فؤاد قنديل


لم يحضر غير العشرات القليلة عزاء المفكر والشاعر والمترجم والكاتب والمسرحي الكبيرعبد الغفار مكاوي ، ولا أظن الشتاء هوالسبب ولا أظنها السياسة ، كما لا أظن حال البلد المنقسم والساقط في هوة الاقتصاد المنهارهو السبب ، فليس هناك ما يمنع من وداع رجل رائع ونبيل بحجم وعطاء الدكتور عبد الغفار مكاوي ، وقد تصورت أنني ربما لا أجد مكانا في القاعة وأن الآلاف سيكونون هناك ولن يتخلف أحد ..وبينما كنت أتأمل وجوه الحاضرين المتناثرين تذكرت أن للراحل مسرحية من فصل واحد بعنوان " الحصان الأخضر يموت على شوارع الأسفلت " فتأكدت أنه الذاك الحصان ، ثم تذكرت في لحظة بديعة من تلاوة القرآن لشيخ موهوب يقلد الشيخ الطبلاوي مسرحية أخري بعنوان "زائر من الجنة " فترقرت في العيون دموع .
تعرفت بالدكتورعبد الغفارعام 1971 ودعوته كي يتحاور مع شباب الأدباء في الندوة التي أسستها بشارع شبرا وكنت مدرسا للفلسفة في مدرسة بنات قريبة ، وكان قد أصدرمنذ شهور كتابه الهام " ثورة الشعر الحديث " الذي أزعم أن كل مثقفي الوطن العربي شبابا وشيبا قد أوسعوه قراءة، وما يزال هذا الكتاب يقبع في صدر المكتبات الخاصة والعامة. وكان قدلفت انتباهي للمرة الأولي بعد قراءتي لكتابه " سافو .. شاعرة الحب والجمال عنداليونان" متأثرا بشكل ما بكتاب رائد الثقافة المسرحية دريني خشبة "أساطير الحب والجمال عندالإغريق" الذي كتبت عنه مقالا في مجلة الفكر المعاصر عام 1966..
في الندوة لمست مدي ما يتمتع به من تواضع وحياء وعذوبة وهدوء وحب الاستماع والخلق الرفيع مع الموسوعية والميل إلي التغيير والثورة دون ضجيج ، فهو ثائر صامت ومتمرد خجول ،ويؤثر التواري رغم العمل الدءوب .
تابعت بشغف مسيرته بعد ذلك كمترجم كبير ومفكر عميق الرؤية وصاحب دراسات نقدية لافتة ، مثل "مدرسة الحكمة ".
و" قصيدة وصورة " و"عصور الأدب الألماني "و"النظرية النقدية لمدرسة فرانكوفورت " و " الحكماء السبعة "، وإبداعه الأدبي الذي تجلي في عدد من الروايات والمجموعات القصصية ،وقد ترجم من الشعر والمسرح الألماني الكثير عدا كتب أخري في مجالات متنوعة ، لا أحسب أن التاريخ الأدبي يمكن أن يتجاهلها إذا كان قد تجاهلها بعض المثقفين ، ولذلك أطمع ألا تتجاهله بعد رحيله المؤسسات الثقافية المصرية ، راجيا أن يصدرتوجيه محدد وواضح من الدكتور وزير الثقافة بإعادة جمع أعماله ، وطباعتها لتكون بسعر زهيد بين أيدي القراء ، ولا يفوتنا في النهاية أن أقول إننا بدم باردنقصر في حق أعلامنا ، وقاماتنا العلمية والثقافية السامقة من حيث التعامل والتقدير وطبع الأعمال وتداول الأفكاروتقريبها من البسطاء والأجيال الجديدة ، وبهذا لا أظننا نسيء فقط ونقصر في حق الأعلام ، لكننا نسيء ونقصر أيضا في حق الشباب والنشء، فمتى يحين الوقت كي نرسخ لهذه الرؤية في آليات ثابتة ترفع مستوي الوعي لدي الجماهير المحرومة ؟.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر جريدة مصر المحروسة

 

 

 

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 277 مشاهدة

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,011,234