إن الموسيقا والغناء فى مصرلهما سمات مميزة ، وهوية واضحة ، إرتبطت بالإبداع الذى   قدمته الأجيال المتعاقبة من كبار الموسيقيين المصريين عبر سنوات طويلة ، فأثرى هذا الإبداع حياتنا ووجداننا ، وارتقى بالذوق العام لكل طبقات الشعب المصرى على إختلاف أعمارها ومهنها وثقافاتها  ، وبرغم  وجود عدد لابأس به من الأعمال الجيدة ، فإننا نلاحظ ومنذ سنوات أن ملامح هويتنا الموسيقية تتسرب من بين أيدينا من خلال تقديم أعمال غنائية

 

وموسيقية لاعلاقة لها بالهوية الموسيقية المصرية التى تبلورت عبر إبداع أجيال من كبار  الموسيقيين المصريين من حيث أسلوب صياغة الألحان التى راعو فيها جماليات اللغة العربية وجرسها الموسيقي والثراء غير العادى فى مقاماتها وموازينها الموسيقية ذلك التنوع الذى ميز إبداع كل موسيقى مصرى عن آخر، فالجميع قد درسوا الموسيقا العربية ونهلوا من نفس المنبع ، وهو دراسة تراث الغناء العربى من قصائد غنائية ، وموشحات وأدوار وطقاطيق ومونولوجات غنائية وثنائيات وثلاثيات غنائية ، ومؤلفات موسيقية وبعد ان حفظوا ذلك التراث واستوعبوه لم يقلدوه – لأن ذلك غير مطلوب منهم  - وإنما بحث كل منهم عن شخصيته المستقلة التى تميزه عن الآخرين ، مستفيدا من كل ما درسه نظريا وعمليا وهناك تشبيه مع الفارق لتقريب الفكرة ، فنحن ندرس اللغة العربية أو غيرها من اللغات، وعندما نتمكن منها ،نبدأ فى التعبير من خلالها عن أفكارنا ومشاعرنا ، فلا نجد شخصين يفكران بنفس الطريقة أو يكتبان بأسلوب واحد ، وإنما يكون لكل منهم مطلق الحرية فى إختيار مفرداته وجمله وأسلوب صياغته المعبر عن شخصيته هذا تماما هو مايحدث فى فن الموسيقا ، فالجميع يدرسون النظرياتها وتطبيقاتها العملية ، وبعدها يبدع كل موسيقى ما يعبر عن شخصيته الفنية ، ولذلك فإننا نجد أن   لكل موسيقى أسلوبه الذى يميزه عن غيره من الموسيقيين ومن ناحية أخرى فإنه فيما يتعلق بالتوزيع الموسيقى الذى يصاحب ألحان الأغنيات أو الموسيقا ، فإننا نجد أن الموزع الموسيقى يختار اللغة الهارمونية المناسبة لطبيعة الألحان المصرية بحيث يعمق الإحساس بها وبمعانى كلماتها ، وأيضا  إختيار الموزع الموسيقى للآلات الموسيقية التى تعزف النغمات التى إختارها  لمصاحبة اللحن ، هذا الإختيار هو إختيار شخصى يعبر عن أسلوب صاحبه  ، فهو يختار آلة موسيقية معينة دون غيرها ، برغم أن هناك آلات موسيقية أخرى فى نفس المنطقة الصوتية لهذه الألة ، ولكنها تختلف عنهم فى لونها الصوتي، وهذا ما دعى الموزع الموسيقى لإختيارها  ، فمثلا لماذا يختار آلة الكمان ولا يختار آلة الفلوت ( وهى آلة نفخ خشبية ) أو آلة الترومبيت ( وهى آلة نفخ نحاسية ) رغم أن الآلات الثلاث فى نفس المنطقة الصوتية ، ولكن إختيارها هنا حكمه طبيعة اللون الصوتى الذى يميز الآلة الموسيقية التى إختارها  الموزع الموسيقى وهنا نجد أن العنصر الإنسانى الذى يتمتع بالموهبة  والدراسة وحسن الإختيار هو عنصر أساسى وجوهرى فى هذا النوع من الأعمال وعلى الجانب الآخر نجد أنه ومنذ سنوات قد وفرت الآلات الموسيقية الكهربائية إمكانيات غير محدودة  صارت بين يدى الموسيقيين المحترفين والهواة فى مصر وفى غيرها ، و  كان من الطبيعى والمتوقع هنا هو الإستخدام  الواعى لتلك الآلات الموسيقية الكهربائية (الأورج الكهربائية – الجيتار الكهربائى – الكومبيوتر – جهاز تحلية الصوت  ... وغيرها   من الأجهزة ) ، ولكن هذا  لم يحدث فى أغلب الأحيان ، فرغم أن هناك إستخدام موفق لهذه الآلات فى العديد  أن  الأعمال الغنائية والموسيقية المصرية ، إلا أن هناك أيضا  سوء إستخدام لتلك الألات فى الكثير من الأحيان ومما ضاعف من المشكلة توافر البرامج الموسيقية سابقة التجهيز المسجل عليها اللغة الهارمونية بتفاصيلها ، والتى تقوم بعملها بمجرد الضغط على الأزرار ،وكذلك البرامج الموسيقية السابقة التجهيز المسجل عليها أصوات كل آلات الأوركسترا  ، وأضيف إليها آلات الموسيقا العربية ، وآلات الموسيقا الشعبية ،  التى تعمل أيضا بطريقة آلية بمجرد الضغط على  الأزرار، يضاف إلى ذلك إستخدام  ( جهاز تحلية الصوت ) الذى يستخدم عندما يحدث  ان أحد المطربين أو  إحدى المطربات يصدر  أثناء   تسجيل إحدى الأغنيات فى الاستوديو نغمات خطأ (نشاز ) ، فيقوم  ذلك الجهاز بتصحيح النغمات (النشاز ) فى التسجيل ليبدو كما لو أن المطرب أو المطربة  لم يخطئ على خلاف الواقع  وهكذا يتم التزييف الفنى ، وخداع الجماهير وكان من نتيجة كل ما سبق ذلك التشابه غير المقبول فى    الكثيرمن الأعمال الغنائية والموسيقية المعاصرة .  

 

 

 

 

ونلاحظ كذلك أن بعض الشباب الهواة ، والذين قد يكونوا موهوبين ، ويعتقدون أنه لاحاجة لهم  بالدراسة ، طالما أنهم قد ظهروا على الساحة الغنائية ، وحققوا قبولا لدى الجمهور وهم قد لايدرون أن الموهبة تمثل المادة الخام التى وهبها الله سبحانه وتعالى للبعض ، فإن لم يتم صقلها بالدراسة فإنها تفقد الكثير والكثير جدا  فإذا  كان لدى الشاب أو الشابة لم يتم صقلها بالدراسة فإنها تفقد الكثير والكثير جدا  فإذا  كان لدى الشاب أو الشابة الموهبة فى الغناء أو العزف على الآلات الموسيقية ، فعليه أن يدرس إما دراسة منتظمة فى الكليات والمعاهد الموسيقية ،أو أن يدرس دراسة حرة على سبيل المثال فى مركز تنمية المواهب فى دار الأوبرا  المصرية ، أو فى مركز الإشعاع بكلية التربية الموسيقية  بالزمالك ، أو فى الدراسات الحرة بقاعة سيد درويش بالهرم ، أو فى أحد قصور الثقافة المنتشرة فى كل أنحاء الجمهورية ، ومن خلال ذلك يتم صقل الموهبة وتنميتها والملاحظة الأخرى على الحياة الموسيقية المصرية هو قلة ظهور آلة العود فى فرق الشباب الموسيقية المعاصرة ، وحلت محلها  آلة الجيتار ، وكذلك إستبدلت آلات الإيقاع  العربية بآلات الجاز باند ، ولا يخفى على أحد القيمة الفنية لآلة العود ، فهى الآلة الأساسية فى الموسيقا العربية ، وهى آلة الملحن التى تعمق الإحساس بالطابع العربى للألحان ، وكذلك فإن الإسراف فى إستخدام آلات الجيتار يحدث تغريبا فى الألحان المؤداة والجدير بالذكر أن آلة الجيتار هى آلة متميزة إذا إستخدمت كآلة تؤدى دورا فى الألحان ، فلا بأس بذلك ، وقد تم ذلك كثيرا فى الماضى ، ولكن لايجب أن تكون هى الآلة الأساسية المعبرة عن الروح المصرية وأخيرا  أشير إلى الجريمة البشعة التى ترتكب فى حق بعض كبار الموسيقيين المصريين ، عندما تقدم ألحانهم لأغانى معروفة للإعلان عن السلع التجارية هكذا دون حياء هل هو إفلاس فى الإبداع ، أم أن منتج السلعة يوفر أمواله فيعتدى على الملكية الفكرية لكبار فنانينا ، وهو لايدرى أن هذه الجريمة لاتسقط بالتقادم ، ولذلك أطالب جمعية المؤلفين والملحنين المصرية أن تتخذ الإجراءات القانونية لمواجهة هذه الجريمة البشعة التى لاتغتفر   إن كل ماذكرته من ملاحظات سابقة للتنبيه لمدى الخطر الذى يحدق بالهوية الموسيقية  المصرية، فمن تغريب فى صياغة الألحان وطريقة نطق كلماتها ، إلى آلات موسيقية تبتعد كثيرا إن كل ماذكرته من ملاحظات سابقة للتنبيه لمدى الخطر الذى يحدق بالهوية الموسيقية  المصرية، فمن تغريب فى صياغة الألحان وطريقة نطق كلماتها ، إلى آلات موسيقية تبتعد كثيرا عن التعبير عن الروح المصرية ، ثم إلى إستخدام آلات موسيقية كهربائية ، وبرامج موسيقية سابقة التجهيز يغيب معها العنصر الإنسانى عن الإبداع ، إلى سرقة الألحان من كل مكان وإدعاء ملكيتها ، وآخرها إستخدام ألحان كبار الموسيقيين المصريين التى رسخت فى الوجدان المصرى والعربى وأسعدت الجماهير لسنوات طويلة ، تستخدم الآن للإعلان عن السلع التجارية كل هذه جرائم لاتغتفر ، وكل مرتكب لها ليس ببعيد عن أن ينال عقابه الذى يستحقه.

 

 

 

 

بقلم : أ.د. زين نصار 

أستاذ النقد الموسيقى بالمعهد العالى للنقد الفنى 

أكاديمية الفنون 

 

 

المصدر/ جريدة القاهرة

2014/9/16

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,013,767