اسم الكتاب: مسرح صلاح عبد الصبور

المؤلف: دكتور أحمد مجاهد

الناشر: هيئة قصور الثقافة – سلسلة "كتابات نقدية" أكتوبر 2001م ج1

فى بحث يتميز بالجدية، قدم الناقد الدكتور أحمد مجاهد رؤية سيميولوجية عميقة، لمسرح صلاح عبد الصبور 1981- 1931 الذى قدم خمسة أعمال خالدة للمسرح هى "مأساة الحلاج 1964 ليلى والمجنون 1969 مسافر ليل 1969 الأميرة تنتظر 1970 بعد أن يموت الملك 1973م ورغم كثرة الدراسات القيمة التى درست مسرح عبد الصبور كدراسة وليد منير "المسرح الشعرى عند صلاح عبد الصبور كدراسة وليد منير "المسرح الشعرى عند صلاح عبد الصبور وأيضا المسرح الشعرى عند صلاح عبد الصبور، لنعيمة مراد، وهناك من درس اللون فى مسرح (صلاح عبد الصبور) الشعرى. دراسة سيميولوجية. وهو الباحث اليمنى إبراهيم محمد أبو طالب. وغيرهم الكثير، فإن هذه الدراسة تختص بالدراسة السيميولوجية للنص كاملاً.

وعلم السيميولوجيا يدرس الأنظمة الرمزية فى كل الإشارات الدالة إذ نحن مع علم يهتم بوحدات ثلاث: الإشارات، الأيقونات، الرموز.. ومساحة علم عمل علم السيميولوجيا يمتد لكل نشاط إنسانى فى العلوم والآداب، ويتحقق التواصل السيميولوجى عبر عمليات ثلاث: الدال/صورة دهنية/ مرجع خارجى. ويرى الدكتور محمد عبد المطلب أن الاعتراف النقدي بالسيميولوجيا فى الثقافة العربية راجع أساسا إلى ركائزها اللغوية وبعدها الرمزي والإشاري.

فإن عدنا لكتابنا وجدنا المؤلف فى المقدمة يحدثنا عن العلاقة بين الشعر والموسيقى، واصفاً واصفاً إياها بالعلاقة الجدلية الخصبة، فالشعر تكمن فيه الكثافة اللغوية والإشارية، كما تكمن فى المسرح كثافته السينمائية (العلاماتية) ، ولكن الخطاب المسرحى يحمل بجوار اللغة وسائط أخرى كالديكور والإضاءة والممثل والموسيقى وغيره..

ففهم العمل المسرحى يكون بطريقتين مختلفتين: تفسير البنية الداخلية (التناول السيميوطيقى) والاخرى تتبع علاقة العمل الفنى بالإشارى.

حول لعبة التأويل فى مأساة الحلاج:

فى الفصل الأول وعنوانه "لعبة التأويل فى مأساة الحلاج" يتناول المؤلف المسرحية كاشفاً عن عمق اهتمام "عبد الصبور" بالأيقونة وكافة الأسس السيميولوجية فى العمل المسرحى، فمع افتتاح المسرحية نجد أيقونة الصليب (الساحة فى بغداد، فى عمق المشهد الأيمن، جذع شجرة فحسب، معلق عليه شيخ عجوز، تضىء مقدمة المسرح، يبرز ثلاثة من المتسكعين).

وينبه الباحث أن إضاءة مقدمة المسرح بعيداً عن الديكور، هى إبراز سيميولوجى عكسى للأيقونة، حيث إن "فى التكوين التصويرى يصبح الشكل المعتم أكثر بروزا "إذا ما تضاد مع شكل صغير لامع".

وقد حرص الشاعر على تأكيد الدور الأيقونى للشجرة/ الصليب عبر ثلاثة محاور:

التماثل فى النتيجة "القتل"

التماثل فى الوظيفة "الصلب"

التشابه فى شخصية القتيل. حيث يحرص الشاعر – صلاح عبد الصبور – على تأكيد ملامح المسيح على وجه الحلاج كقوله مثلا:

"إلى .. إلى يا غرباء

يا فقراء .. يا مرضى

كسيرى القلب والاعضاء

قد أنزلت مائدتى

إلى إلى

لنطعم كسرة من خبز مولانا وسيدنا

ويؤكد الباحث ذلك باقتباس قول المسيح، فى إنجيل متى Lتعالوا إلى يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم..)

ويشير إلى نوعية جديدة من التناص فى العمل هو التناص مع النفس، فللشاعر قصيدة تحمل نفس الألفاظ فى ديوانه "أقول لكم" بعنوان "القديس".

التصدير .. وسبله:

ويختار الباحث شخصية الشبلى فى المسرحية، ليدرس سبل التصدير المسرحى لها، والتصدير foregrounding.

هو احتلال الممثل قمة التراتب الهرمى، حيث يجتذب الى شخصه معظم انتباه المشاهدين.

وقد رصد سبلا لهذا التصدير لشخصية الشبلى – رغم أنه ليس الشخصية الاهم – من خلال مكان الدخول – مستلزمات الديكور – الديالوج – التناص – الموسيقى – المونولوج.

وقد استطاع صلاح عبد الصبور ان يبقى على حضور الشخصية الأساسية "الحلاج" وألا يخرجه من بؤرة الاهتمام، لأن محتوى الخطاب موجه له.

ويقترح الباحث إضافة أدوات تأشير جديده لما حدده "كير إيلاك" فى كتابة سيمياء المسرح والدراما بمجموعات (الضمائر/الظروف/أسماء الاشارة فيزيدها" مجاهد" مجموعات أخرى هى (أدوات النداء/ أسماء الإعلام، أسماء الأماكن والأيام والشهور.

الراوي يصنع مسرحا

فى الفصل الثانى الذى عنوانه المؤلف بــ "الراوى يصنع مسرحاً فى "مسافر ليل"، يفاجأ بأن "صلاح عبد الصبور" يحرص فى مقدمة "مسافر ليل" على تعطيل "سميأة" أبطاله الممثلين، بمعنى تسطيح ملامحهم المميزة، فالراوى (وجهة ممسوح بالسكينة الفاترة، صوته معدنى مبطن باللامبالاة الذكية) والراكب نموذج للإنسان بلا أبعاد "وعامل التذاكر" رجل مستير الوجه والجسم، عليه سيمياء البراءة، البراءة التى تثير الشبهة".

ثم يرى الباحث أن تعطيل "سميأة" الشكل هو فى حقيقته سميأة أعمق تهدف لخلق نموذج إنسانى عام.

إن "عبد الصبور" يسعى لنوع من التجريد الحاد، يدعم ذلك عدم تحديد الشاعر للمكان (على أحد مقاعد العربة – فى ركن .. )

ثم كان اختيار الشاعر للعربة المتحركة، دالاً موفقا من الناحية السيميولوجية، لأن الخداع الحركي مثل الحركة تماماً يفيد من الفارس إفادة كبيرة (الفارس farceهو المسرحية التي تتضمن مواقف التهريج والمرح المفرط بصورة قد تصل حد الابتذال كما جاء بمعجم مجدى وهبة).

إن صلاح عبد الصبور يبدأ مسرحيته بعودة الإسكندر للحياة، مثلما يبدأ الطليعيون مسرحياتهم، بموقف غير واقعى، بل يستحسنون أن يكون مستحيلا، ولأن المسرح يستوعب كافة الفنون نجد دقة الشاعر فى استخدام دائرة الضوء، وتراجعها عن دورها بوصفها علامة مستقلة، لصالح ابراز العلامة المهيمنة وقد استخدم الشاعر آلية الإيقاع المصاحب لدخول عامل التذاكر قبل التصدير الضوئي.

ويبدو عبد الصبور واعياً تماماً بالدور السينمائي لشخوصه، خاصة في شخصية "عشرى السترة" والتحول الوظيفى له من حاكمين قساة فى التاريخ العربى كالنعمان والحجاج، إلى "هرمان جورنج" الزعيم النازى قائد سلاح الطيران، إلى ليندون جونسون، حيث يتضافر هذا الاختيار للشخصيات مع الدلالات الرمزية لملابس "عشرى السترة وتحولاته من عامل تذاكر إلى حاكم مستبد، وعلى مستوى العبارات المنقولة يبدأها "عبد الصبور بتعبير" جوع قلبك يتبعك" تشير كما يقول دكتور مجاهد، لمعادلة عبد الصبور الممتدة "الجوع/ التجويع" باعتبار هذه المعادلة وسيلة من وسائل الحاكم لإحكام قبضته على شعبه، وكذلك عبارتا "علمهم الديمقراطية حتى لو اضطررت الى قتلهم جميعاً" وإنى أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها "حيث يمثلان معا اليد الأخرى الباطشة للحاكم المستبد فى دراما عبد الصبور .. إلخ.

وتلعب المفارقة paradoxically دورا هاماً، بطرق عديدة منها اسم الشخصية :

عامل التذاكر : قل لى ، ما اسمك؟

الراكب: عبده

عامل التذاكر: ليس اسمك عبده .. إنك تكذب

الراكب: بل إنى عبده

أقسم لك

وأبى عبد الله، وابنى الاكبر يدعى عابد

وابنى الاصغر عباد، واسم الاسرة عبدون

المفارقة هنا تأتى من تقديم عامل التذاكر عدة أسماء لنفسه الإسكندر – زهوان – سلطان.

أما الراكب فيقدم الحقيقة ، ورغم ذلك يرفضه العامل.

كما يقدم شاعرنا المفارقة ويولدها بواسطة التناص الداخلى، بين ملامح شيئين مختلفين تماماً ، كالبطاقة والتذكرة مثلا، كما تتولد المفارقة بين الأقوال والأفعال.

شعرية جسدية فى "الأميرة تنتظر"

فى الفصل الثالث والذى يحتل نهاية الدراسة فى جزئها الأول يتناول مسرحية "الأميرة تنتظر" متناولاً الخطاب الشعرى المتمثل فى الإيماءة والأقنعة، والمعتمد على التمثيل داخل التمثيل. ومحاولا من خلال ذلك كشف دلالة العلاقات البنيوية بين الشخصيات، التقريب الزمنى والترميز المكانى والآليات الفنية الخاصة. ويبدو أن تيار "اللامعقول" قد صار لافتا لشاعرنا، بحيث وضع لواءه على مسرحيته للمرة الثانية بعد "مسافر ليل" وهنا ايضاً يبدأ الشاعر مسرحيته بشعور أسطورى غامض مخيف خانق، وإشارة العرض فى البداية أطول إشارات العروض فى كافة مسرحيات عبد الصبور، حيث يصف الشاعر الكوخ ومن فيه، كما يصف أحوال نساء الكوخ "الوصيفتان" ويتلاعب بالنور فى ذهابه وعودته، ويشير الشاعر بأن المرأتين تنتظران رجلا يعلمن أنه سيجىء يوما ما يلتقط الكاتب ما يسميه تهيؤ ساحة المسرح بما فيها من ديكور لفكرة الانتظار ولذلك فإن النور الذى يمتد من واجهة المسرح إلى عمقه، يضىء بابا "يتأرجح على لولبه، ليس مفتوحاً ولا مغلقاً" هنا يستخدم عبد الصبور الإضاءة المتحركة فى كشف مكونات الديكور الرئيسية وسط الضباب الضوئى.

وهذا الباب ليس بابا عاديا بل هو باب مغرق فى الرمزية "سيميولوجيا سواء على مستوى الوضع (ليس مفتوحاً ولا مغلقا) أو الحركة (يتحرك على لولبه) أو الصوت (يصر صريراً متمزقاً) كل هذا يتضافر ليمنح المشاهد شعوراً بوطأة الانتظار...

كما يوظف "عبد الصبور المائدة – من منظور علاماتى أو سيميولوجى، فالمائدة (عتيقة – بلا طراز – المقاعد حولها بلا إيقاع – رثة) كل ذلك يعطى إحساساً بعمق الزمن، وأول كلمات المسرحية تير إلى إهمال الزمن بشكل واضح:

الوصيفة الاولى يستعجلنا الموت

لكنا نتشبث بجبال العيش المبتوتة

الوصيفة الثانية: ليس لنا أن نختار

كلمات فى جملة

وقد استخدم الشاعر "التغريب الزمنى" عبر إغفاله تحديد الأحداث واستخدامه تقويما خاصاً (خمسة عشر خريفاً/ خمسة عشر ظلاماً) مما يشير لحرص عبد الصبور على كسر الإيهام، وإيقاظ عقل المشاهد.

وتتعدد آليات العبث فى الخطاب اللغوى، (تتزلقين من البهجة للحزن كما تتزلق السمكة فى الماء وتتوحد اللغة مع الفعل المسرحى الممثل (ينخرطن فى الضحك حتى يبكين)

إن تقديم "عبد الصبور" للحدث يأتى مواربا بشكل شهية مشاهده أو قارئه، حيث يشير أربع مرات للحادث ولا يكشفه، ثم يشير للقادم فقط بضمير الغائب المستتر إمعانا فى التخفى، لأنه يجب النظر الى المقولات النحوية لا بصفتها المجردة ولكن باعتبارها ايقونات دالة "فيصرح شاعرنا للقارىء ببعض المعلومات عن القادم بحيث نعلم أن هذا القادم قد لوح للأميرة / المرأة بالحب، واقسم بان "ينبت فى بطنها طف، لا كل خريف يحيل خريفها ربيعاً، هنا يمنح الشاعر متلقيه بعض الإشارات التى تجعله يتمكن من مواصلة خلق العالم الدرامى التخييلى.

قدم الباحث الدكتور/ أحمد مجاهد جهداً بيناً بلا شك فى قراءته السيميولوجية لمسرح صلاح عبد الصبور، ولم يشعر قارىء الدراسة بالتعسف فى استخدام منهج غربى على نص عربى لأسباب منها ثقافة صلاح عبد الصبور الموسوعية التى جعلته قادراً على منح نصه أبعاداً متعددة، ومستويات متفاوتة فى التلقى، تجعل السعى النقدى فى النص لذة لا تعادلها لذة سوى قراءة النص ذاته.

 

المصدر/ جريدة مسرحنا

العدد/38 - بتاريخ/ 9 فبراير 2009

بقلم/ إبراهيم محمد حمزة

 

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,646,231