تذهب جل الدراسات إلى أن الأغنية الشعبية هى بمثابة التعبير النغمى واللغوى عن وجدان الناس فى مكان بعينه ، وعلى امتداد فترة زمنية قد تمتد لقرون ، ويصدق هذا كثيرا على أغانينا الشعبية التى عرفتها ثقافتنا الشعبية فى الريف والبدو والحضر ، وخاصة تلك التى تصاحب دورة حياة الانسان منذ طفولته مرورا بشبابه وحتى وفاته .

والأغنية الشعبية على ما يبدو من بساطة المصطلح ، عالم بالغ التعقيد يحمل فى طياته  قضايا بالغة الأهمية ، لم تجد بعد من يسبر أغوارها برفق وعمق وعساها تجد , فالأغنية الشعبية رغم شيوع المصطلح ، عالم يكتنفه الغموض والإلتباس ، وهى بحكم تداخل موضوعها بين الشعر وبين الموسيقى تمثل نهرا ينهل منه دون ارتواء ، وينتهى منه دون انتهاء .

ولعل نظرة سريعة إلى مصطلح الأغنية الشعبية  توضح مدى إلتباسه وتضارب الفهم تجاهه ، فالمفهوم الإعلامى يختلف عن المفهوم الأكاديمى ، ودون فك للإلتباس يجرى فى النهر ماء جديد يزيد الطين بلة ، فمن الأغنية الشعبية إلى الأغنية العاطفية إلى الأغنية الطربية إلى الموسيقى العربية إلى الأغنية الفولكلورية إلى التقليدية إلى الكلاسيكية إلى الدارجة ، إلى الشائعة ، إلى الذائعة ، قائمة طويلة لاتنتهى ، ويمثل كل مصطلح منها لدى مستخدميه فهما خاصا يستخدم  دون  رغبة فى تغييره أو تنازل عن صحته وصدقيته مقارنة بأى مصطلخ آخر .

من السهل أيضا تبين الحال الذى آلت اليه الأغنية المصرية عموما فى غضون السنوات العشر الأخيرة ، وهو حال لايسر ، فقد اشتمل على كم هائل يصعب مواكبته مما تنتجه شركات الانتاج المعروفة وغير المعروفة ، حيث أتاحت الوسائط المتعددة من قنوان فضائية وموجات راديو وانترنت ، اتاحت كل هذه الوسائل والوسائط لكل كائن من كان ممن تسول له نفسة خوض تجربة الغناء أن يدلى بدلوه لكل دون رقيب أو عتيد، وياللعجب تتلقف هذه المواد آذان المتلقيين دون مرجعية سمعية ودون نقد فنى أو مجتمعى يؤكد ويكرس لما هو نافع ويقوم ويقاوم ما قد يضر بالذائقة الجمالية السمعية للمتلقى. إن المتأمل لما يتعاطاه المستمع المصرى فى الأونة الأخيرة من مواد سمعية يطلق عليها البعض مصطلح أغانى ، ويتبعها دون عناء بكنية " شعبية " يوقع المرء فى حيرة من أمره ، فمن سعد إلى شعبولا إلى الليثى ، مرورا بـ " أركب الحنطور واتحنطر "، وانتهاء بـ" أخيرا اتجرأت وهعلى صوتى عليك ". عالم من جنوح الذوق واضطراب القيم ، وضياع لبوصلة الجمال الذى هو غاية الابداع إن جاز لنا أن نطلق على هذا السيل الجارف من الإنتاج الغنائى لفظة ابداع ، وهو بلا شك انتهاك للهويه الثقافية وتشويه للوجدان وتدمير للذوق العام ، وهو حال يدعو المرء إلى أن يتساءل : هل من ملاذ آمن ، يتقى به المجتمع هذه الرياح الآثمة ، التى تخرب وجدانه وتعيد صياغة الذوق العام وفق الفوضى غير الخلاقة التى تضرب كل مناحى الحياة المصرية ، ودون احتراز لما سوف تسفر عنه من نتائج وخيمة قد لا يصلحها الدهر إن لم نشأ لها إصلاحا ؟

قد يرى البعض أن العودة للجذور ووصلها بالفروع يمثل حافزا ايجابيا يساعد فى توجيه الذوق العام وجهة صائبة ، وهذه العودة لا بد أن تتمثل فى الإعلاء من شأن الثقافة الشعبية بمكوناته الأصيلة ، والأغنية الشعبية أحد أهم هذه المكونات ، فقد ظلت الأغنية الشعبية " الفولكلورية " تصاحب الإنسان من المهد إلى اللحد ، وكانت بمثابة التعبير الفنى بالصوت والكلمة عما يعتمل فى فكر وجدان الانسان من آمال وآلام ، وذلك وفق سمات وخصائص طالت الأبداع الشعبى عموما والأغنية الشعبية خصوصا ، وتلبية لوظائف جمالية واجتماعية .

غير أن الثورة التكنولوجية التى طالت وسائل الإعلام قد بددت الحدود الفاصلة بين الثقافات وجعلت الهوية الثقافية نهبا لرياح التغيير التى اقتلعت فى طريقها كثيرا من القيم التى كانت ثمثل المحرك الخفى للسلوك الجمعى فى  المجتمع ، وعليه فقد بات المناخ مهيئا للتغيرأكثر من أى وقت مضى  ، وذلك فى ظل تراجع غير مسئول من جانب المؤسسات الرسمية الثقافية والاعلامية .

 

الأغنية الشعبية ودورة الحياة:

ترتبط الأغنية الشعبية بحياة الإنسان وتصاحبه فى مراحل حياته المختلفة من المهد إلى اللحد، وتؤدى غالباً بشكل جماعى وبالصورة التى تفرضها المناسبة أو الطقس المرتبطة به ، ومن هذا النوع نجد أغانى الميلاد والسبوع وتهنين وترقيص الأطفال وأغانى الختان وأغانى وألعاب الأطفال ثم أغنيات العمل بأنواعها المختلفة الجماعية والفردية، ثم أغانى الشباب والحب والزواج والأفراح بمختلف مناسباتها، وكذلك أغانى الحج والعديد. ومن هذه الأغانى ما اندثر فعلاً ومنها ما هو فى طريقه للاندثار.

 وسوف نعرض فى عجالة لبعض النماذج من أغانى مرحلة الطفولة ، حيث تحتفى الثقافة الشعبية المصرية بالطفل وهو ما تعبر عنه الأغانى الشعبية فى مناسبات عدة منها احتفالية السبوع وما تتضمنه من أغنيات نسوق منها :

-       برجالتك برجالتك    حلقه دهب فى وداناتك

ياربنا ياربنا يكبر ويبقى قدنا

-       يا ملح يامليح         يا مجوهر يا فصيح

يحطوك فى النار تطرقع     يحطوك فى الميه تسيح .

ومن الأغانى التى تغنيها الأم لوليدها ،ما يعرف بأغانى تهنين الأطفال أو أغانى " المهد " ، حيث تغنى :

هيه هيه ياولد ياولد      تو طبلك ماضرب

والمدينة ادربكت       والغز قامت ع العرب

يوم ما قالو دا ولد      انشد ظهرى واتسند

وتتضمن الأغانى سعادة الأم بوليدها ونسيانها ماكابدته من ألم بعد قدومه حيث تغنى :

-       ياوليدى اللى ولدته فى طريح السوج جبته

ياظهرى ماوجعنى ياجلبى ما شكيت به

-       خد البزه واسكت خد البزه ونام         وامك السيدة وابوك الإمام

جدك سعد باشا طالب الاستقلال    

-    يارب ينام يارب ينام       وأنا أجيب له جوزين حمام

ياكل ويجول كمان

ما تخافشى ياحمام بضحك عليه لما ينام

ومن المناسبات الهامة التى كانت تحفل بالأغنيات مناسبة ختان الذكور، حيث نجد هذه الأغنيات:

-  دخل المزين بعدته الذهبية      حلف المزين ما ناخد الإ ميه

-  طاهره يامزين تحت السجيفة وجطع يامزين جطعه لطيفة

بشويش عليه يامزين دا ولدى نحيفة

-       يامزينه نازل من البغدادى  موسه دهب والمسن عاجى

وأبوه يجول هاتو الطرابيشى لبسوه

 وأمه تجول توى بلغت مرادى .

ومن أغانى ألعاب الأطفال الشعبية التى تغنيها الأم لطفلها :

حاج حجيج بيت الله والكعبة ورسول الله

حلفت أمك ياجمل ما تسقيك اليوم لبن إلا لبن الناقة

-       واحد اتنين سرجى مرجى انت حكيم ولا تمرجى

أنا حكيم الصحية العيان أديلة حقنه والمسكين أديلة لقمه

بدى أزورك يانبى  ياللى بلادك بعيدة

فيها أحمد وحميد حميدة جابت ولد سميته عبد الصمد

مشيته ع المشايه خطفت رآسه الحدايه حد يا حد يابوز القرد

أنت ولد ولا بنت أنا ولد ولابش طربوش .. الخ

وكذلك :

أبوح يا أبوح    كبش العرب مدبوح

وأمه وراه بتنوح

بتقول يا ولدى

ياطلع الشجرة   هاتلى معاك بقرة

تحلب وتسقينى    بالمعلقة الصينى

والمعلقة انكسرت     يامين يربينى

 وهناك من الأغانى ما  يؤديه الأطفال مصاحبة للألعاب :

وطلعنا الجبل يوحه    بنقى سبل يوحه

سبل ما لقينا  يوحه     قابلتنا غزاله يوحه

بيضه وعريانه يوحه الخ .

وكذلك :

 الثعلب فات فات   وف ديله سبع لفات

ياطالع ع الشجرة هات    كمثرى وبلح أمهات

ياحلاوة ع المدارس    واللعبة حلوة خالص

والثعلب فات فات .

وتحفل المناسبات الدينية بالكثير من الأغنيات التى يغنيها الأطفال ، وخصوصا الأغانى المرتبطة بشهر رمضان وعيد الفطر ومنها :

يارمضان ياعود كبريت يامقيد كل العفاريت

لوما محمد ماجينا        يا الله الغفار

ولا تعبنا رجلينا         يا الله الغفار

يحل كيسه ويدينا          يا الله الغفار

يدينا ما يدينا             يا الله الغفار

يدينا ميتين ريال            يا الله الغفار

حلو ياحلو رمضان كريم ياحلو

فك الكيس وادينا بقشيش

يانروح مانجيش ياحلو

وحوى ياوحوى أيوحه

وتمثل الأغانى الشعبية المصاحبة لدورة حياة الفرد مجالا خصبا للدراسة بكافة اتجاهاتها الأدبية والموسيقية والتاريخية الاجتماعية ، فالأغنية الشعبية مرآة للثقافة تحمل فى طيات نصوصها الاتجاهات الراسخة والمعبرة عن رؤى المجتمع التى تصدر عنه وعادته وتقاليده، والنموذج المثالى الذى يتطلع إليه هذا المجتمع في كافة مناحى الحياة، وهى بما تحمله من بساطه فى الأداء والتعبير تكسر الحاجز المصطنع بين المؤدى والمتلقى لتجعل منها بوتقة ينصهر فيها ويصدر عنها في آن واحد ما تجيش به مشاعر المجتمع وما يعتمل فى عقله من أفكار وتصورات ومعتقدات، وهكذا تصدق المقولة الشهيرة أنك إذا أردت أن تعرف شعباً فاستمع إلى أغانيه وموسيقاه.

 ودون خوض فى شائك السبل فليس المقام مقام العلل ، ولا المبتغى ولوج الأمل ، ولكن تعن للمرء الخواطر فيخشى الوقوع طريح الزلل .

1- ما أنتجته القريحة الشعبية المصرية على مدى قرون طويلة وتمثل فى حصيلة الألحان التى انتقلت شفاهة من جيل إلى جيل ، واعتراها التغيير إضافة وحذفا بما يتلائم مع ذوق ووجدان الجماعة الشعبية وإمكاناتها الفنية ، وهو ما يزال جاريا فى الاستعمال مصاحبا لهذه الجماعة فى سائر نشاطها الانسانى بمصاحبة الآلات الموسيقية الشعبية التى انبثقت عن هذه الثقافة لتمثل طابعها ومادتها الموسيقية . 

2-  الموسيقى التقليدية المصرية، وتشمل حصيلة الانتاج الغنائى الذى انتجته قريحة الفنان المصرى ملحنا ومغنيا منذ بداية القرن التاسع عشر وحتى الربع الثالث من القرن العشرين ، وقد تميزت تلك الفترة باعتبار بعضا من من منجزها الفنى تراثا غنائيا مصريا اتخذته ما عرف بفرق الموسيقى العربية مجالا لعملها ، بل وتجاوزته إلى ما هو أحدث انتاج الخمسنات والستينيات من القرن الماضى ، وذلك فى ظل غيبة المعايير التى اتخذتها لإنتقاء ما تقدمه من أعمال غنائية ، جريا وراء تقديم أعمال تدغدغ ذاكرة جمهور هذه الفرق وتتملق ذوقه دون اعتبار للدور التى انشئت من أجله أو الفن الذى كان يتوجب عليها احياؤه أو اعادة تقديمه .

   3-    الكم الهائل والذى يصعب مواكبته مما تنتجه شركات الانتاج المعروفة وغير المعروفة لكل من تسول له نفسة خوض تجربة الغناء دون رقيب أو عتيد ، حيث أتاحت الوسائط المتعددة من قنوان فضائية وموجات راديو وانترنت ، اتاحت كل هذه الوسائل والوسائط لكل كائن من كان أن يدلى بدلوه ، وياللعجب تتلقف هذه المواد آذان المتلقيين دون مرجعية سمعية ودون نقد فنى أو مجتمعى يؤكد ويكرس لما هو نافع إن جاز لنا التعبير ويقاوم ما قد يضر بالذائقة الجمالية السمعية للمتلقى .  

 

أ.م.د. محمد شبانه

المعهد العالى للفنون الشعبية – أكاديمية الفنون

 

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,320,583