د. زين نصار

عمار الشريعي :

ـ  طه حسين لم يكن النموذج الذي أحتذي به.

ـ بدايتي الحقيقية كملحن كانت سنة 1978عندما لحنت للمطربة الكبيرة شادية أغنية "أقوى من الزمان".

ـ  عبد الوهاب قال لي : الجيل ده عندهم بخت في التسجيل ... أنا حزين لأني ما سجلتش بالأجهزة دي .

  في إطار حرصي على توثيق حياة وأعمال كبار الموسيقيين المصريين منذ سنوات طويلة,قمت في التاسع من أغسطس عام 1989,بإجراء حوار مطول ومسجل مع الموسيقار الراحل عمار الشريعي,ومن واقع ذلك التسجيل أقدم لك عزيزي القارئ أهم ما دار في الحوار وما أبدى فيه من أراء وما حصلت عليه من معلومات عن ذلك الموسيقي المصري العملاق, الذي أسهم بجهوده المتنوعة في المجالات المختلفة في الحياة الموسيقية المصرية بنجاح كبير.

  ممكن تكلمني عن نشأتك وطفولتك المبكرة؟

-    أنا ولدت في سمالوط بمحافظة المنيا في 16 أبريل عام 1948، لأسرة معروفة, ولما كنت مكفوف البصر, فقد حاولت أسرتي أن تخفف عني, بأن يغرسوا في ذهني النموذج المعروف لديهم في ذلك الوقت, وهو نموذج الدكتور طه حسين، الذي أستطاع برغم أنه كان مكفوف البصر أن يحقق المعجزات, سواء في دراسته في مصر أو في باريس, حتى أصبح نجما ساطعا في عالم الأدب والثقافة. ولكني في الحقيقة لم أستطع أن أجد فيه النموذج الذي يمكن أن احتذيه, حتى بعد أن قرأت رواية "الأيام" أو الجزء الأول منها على الأقل, وأنا في الثامنة من عمري,وربما كانت تلك الغربة بسبب تطور الزمن,فقد كان بيني وبين الدكتور طه حسين أكثر من خمسين عاما.

هل كان أحد من أفراد أسرتك محبا للموسيقي والغناء؟

-   نعم كان لي خال جميل الصوت, وكذلك كانت أمي تتمتع بصوت جميل, وهي كانت أول من غرس في وجداني حب الاستماع إلى الغناء, فقد كانت تغني لي أغاني متنوعة,فكانت تغني لي أغاني تحنين, ولما كانت تغني لي أغاني الأفراح كان ده يشجيني وأضحك وأنبسط, لأن أمي كانت تحفظ كمًّاًّ كبيراً من التراث الفلكلوري, أما أبويا فمن باب التشنيع ممكن أقول لك لما يسمع عبد الحليم حافظ يقول عليه عبد المطلب!!

كيف بدأ تعليمك وما هي المدرسة التي درست فيها؟

في عام 1953 عندما كنت في الخامسة من عمري التحقت بمدرسة المكفوفين التي كانت قد أنشأتها النقطة الرابعة الأمريكية لتعليم المكفوفين, التعليم العام والتعليم السلوكي.

كيف كانت حياتك في تلك المدرسة؟

-       أولا هذه المدرسة كانت مدرسة داخلية, ومن العادات التي تعودت عليها في تلك المدرسة "شاي بعد الظهر" الذي كان يُقَدًمُ في فناجين صيني ومعها أطباقها و" الكيك", وأيضاً كانوا يقيمون لطلاب المدرسة حفلا كل عام في قاعة إيوارت التذكارية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة, لعرض نشاطاتهم في الغناء والعزف. وفي عام 1956 انتقلت تبعية المدرسة للحكومة المصرية, فتشتت بين وزارتي التربية والتعليم.., والشئون الاجتماعية"لأنها كانت مدرسة داخلية", وبالمناسبة أنا كنت نباتيا ً منذ صغري, وكان لازم ولي أمري يذكر ذلك في طلب الالتحاق, فكان يُقدًمُ لي طعام يراعي فيه أني لا آكل اللحوم, فكانوا يقدمون لي البيض والجبن وكوبا من اللبن كل صباح.

ماذا كانت طبيعة الدراسة في تلك المدرسة؟

- بجانب التعليم العام في المدرسة,كان يوجد ثلاث شُعب هي" الموسيقي – التربية الدينية التي تؤهل للالتحاق بالأزهر الشريف- الحرف", يدرس الطالب في إحداها وفقا لاستعداده الفطري,ونظراً لوضوح موهبتي الموسيقية فقد التحقت بشعبة الموسيقى, ومن حسن حظي أن مدرس التربية الرياضية في المدرسة,ويدعى "عبد الله محسن" كان موسيقيا محترفا"فتولى رعايتي موسيقيا, وإيمانا منه بموهبتي أرسل خطابا لمدرسة "هادلى"الأمريكية للمكفوفين,وشرح لهم حالتي, وبعدها درست مع الأستاذ عبد الله وفقا للبرامج الموسيقية لتلك المدرسة.

ما هي الآلة الموسيقية التي درستها في برامج تلك المدرسة؟

- درست عزف آلة البيانو منذ أن كنت في السادسة من عمري واستمررت في دراستها. وفي عام 1958 بدأت أعلم نفسي عزف الأكورديون حتى وصلت فيه إلى مستوى ممتاز في الأداء, جعلني أفوز بالمركز الأول في كل المسابقات التي كانت المدرسة تشارك فيها بكل مراحل التعليم,وفي نفس السنة "1958"اصطحبني والدي في زيارة إلى الموسيقار كمال الطويل,لكي يتعرف على حقيقة موهبتي.

وماذا تم في هذا اللقاء الهام بالنسبة لك؟

-      بعد أن أستمع إليّ الموسيقار كمال الطويل, قال لوالدي" ابنك اللي أنا شايفه قدامي ده كأنه متخرج في المعهد العالي بتاعنا".

وماذا حدث بعد ذلك؟

-      عندما بلغت الرابعة عشر من عمري شعرت برغبة في تعلم عزف آلة العود, لما لهذه الآلة من أهمية في الموسيقى العربية, وكذلك لإعجابي الشديد بعزف كل من" محمد القصبجي ومحمد عبد الوهاب ورياض السنباطي" على آلة العود, وبدأت أعلم نفسي عزف العود, واللي سهِّل علي المهمة, إني بجانب دراستي الموسيقية السابقة كنت أُجيد قراءة التدوين الموسيقي "النوتة".

متى انتهيت من دراستك في المرحلة الابتدائية؟

-   انتهيت منها سنة 1960, وبعدها التحقت بالمدرسة الثانوية وانتهيت منها عام 1966,وبعدها التحقت بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب بجامعة عين شمس.

ماذا فعلت في الجامعة؟

-      طبعا اشتركت في النشاط الموسيقي في الكلية, وأصبحت نجما بين زملائي, بسبب مهارتي في العزف بشكل محترف, ولكني كنت حريصا في نفس الوقت على أن أنهي دراستي في الكلية بنجاح.

متى احترفت عزف الأكورديون في الفرق الموسيقية ؟

-      احترفت بعد تخرجي في الجامعة سنة 1970 مباشرة.

وما هي الفرق التي عملت بها ؟

-    اشتغلت في فرق كتير, خاصة تلك التي كانت تشارك في أفراح البيئة الشعبية,ثم انتهى بي الحال عازفا على الأكورديون في الفرقة الذهبية بقيادة الفنان صلاح عرام,واستمررت فيها ثلاث سنوات, وفي تلك الأثناء تحولت من عزف الأكورديون إلى عزف الأورج.

ومتى بدأت رحلتك مع التلحين؟

- كان أول ألحاني هو أغنية "امسكوا الخشب يا حبايب" وغنتها المطربة مها صبري في حفل عيد ميلاد إذاعة صوت العرب في "4 يوليو 1974".

ما الذي دعاك لتكوين فرقة الأصدقاء؟

-      أنا كونت فرقة الأصدقاء عام 1980، لأنه كان في تلك الفترة كان هناك العديد من الفرق التي كانت تقدم الغناء الغربي, أو تقدم غناء باللغة العربية لا علاقة لها بالغناء العربي, فأردت أن أعبر عن الشخصية المصرية في الغناء, فقمت بإجراء عدة اختبارات, وأخيراً اخترت أفضل ثلاث أصوات سمعتهم وكونت منهم فرقة الأصدقاء لكل أقاوم تيار التغريب في الغناء المصري.

وكم من الوقت استمرت فرقة الأصدقاء؟

-   استمرت ثلاث سنوات لحنت فيها للفرقة "36" أغنية طُرحت في ثلاثة أشرطة كاسيت,وحرصت في تلك الأغاني على استخدام مقامات وآلات الموسيقى العربية, بهدف تعميق الإحساس بالطابع المصري في تلك الألحان.

ما هو العمل الذي تعتبره البداية الحقيقية لك كملحن؟

أعتبر أن بدايتي الحقيقية كملحن كانت سنة 1978 عندما لحنت للمطربة الكبيرة شادية أغنية "أقوى من الزمان".

قمت بتأليف الموسيقى للعديد من المسلسلات الإذاعية .. أذكر لي بعض تلك المسلسلات؟

-     أذكر منها مسلسلات " الحياة في زجاجات فارغة- لا تلم قلبي- من يخنق الزهور- الحياة الحياة" واستمر المسلسل الأخير على مدى "90" حلقة.

قمت أيضاً بتأليف الموسيقى التصويرية لعدد من المسلسلات التليفزيونية.. ممكن تذكر لي بعضها؟

-      أذكر منها مسلسلات" الأيام- أديب- هو وهي- العملاق- دموع في عيون وقحة- رأفت الهجان".

اتجهت أيضاً لتأليف الموسيقى للأفلام الروائية المصرية .. ممكن تذكر لي بعضها؟

-     أذكر منها أفلام " ابنتي والذئب- الأراجوز- أرجوك أعطيني هذا الدواء – أيام في الحلال- البداية- برج المدابغ- بنات حارتنا – حادي بادي- حارة برجوان- حب في الزنزانة- الشك يا حبيبي – الصبر في الملاحات- عصفور الشرق- كتيبة الإعدام- كركون في الشارع- ليلة القبض على بكيزة وزغلول- البرئ".

جعلت بعض الممثلين والممثلات يغنون في الأعمال الدرامية التي شاركوا فيها, ممكن تذكر لي بعضهم؟

-    أذكر منهم " محمود ياسين- عمر الشريف- فؤاد المهندس- عبد المنعم مدبولي- عبد العظيم عبد الحق – أمينة رزق- شريهان- فردوس عبد الحميد".

كيف بدأت قصة تعاملك مع الأجهزة الموسيقية الاليكترونية؟

-    طول عمري كنت بحلم بجهاز يكتب موسيقى اللحن اللي بعزفه, لأني كنت باكره جداً عملية أني أملي اللحن على موسيقى ليكتبه لي, لأن أن عندي صورة اللحن كاملة في ذهني, وتفكيري سابق لسرعة مُدوِّن اللحن في التدوين, وعندما أتوقف ليلتحق بي, ينقطع حبل أفكاري الموسيقية. وذات يوم قرأت في إحدى المجلات عن جهاز جديد يُدَوًّن موسيقى اللحن الذي يُعزف, فأسرعت بشراء الجهاز وعكفت على دراسة إمكانياته, فوجدت نفسي أمام عالم جديد تماما لا أعرف عنه شيئاً, فبدأت أدرس الكمبيوتر حتى تمكنت منه, وفي آلة الأورج استطعت أن أُدخل مسافة ثلاث أرباع التون الموجودة في كثير من مقامات الموسيقى العربية , والتي لم يكن ممكنا عزفها قبل ذلك على الأورج.

وكذلك أدخلت أصوات آلتي "العود- القانون". وغيرهما إلى آلة الأورج, وأرسلت الابتكار إلى الشركة المنتجة للأورج فأدخلتها على الآلات التي تُصنعها, ونُسب الاختراع لي وذكر اسمي في المراجع الخاصة بهذا الموضوع.

من هم الموسيقيون المصريون الذين تعجب بهم؟

-       أنا شديد الإعجاب بكل من" فؤاد الظاهري- إبراهيم حجاج- أندريا رايدر- وعلى إسماعيل", وأيضاً من جيلي أنا معجب جداً بأعمال الزميل عمر خيرت, وكذلك معجب بتوزيعات "عماد الشاروني ومصطفى ناجي".

هل هناك ما يمكن أن تضيفه من ذكرياتك؟

-     أذكر أن الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب قال لي" يا أخي الجيل ده عندهم بخت في حاجة واحدة هي التسجيل ... أنا حزين لأني ما سجلتش بالأجهزة دي".

كانت هذه الكلمات في ختام حديثي المسجل مع الراحل العظيم عمار الشريعي الذي احتل مكانة بين عظماء الموسيقيين المصريين, ورحل عن عالمنا في السابع من ديسمبر 2012, ولابد أن ألفت انتباه القارئ العزيز أن الهدف الأول من الحوار كان جمع المعلومات الموثقة من مصادرها في إطار التجهيز لموسوعة أعلام الموسيقى والغناء,  ولذلك تقدمت المعلومة على الأفكار والقضايا, وساد الحديث عن المشوار الفني أكثر من الآراء والتحليلات.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر/ مجلة الكواكب

العدد/ 3202- بتاريخ 1 يناير 2013

بقلم/ د. زين نصار

 

 

 

 

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,011,236