if gte mso 10]> <mce:style><!-- /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif";} --> <!-- [endif]---->

وهم يوتوبيا المسرح

كان يجلس على أحد مقاهي وسط البلد وهو في حالة ضيق شديد لم أره عليها من قبل ، فسألته عن سبب ضيقه الشديد هذا ، فأخبرني إنه ضبط رجلاً كان يجلس بجواره منذ قليل لا يذهب إلى المسرح ، وفي تعبيرات غاضبة مصاحبة صار يقول كيف يعيش هذا الرجل هو وأسرته؟!!... نسيت أن أخبركم من صاحب تلك الفاجعة المؤلمة ، إنه صديقي الذي يعمل فنانًا في البيت الفني للمسرح ، وهذا ميعاده الشهري الذي يترك فيه منزله ليبدأ رحلته الشاقة التي تنتهي بصراف فرقته كي يحصل على راتبه شهري.

قد تكون الصورة التي قمت بسردها تحمل قدرًا من المبالغة الظاهرية بعض الشيء ، إلا أننا لو تأملنا ما يجري حولنا سنجد أن جوهرها يحمل من الحقيقة ليس بالقليل ، فأغلب من يمتهنون الفن المسرحي يعيشون في يوتوبيا ضخمة تتمثل في أن من لا يذهب إلى المسرح لا يستحق الحياة ولا يستحق أن يطلق عليه آدمي ، فالمسرح بالنسبة للمجتمع ضرورة وجود وليس مجرد وضع عابر ترفيهي ، لهذا صديقي الفنان المسكين مازال حتى الآن ينتظر الجمهور أن يأتي إليه مكبلا بدوافع أخلاقية ، ذلك الانتظار الذي يجعله دومًا يعيش حالة الدهشة المستمرة.... المسرح يخلو من الجمهور!!!!

أرجو أن لا يغضب مني صديقي الفنان حين أقول له إن هذه اليوتوبيا أصبحت وهم كبير جدا في العصر الذي نعيشه ، فالبشر لا زالوا يعيشون ويتحركون نحو حياة أفضل لهم دون الاحتياج إلى المسرح ، فهناك الكثير والكثير ممن أعرفهم لا يدخلون المسرح على الإطلاق ولا يعاني أحدهم من مرض ما ، ولم يعاقبهم الله بالنهاية المأساوية التي ينالها كل عاص داخل حبكتنا الكونية الضخمة والمتشعبة ، بل سأزيد عليكم أن أساتذة المسرح أنفسهم لم يشاهد منهم أحد منذ سنين طويلة متلبسا وهو يشاهد عرض مسرحي...

صديقي الفنان أصبح يلجأ إلى المسكنات ، فعندما يفلس من الجمهور تماما يذهب ليدعو أقاربه وأصدقاءه الفنانين والنقاد وبالتحديد نقاد الصحف القومية الذين يتعاملون مع المسرح بسذاجة شديدة لتتحول المسألة إلى لقاء أسري اجتمعنا فيه لنشاهد أنفسنا ونتجادل بأصوات مرتفعة لا يسمعها غيرنا ، دون أن نعي أننا نقدم مسرحنا لجمهور ينتمي لكافة أطياف المجتمع ، ولا يقتصر على فئة بعينها تتمثل في المسرحيين ودوائر معارفهم فقط.

قد يفهمني البعض خطأ من العبارات السابقة أن البشر ليسو في احتياج لفن المسرح ، لكنني أعود وأقول بالعكس إن للمسرح عبر العصور دور كبير في النهضة الثقافية والحضارية ، لكن ما أقصده هو أن الاحتياج هنا يعود إلى المسرحيين أنفسهم ، حيث إننا لا نستطيع أن نضع معيار عام وشامل لمدى احتياج مجتمعنا للمسرح إلا إذا استطاع المسرحيون أنفسهم أن يصلوا إلى الجمهور ، إن احتياج البشر لا يخضع لمبدأ الحتمية على الإطلاق بقدر ما يخضع لعوامل نفسية واجتماعية واقتصادية لابد أن نلتفت لها ولا نغفلها ، ولابد أيضا أن ندرك الآليات التي تعمل بها المنظومة الكلية التي نعيش فيها ، فبدون ذلك الوعي سنتحول إلى فناني الشوارع الذين يجوبوا الأسواق ليجدوا قوت يومهم بعد أن فقدوا قصر النبيل الذي كان يأويهم ، لهذا آن الأوان أن نفكر بمنظور مختلف ، قادر على مواجهة تحديات العصر ، خاصة وأن الفن المسرحي يلعب دورًا هاما في أي مشروع ثقافي يريد أن يتحقق ، في ظل قسوة مسلسل الداروينيات الذي وصل إلى ذروته في العصر الحديث ، فبعد أن كانت الداروينية تتكئ على عوامل متنوعة بيولوجية في البداية لا دخل للإنسان فيها ثم بيئية فاجتماعية ، ارتقت في النهاية إلى عوامل نفسية وثقافية تتوقف في المقام الأول على إرادة الإنسان ، حيث البقاء سيكون الجدير به الأعقل القادر على تنمية موارده الذهنية وتوظيف المعرفة القائمة بالفعل على حل المشكلات ، إلى أن نصل إلى الذروة إذ يصبح البقاء من نصيب الأبدع.


الفنان والإداري .. مليودراما الطيب والشرير.

صديقي الفنان لطالما أجده متذمرًا من ذلك الإداري الذي يحصل على كافة حقوقه الأدبية والمادية ، بل أضف إلى ذلك إنه يتحكم في عمله بالكامل ، ميزانيات إنتاج ..صرف شيكات ... طبيعة العمل..... إلخ ، وهذا ما يجعل الفنان يعيش حالة مرضية تصور الإداري يضحك ضحكة خبيثة وهو يوقع له على أحد الأوراق ، وفي الجانب المقابل نجد الإداري يشعر أن هذا الفنان عاطل بالوراثة فهو لا يعمل أو يبذل المجهود الذي يبذله ، فالإداري موظف بمعنى الكلمة يستيقظ في الصباح الباكر (زي مخاليق ربنا) ويذهب إلى عمله حتى يحلل ما يأخذه كل أول شهر ، وهذا ما يجعلني أتذكر هجوم أحد الإداريين على رئيس البيت الفني عندما قال لهم: أنتم في خدمة الفنانين ، فهو يرى من العيب الشديد أن يكون في خدمة هؤلاء الفنانين.

طبعا ما أقوله لكم بشكل كاريكاتوري هو حقيقي ويحدث بالفعل كل يوم بل كل ساعة من ساعات العمل ، طبعا ما أقوم برصده الآن شيء يدعو للرثاء الشديد على تلك العلاقة التي تتسم بالسذاجة ، تلك السذاجة التي جعلت من الفرق المسرحية غير قادرة حتى إلى الوصول لطبيعة فرق الهواة مما أفقدها مصداقيتها أمام العاملين في المجال بل وفنانين الفرقة أنفسهم الذين هجروا المسرح ليبحثوا عن مجالات أخرى يعملون بها. طبعا هذا نابع من أن كافة العاملين في البيت الفني للمسرح لا يدركون طبيعة العمل المؤسسي الذي تنتمي له فرقهم في المقام الأول ، والذي يتطلب التخطيط والهيكلة السليمة كي يقوم كل فرد بدوره داخل هذا الكيان ، إن البيت الفني يعاني حالة من حالات الفوضى الرهيبة نظرا لغياب الوعي بتوزيع الأدوار في بنائه الداخلي والتنظيمي ، فالفنان يعتقد نظرا لتعاليه وغطرسته الغير مبررة يكفيه أن يكون مبدعًا حتى يصل إلى النجاح .... وهذا ما يجعلني استدعي سؤالاً غاية في الأهمية: هل يكفي أن يقدم الفنان عملا رائعا ينم داخله عن موهبة شديدة حتى يصل إلى النجاح؟ في الحقيقة يجب أن نفهم أن الوظيفة الاجتماعية للإبداع لا تتحقق فقط لأن الأفراد مبدعون ، فهناك عوامل أخرى ، فحين يتوافر لمثل هؤلاء الأشخاص النمو والمال والبنية التحتية والتنظيم والأسواق وحقوق الملكية وعمليات واسعة النطاق يمكنها استيعاب ذلك الإبداع وبالتالي تتحقق هنا الوظيفة الاجتماعية لذلك الإبداع وتتحقق جدواه .... وهذا لا نستطيع تحقيقه إلا بعد توفير مجموعة من الكفاءات الإدارية التي يجب أن تكون على دراية بطبيعة عملها النوعي (إدارة مؤسسة قائمة على الفن المسرحي) التي تستطيع أن تنظم البيت من الداخل ، ذلك لأن هذا هو مجال عملها الحقيقي والمكمل للعملية الفنية ، مما يتيح أن تعمل المؤسسة بشكل احترافي ، فالفنان له دوره الذي يجب أن يلتزم به: هو أن يفكرويبدع داخل عمله الفني ليظهر المحتوى الذي يصنعه على أكمل وجه ، فقد يكون الفنان موهوب فعلا ويحمل قدر من النجومية لا بأس به وله مكانة اجتماعية بارزة ، لكن هل هذا كله كفيل بأن يكون إداري ناجح قادر على التخطيط ووضع الخطط والاستراتيجيات؟ بالطبع لا ... فهذا الشق الأخير يتطلب مقومات أخرى مختلفة جذريا عن إدارة العمل الفني ، تخيلوا معي أننا أتينا بألفريد جاري رئيسا للبيت الفني ... ستكون الصورة مضحكة بالطبع.. لا أعني من قولي هذا أن الفنان غير قادر على العمل الإداري المؤسسي ، قد يحمل هذه الموهبة من جراء مجموعة من الخبرات والدورات التدريبية المؤهلة لذلك ، لكن المسألة تحتاج إلى كيان تنظيمي يحدد مدى إمكانية قدرته على التعامل الإداري ، وفي المقابل أيضا الإداري نفسه يجب أن يكون مؤهل للعمل مع ذلك الطابع الإداري النوعي سواء في مجال التسويق أو في مجال خدمة المجتمع أو في المجال المالي (المستحقات- العملية الإنتاجية) ، فمن يقوم بتسويق السلع الاستهلاكية مختلف بالطبع عن من يقوم بتسويق عرض مسرحي ، ومدير الشئون المالية الذي يضع معايير معينة وصارمة لعامل المصنع أو مهندس في شركة يجب أن تتغير معاييره مع الفنان الذي يحمل طبيعة شخصية شديدة الحساسية نظرا لطبيعة عمله التي تتطلب ظروف مناخية ملائمة تتيح له العمل الخلاق والمبتكر....

وهذا ما يدعونا إلى ضرورة وجود كيان يسمى التنمية البشرية الذي أصبح ضرورة داخل أي هيئة أو مؤسسة مهنية تعمل بشكل احترافي ، فمن المضحك أننا حتى الآن لا يوجد لدينا إدارة تسمى تنمية الموارد البشرية والتي من المفترض أن تكون عصب البيت الفني ، حيث تحدد الكفاءات الإدارية الملائمة والمقومات العلمية التي يجب أن تتوافر فيهم حتى يكونوا قادرين على التعامل مع العملية الفنية ككل ، وهكذا بالنسبة للفنان كيفية تقييمه وقياس كفاءة عمله ومؤشرات استجابة الجمهور له ، واستكشاف الفنانين الذين يمتلكون موهبة الإدارة وما الذي يحتاجونه لصقل تلك الموهبة.

بعد حديثي المطول عن تلك الثنائية، ما علاقة ذلك كله بالجمهور؟ إنها مسألة شديدة الصلة حيث إن الفنان بمفرده وجودة منتجه الفني غير كافيين لتحقيق التواصل الجماهيري ، حان الوقت كي ندرك الآن ضرورة العمل الاحترافي ، فالعمل الإداري بما يحتويه من خطط واستراتيجيات كلية في العمل يقع عليه عبء ضخم إلى جانب المحتوى الفني بطبيعة الحال.

الصورة الذهنية:

إن مفهوم الصورة الذهنية ظهر كمصطلح متعارف عليه في أوائل القرن العشرين حيث أطلقه "والترليـبمان " وأصبح أساساً لتفسير الكثير من عمليات التأثير التي تعمل بها وسائل الإعلام وتستهدف بشكل رئيسي ذهن الإنسان.

ولعل هذا المفهوم ينمو ويتطور ويصبح شائعاً في لغة الاتصال فإذا كانت الكلمة بصفة عامة وسيلة لنقل المعنى أو التعبير عن العواطف ، وإذا كان هذا المعنى الذي تحمله الكلمة عرضةً للتغيير أو التطور ، فإن مقياس نجاح الكلمة في نقل المعنى يتمثل في مدى قدرتها على تصوير ما تشير إليه من هذا العالم في داخل العقل البشري . إن المفهوم البسيط لمصطلح " صورة المؤسسة " يعني ببساطة الصورة العقلية التي تتكون في أذهان الناس عن المؤسسات المختلفة . وقد تتكون الصور من التجربة المباشرة أو غير المباشرة ، وما يعنينا هنا هو الصورة الذهنية لمسرح الدولة لدى المتفرج المصري ، فلابد أن يعمل البيت الفني على تحديد ملامح تلك الصورة والتي تشكل منتجه وتؤدي إما إلى عوامل جذب أو طرد للجمهور ، فطالما عملت المؤسسات على تلك الصورة لرواج منتجها ، ولا توجد أي مؤسسة تعمل بشكل احترافي لا يوجد لديها فريق ضخم يقوم بتلك المهمة ، إنها مسألة ليس لها علاقة بالمحتوى الفني بقدر ما لها علاقة بالمنتج نفسه ككل من الخارج (مستوى دور العرض – الخدمات الترفيهية- الخدمات التثقيفية – الأسعار...إلخ) ، إن آليات الصورة الذهنية صحيح إنها وليدة المجتمعات الرأسمالية التي تقوم على ترسيخ عملية الوهم التي تحيط بالسلع والمنتجات الاستهلاكية ، إلا إنها أصبحت ضرورة في ظل المتغيرات التي نعيشها ، لأي مشروع ثقافي نبيل يبغي التحقق والاكتمال  نظرا لأنه يعيش في تلك البنية الجتماعية ، فالمسرح الآن لم يعد في مجال المنافسة مع الشاشة التلفزيونية والسينمائية فقط ، وإنما أصبح في مواجهة حرب شرسة مع مجموعة ضخمة من الخدمات الترفيهية والاستهلاكية ، أضف إلى ذلك الهجوم الشرس على المسرح من بعض التيارات السياسية والدينية هذا من شأنه يصنع صورة ذهنية مشوشة تمامًا عن مسرح الدولة ، إننا شئنا أم أبينا يجب أن نفهم آليات حركة المنتج ومناخ السوق ذي الطابع التنافسي طالما أننا ارتضينا أن تكون التذكرة هي السبيل للدخول صالة العرض ، إن لغة الانطباعات يجب أن ترحل تماما ، فقد مللنا الحديث عن انحسار الطبقة الوسطى وأزماتها التي سببت غياب الجمهور عن المسرح ، وكأن جمهور المسرح مرتبط بالطبقة الوسطى فقط لمجرد مجموعة من القراءات التاريخية والتي أغلبها تميل إلى نوع أحادي من التحليل وكلنا نعرفه بالطبع ، يجب النظر للمسألة بشكل علمي خاصة وأننا نروج لفن يحمل من الأهداف النبيلة الكثير ويعد الأساس لمشروع ثقافي قومي.

ويمر العمل على الصورة الذهنية بعدة مراحل يشترك فيه مجموعة من الإدارات داخل الهيكل الإداري:

1- الصورة الحاليـة : وهي الصورة التي يرى بها الآخرين مسرح الدولة ، ويقوم بها مجموعة من الباحثين الاجتماعيين بناء على مجموعة من المعلومات التي يستمدونها من: الجهاز المركزي للإحصاء بعد توجيهه بالاحتياج لمثل هذه البيانات من خلال عينات البحث الميداني– استمارة الاستبيان التي تقوم بتوزيعها إدارة خدمة المواطنين في المسارح والتي من المفترض أن تصاغ بعناية شديدة – الرصد الإعلامي والذي تقوم به إدارة العلاقات العامة لمعرفة الصورة الذهنية لمسرح الدولة داخل وسائط الإعلام المختلفة.... إلخ.

 الصورة المرغوبة : وهي الصورة التي يود البيت الفني أن تكون لمسرح الدولة في أذهان الجماهير ، وتلك المرحلة تحددها الإدارة العليا لتحديد كيفية الوصول إلى الهدف المنشود بالتعاون مع إدارة الإعلام والتسويق ، فالصورة المرغوبة لن تتحقق إلا بالاتصال الخارجي عبر وسائط الإعلام والتعامل الخارجي مع الناس واستخدام وسائل الإقناع بالصورة الجديدة مع الجمهور الذي لا يذهب إلى المسرح عن طريق اللقاء الحي عبر مراكز الإعلام المنتشرة في مسارحنا.. وخلافه... والهدف فى هذه المرحلة هو تحقيق المهارة المطلوبة فى الاتصالات

الخارجية، التى من شأنها أن تدعم وضع البيت الفني وتؤكد مكانته فى القطاع الثقافى .  والمشكلة الصعبة التى قد نواجهها فى هذه المرحلة هى التوصل إلى منهج ، وقنوات للنشاط ؛ تنتج آثارًا جهازية.

2-  الصورة الإيجابية: وهي الصورة التي يجب أن يكون عليها مسرح الدولة في الأذهان.

عندما أسمع كلمة تسويق أتحسس مسدسي:

التسويق شر لا بد من التخلص منه. كثيرا ما نسمع تلك الجملة دون وعي بما نقول ، فنحن تعودنا ترديد جمل كثيرة واتخاذ مواقف عدائية دون مبرر تجاه أشياء لا نعرف ماهيتها بعمق ، فالتسويق للفنون لا يعني بالضرورة تسليع تلك الفنون ووضعها ضمن إطار المنتجات الاستهلاكية ، إن المسألة تختلف تمامًا باختلاف المنتج الذي يتم ترويجه والشكل التنظيمي للمؤسسة المنوط بها عملية الإنتاج ، وإذا عدنا إلى مفهوم التسويق بشكله البسيط الأولي سنجده عبارة عن الوصول إلى أكبر قدر من التوافق بين المؤسسة والجمهور ، فإذا كان هدف تلك المؤسسة ربحي في المقام الأول فستعتمد بالتالي على مبدأ إشباع احتياجات المستهلك بغض النظر عن قيمة المعروض (كما نجد في المسرح التجاري) وسيكون هذا هو التوافق الأمثل في تلك الحالة ، أما في حالتنا نحن هذا غير موجود نظرا لأن مسرح دولة هو مشروع ثقافي لا يهدف إلى الربح بقدر ما يهدف إلى التنمية الثقافية والفنية ، المسألة هنا تنحصر في تحديد مجموعة من الأهداف الرئيسية والثانوية ، وفي نفس الوقت لا نستطيع أن ننكر أن من ضمن أهداف مسرح الدولة الثانوية تحقيق الربح من خلال التذكرة للو صول إلى الغاية المثلى التي سبق أن ذكرناها ، فالتذكرة هي عقد أساسي بين المتفرج والدخول للمسرح وهذا ما ارتضينا به جميعًا ، وهذا يعني أننا في مجال احترافي ، إن هذا الجانب الربحي هو ما سوف يتيح لنا توفير البنية التحتية الملائمة للعمل والتي لا يستطيع المسرح أن يعمل بدونها والمتمثلة بشكل أساسي في دور العرض والتي لا نملك أغلبها ، هل يستطيع أحد أن يصدق أن مسرح الدولة لا يملك مسارحه حتى الآن باستثناء مسرحين أحدهما عبارة عن أطلال (مسرح مصر) ، كيف نستطيع إذًا أن نقوم بمشروع ثقافي غير قادر على توفير البنية الأساسية لنموه وتطويره ، فالدولة غير قادرة إلا على دعم المنتج فقط والذي لا يحقق جدواه على المستوى الثقافي الخدمي أو على المستوى المادي الربحي ولا تستطيع تحمل أعباء توفير أراضي وبناءها وهذا ما أدى إلى أننا مهددين فعليا بضياع دور العرض التي نتصارع عليها الآن كالمجانين وكأننا أحزاب نبحث عن سلطة في دولة بلا سيادة ، إضافة إلى أننا في احتياج إلى الربح لتوفير الكفاءات الإدارية الجيدة والتي تحتاج إلى أجور باهظة ، بخلاف الفنان الذي يحتاج إلى المظهر الجيد والظروف المناخية الملائمة لأنه الواجهة التي نعتمد عليها في النهاية ، فالفنانين الجيدين يهجرون المسرح بحثا عن حياة أفضل لهم بعد أن صنعهم مسرح الدولة.

إذًا ينطلق سؤال غاية في الأهمية: إذا كانت من ضمن أهداف التسويق الحصول على أرباح مادية ملموسة كيف لا يتم تسليع المسرح وتحويله إلى منتج قابل للاستهلاك؟ وهنا يجب أن نؤكد أولا أن الإجابة على هذا السؤال تتمثل مبدئيا في الأهداف الرئيسية القائمة عليها هيئة المسرح ، أي أن ما يحدد أهداف التسويق هو الفلسفة التي يقوم عليها مسرح الدولة والقائمة على نشر الخدمة الثقافية والوصول بها إلى الدرجة القصوى من الانتشار ، ثم بعد ذلك تأتي الأهداف الثانوية المتمثلة في الربح المادي الذي نتكئ عليه كوسيلة لدعم هذه الخدمة وضمان النجاح لها ، وهنا سأقص عليكم حكاية عن أحد مسارح الدولة في سيدني التي اكتشفت إدارة التسويق فيه بأن الجمهور تضاءل بشدة في ليلة الخميس والتي من المفترض أن تحقق أعلى نسبة في الحضور الجماهيري ، وبعد مجموعة من الأبحاث التي قامت بها إدارة البيئة اكتشفوا بأن المواطن بدأ يتعامل مع ليلة الخميس كبديل ليوم الجمعة حيث يقوم فيها بالتنزه وشراء السلع الاستهلاكية الخاصة بالمنزل ، لهذا لجأت إدارة التسويق أن تجعل حفلاتها مجانية بعد دوام الموظفين مباشرة في الساعة الثالثة ظهرا للحفاظ على الحضور الجماهيري لهذا المسرح ، فأصبحت تلك الحفلات تلقى رواجا غير عادي لدرجة جعلتهم فيما بعد أن يقوموا بتحديد أسعار لحجز التذاكر في ذلك التوقيت بسبب الزحام الشديد ، وجعل من الممثلين يقدمون أفضل عروضهم في تلك الليالي نظرا للمكافآت التي حصلوا عليها.

هذا نموذج لتسويق المسرح الذي يبغي تحقيق خدمته الثقافية على أكمل وجه.

ثانيا هناك تصور خاطئ يربط بين الربح المادي والسلع القابلة للاستهلاك ، وهو تصور يجب إعادة النظر فيه ، حيث إن كثير من السلع الاستهلاكية لا تحقق الربح والعكس ، إن تلك المسألة لا يتم الحكم فيها بشكل مطلق ، فالمسألة أصبحت نسبية تعود في الأساس إلى المحتوى الفني سواء على مستوى البنية أم المعنى ، بمعنى آخر إذا افترضنا أننا مستهلكين معنيين بالرفاهية والسعر ، وكمواطنين (بشر) يجب أن نكون معنيين بالجمال والحقيقة والعدالة ، سنفاجأ أن الحرية والرفاهية والحقيقة والجمال والعدالة والسعر امتزجت بصورة أكثر وضوحا من ذي قبل.. إن التمييز الشديد بين العام والخاص بين المنتج الثقافي والسلعة والذي يتجلى في بنية الإنتاج (الملكية والإدارة) لم يتضح بالقدر الكافي في خبرة الاستهلاك . فما كان الناس يرونه ويستمعون إليه ويقرأونه أقرب إلى محتوى خليط نابع من العام والخاص، وفي كثير من الحالات أصبحوا غير قادرين على التمييز بينهما ، فالمؤسسات العامة تجعلك تضحك وتشاهد عروضا غاية في الإسفاف بينما قد تعلمك الشركات الخاصة الحقوق والواجبات المدنية كما نجد في كثير من إدارات خدمة المجتمع في شركات القطاع الخاص كشركات المحمول مثلا، فالمحتوى النابع من نظام من النظم  قد ينبع من نظام آخر فعلى سبيل المثال كانت الأخبار المصورة التي تنتجها بي بي سي تبث على التلفزيون التجاري خاصة على القنوات العالمية ، ونستنتج مما نقوله أن مسألة التسويق وغاياته تتوقف على الأهداف التي نسعى إلى تحقيقها وشكل المنتج الذي من المفترض أن نتكاتف جميعا لتطويره.

وأخيرا التسويق الاجتماعي:

يعتقد البعض أن للتسويق لغة واحدة وهي لغة المال ، إلا أن هذا غير صحيح ، فهناك وجه آخر للتسويق متمثل في التسويق الاجتماعي ، قد يكون المصطلح غريب بعض الشيء ، إلا إنه ليس غريبًا على دارسيه في المجال الإعلامي، حيث يعد التسويق الاجتماعي من العلوم الرائعة التي خرجت لنا لتروج لنا القيم الاجتماعية الإيجابية، قد ظهر التسويق الاجتماعي كمفهوم معرفي ونظام له ضوابطه الخاصة به في السبعينات من القرن الماضي عندما وجد "فيليب كوتلر" و "غيرالد زالتمان" أن المفاهيم المستخدمة لبيع المنتجات للمستهلكين في السوق التجاري يمكن استخدامها نفسها لبيع الأفكار والمواقف والسلوكيات، فإذا كنا نعرف علم التسويق والترويج بأنه العلم الذي يروج للسلعة وللخدمة ، فإن علم التسويق الاجتماعي جاء لنا ليروج للقيم وللأفكار وللأخلاقيات الإيجابية والتي لا تستغني عنها جميع المجتمعات المتحضرة . والتسويق الاجتماعي له جذوره التاريخية الممتدة عبر العصور رغم عدم تحديد المصطلح بشكله العلمي ففي القرن السابع عشر مثلا أدرك البابا جريجوري الخامس عشر عند استعراضه لحالة الكنيسة في أوروبا أن الزمن قد تغير وأن الظروف الجديدة تتطلب إجراءات جديدة لمواجهة الإصلاح الديني البروتستنتي لذلك أعلن عن عزمه إنشاء هيئة دائمة تهدف إلى نشر العقيدة بشكل سلمي وبدون صراعات. إن تلك المحاولة هي إحدى محاولات التسويق الاجتماعي.

وهنا سأتحول إلى الفائدة الحقيقية التي من الممكن أن تعود على فن المسرح من جراء استخدام حملات التسويق الاجتماعي ، وذلك لدعم سلوك الذهاب إلى المسرح كسلوك إيجابي داخل المجتمع لما يحمله المسرح من قيم جمالية وتربوية وثقافية من شأنها أن ترتقي بالمجتمع بالكامل ، إن ذلك النوع من التسويق ضروري جدا بالنسبة لمسرح الدولة ، لإعادة الثقة مرة أخرى بالدور الحقيقي الذي يقوم به المسرح تجاه الأفراد لرقيهم على المستوى الثقافي ، وأعتقد أننا جميعا شاهدنا النجاح الذي حققته حملة التسويق الاجتماعي التي قامت بها الضرائب خلال الأعوام السابقة والتي وضعتها لجنة إعلامية على خبرة عالية للأسف لاتوجد عندنا رغم صدق مشروعنا عن هذا الأخير.

عفوا الآن قررت أن أترك صديقي الفنان بفرده

 

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,449,771