هو القادر على إضاءة المسافة بين السماء والأرض .. يمتلك قلماً شرساً قوياً حزيناً ومراوغاً .. يختصر تلك القدرة الهائلة للعقل والقلب والجلباب الذي يرتديه ليصنع به الأعاجيب وكلما سافر وتجول ولعب وضحك وتعارك ونام وقرأ وشاهد أنشحن القلم جيدا لكي تزيد رهافته وبصيرته وخطورته

  مرت ذكرى رحيله يوم السادس والعشرين من يونيه الماضي، وكعادة النسيان في زحام الحياة المليئة بالضجيج، ضعفت ذاكرتنا عن تذكره، برغم ما يبدو لي وللكثيرين أن لنا كلمات عاجزة وحروفا تائهة، تسعى أن تحمل الامتنان لفيض إبداعه في الكلام والحروف والمعاني، في حكمة واقتدار وحب للبشرية، وهى الرسالة التي يحملها الأديب الصادق من وراء عمله.

  ومحمد مستجاب كان صاحب رسالة أدب صادقة ولكنها صافية أيضاً، خاصة عندما ترتبط بذلك الإبداع الأصيل المنطلق من الذات الملهمة ليتمرد على أي مسلمات أو بديهيات، فتبقى قمة اللذة حينها لكل قارئ يشعر بتلك الحالة الخاصة لذاك الرجل، وطريقته وسمة أسلوبه المتفردة، والتي جعلت من فعل الكتابة إبهارا ذا ملامح غريبة ومدهشة وغير عادية، هو الأمر الذي أسعدني وأسعد جيلي وأجيالا أخرى لم تأت بعد، بل سيظل علامة فارقة ومحيرة.

  يعجبني في مستجاب أنه يعرف كيف يثير ذهنك حتى تقتنع وتنبهر وتلتفت إليه وتتأمله وتنجذب فتصبح المتيم والمجنون المولع بكتاباته، فهو يستخدم مفردات اللغة ويتلاعب بها كيفما لا يمكن التوقع، فيصيغ الحلم مع الأسطورة، ويدخل الواقعية في الخيال، فيصل في النهاية لمراده الحكيم، باستخدام الحيوان والشجر والصخر والبشر الصالح والطالح صغير وكبير.

 

حالة إبداعية

  لن يمكننا بالطبع أن نصف حالته الإبداعية، إلا بالرجوع إلى كتاباته، وما دمنا نتحدث عنه شخصياً، فهو القائل عن نفسه بطريقته المعتادة الساحرة "ولد ذكر من صلبك، تضيع عينه اليمنى جهلا واليسرى ثقافة، يهلك أطنانا من التبغ والورق وأبيات الشعر والشاي ومكعبات الثلج وآيات التكوين والمبادئ والملوك والخفراء والثرثرة والشعارات والوزراء، يكون رءوماً قلقاً جامحاً، جامعاً لصفات الكلاب والعصافير والحنظل والحشرات والأبقار، يداهمكم بقصصه القصيرة، حتى يقضي نحبه مجللا بآيات الفخار في العراء على قارعة الوطن" 

  إنه مستجاب الرائع الذي يصف موهبته قائلاً" مولانا مستجاب، والذي وهبه الله (القلم)، حيث القلم هبة إلهية، أداة الكتابة، وأقرب الأدوات جميعاً إلى قلب مولانا مستجاب، ومع صغر حجم قلم مولانا مستجاب بالنسبة للفأس والسيف والمدفع وكبشة الطبيخ، فإنه هو القادر على إضاءة المسافة بين السماء والأرض، يمتلك قلماً شرساً قوياً حزيناً ومراوغاً، يختصر تلك القدرة الهائلة للعقل والقلب والجلباب الذي يرتديه ليصنع به الأعاجيب، وكلما سافر وتجول ولعب وضحك وتعارك ونام وقرأ وشاهد انشحن القلم جيداً لكي تزيد رهافته وبصيرته وخطورته".

  لقد ولد محمد مستجاب في عام 1938 في مركز ديروط وهو ضمن مراكز محافظة أسيوط بوسط صعيد مصر، وتوقف دراسياً عند شهادة الثانوية ليلتحق للعمل في مشروع بناء السد العالي في الستينيات والمقام في أسوان أقصى جنوب مصر، ولم يفارقه حينها نهم الثقافة والقراءة والرقي الأدبي اللذين حركاه بعد نهاية السد للالتحاق بمعهد الفنون الجملية بالجيزة، ولكن طرائق التدريس لم ترق نفسه المبدعة فهجرها، وسافر العراق، وعاد لمصر ليعمل في مكان هو الأليق به، وهو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، والذي استمر فيه حتى سن المعاش عام 1998م.   

الوصية الحادية عشرة

  أما بدايته مع عالم الكتابة الأدبية فكان عبر نشر أول قصة قصيرة في مجلة الهلال بعنوان"الوصية الحادية عشرة" وذلك في أغسطس 1969، فجذبت إليه الأنظار بقوة، واستمرت رحلته الإبداعية وإنتاجه القصصي البديع، فضلاً عن مقالاته الأدبية الساحرة بالصحف، بالإضافة لروائيته التي بدأها بروايته الأولى "من التاريخ السري لنعمان عبد الحافظ" عام 1983 وحصل عنها على جائزة الدولة التشجيعية عام 1984م بل وترجمت إلى أكثر من لغة، تلتها مجموعته القصصية الأولى"ديروط الشريف" 1984م، ثم "القصص الأخرى" 1995م و" قيام وانهيار آل مستجاب"1999م والتي طبعت ثلاث مرات إبهاراً للقراء ثم "الحزن يميل للممازحة" 1998م والتي أيضاً طبعت مرراً وتكراراً وكذلك "بعض الونس" و"زهر الغول" و"أبو رجل مسلوخة" و"الحزينة تفرح"، ثم روايتان هما "إنه الرابع من آل مستجاب" 2002م و"نبش الغراب2،1" و"اللهو الخفي" إبريل 2005م أي قبل وفاته بشهرين حيث كان رحيله في يونيه 2005م بعد متاعبه الصحية، وبعد رحيله منح جائزة الدولة التقديرية عن جدارة واستحقاق وإن كان متأخراً

   ورغم رحيل الفارس، ما زال يفتنا إبحاره بطريقته الساخرة النادرة مستخدماً اسمه وعائلته دوماً خلالها بجرأة يحسد عليها في التهكم من أحوال البشر، فيقول حيناً "من لم يمت بالسيف مات بغيره أما الرابع من آل مستجاب فقد عاش بالسيف دون غيره"، وتكاد تكون جميع قصص مستجاب كذلك في رسالتها البليغة، حتى وإن حمل عنوانها غير ذلك، فقصته مثلاً (أبو رجل مسلوخة) يصف ذلك العنوان قائلاً "في فوهة بندقية تتجه نحو أناس آمنين عابرين، وفي التصرف الذميم لمدير منهمك في امتصاص نقود الفقراء، وقصيدة شعر رديئة تحتل مكانا طيبا في جريدة واسعة الانتشار والتوقيع أبو رجل مسلوخة".

  يبدو ما سبق هو المعروف عن مستجاب، أما حقائق نفسه الساحرة فتحتاج كتبا وكتابات، فله من المغامرات والمواقف الجميلة الكثير والكثير، فأديبنا الراقي كان صادق الفعل مثلما صدق الكتابة، فلم يعرف عنه المداهنة أو التلون الذي اشتهر به بعض الأدباء حينها، فكان ناقداً للسلطة والفساد، وجريئاً في الحق، وهو ما دعا لحجب أضواء الإعلام الحكومي عنه كثيراً ومراراً، رغم تحفه الإبداعية المتكررة، وقدراته ومؤهلاته التي تؤهله للريادة الإبهار دائماً، لكن هكذا كانت الظروف، كما أن تلك كانت نفس مستجاب العفيفة الزاهدة في ذهب المعز ولا يهابه سيفه.

الفلاح الصعيدي

 وفيما يرويه لي  أصدقاؤنا الكثيرون عنه، ومنها رواية صديقنا الإعلامي محمود يحيى عندما كان طالباً بقسم الإعلام بكلية الآداب جامعة أسيوط إذ يقام مؤتمر لدور الإعلام في قضايا الصعيد في عام 2002م، وبينما عرف عن مستجاب تلبيته لحضور المؤتمرات والندوات في أقاصي الصعيد، رغم قسوة السفر وعدم وجود عائد مادي من ذلك، لكن حب الرسالة والحرص عليها، فيقول صديقي كيف أن مستجاب فاجأ الجميع أثناء المؤتمر بصرخة حق قوية ومبهرة وعلى خلاف الهدوء الساكن فعلهم، ناقداً الصمت عن تشويه الدراما لصورة الصعيدي وتحيزها في نقل جانب مظلم على حساب الحقيقة، فأيده الأكاديميون والخبراء، وعرفوا مدى قدرته على التحليل والنقد في ذكره الأدلة الدامغة على اختلاق الإعلام وعمده التزوير، وهو الأمر الذي يطوى على نفس الأديب الخبير المتذوق لكل الفنون والحريص على تأملها المعرفي.

  ويقول لي صديقي المخرج أسامة عبد الرؤوف في إقليم وسط وجنوب الصعيد الثقافي، عن لقائه مستجاب بينما كان شاباً صغيراً يؤدي بعض الأدوار المسرحية، فإذا به وزملائه يرون رجلاً ضخما مرتدياً الجلباب الصعيدي، يجلس بين صفوف المشاهدين، وينتظر بعد نهاية العرض وانصراف الجميع، فينتقد أخطاء زملائه ويشرح لهم الإبداع التمثيلي والحركة المسرحية، فيثير بعض حمية الشباب اعتقاداً أنه فلاح، ويقابلهم بكلمات حكيمة"هو إحنا في مندرة أبوك" ، وعندما غضبوا أوضح لهم المقصد بالدعابة الجميلة والاحتضان، ليفاجؤا مصادفة بعد زمن أنه الأديب الكبير المشهور، بينما لم يوضح ذلك طوال المناقشات وأثناء حضوره ومجادلته حتى لم يسع لتغيير فكرتهم عن كونه فلاحا صعيديا كونه يفتخر بذلك، ويحرص على التحدث بالمثال القديم والكلمة الحكيمة البارعة، ومن حينها وكانت الفتنة لهم جميعاً بهذا المبدع الذكي والفطن لكل حركة وأي فعل، فضلاً عن طريقته في الكلام والإقناع المبهرة، مما جعلهم يحرصون على تتبع أعماله الرائعة، ليزداد انبهارهم ومحبتهم لعازف اللغة ومبدعها الكبير في فنون القصة والرواية والمقال الأدبي، فمن قابل مستجاب لن ينسى طريقة كلامه وثقته ورجولة موقفه وحكمته وفروسية قلمه.

  رحل عنا مستجاب، وترك لنا قيمه وأحلامه وحروبه للتقاليد القاسية والادعاءات والأكاذيب التي ترفضها نفسه البسيطة المحررة حتى من غلاف الغرب فالجلباب كان زيه المفضل، لقد رحل وللآن لم تف هيئة الكتاب بجمع أعماله، والكثير من كتاباته المتناثرة بالصحف وقصصه هنا وهناك.

  وأخيراً، فمستجاب ليس فقط إبداعا للكلمة وفارسا للقيم، لكنه أيضا رسالة حب ووفاء نادرة في حب الوطن ودرس بالغ في الإحساس والشعور بهذا الوطن، ويبقى لنا في النهاية تراث مستجاب، والجميل أيضاً مواصلة نجله عالم الإبداع بشكل مبهر وملفت للنظر أنه القادم بقوة .. محمد محمد مستجاب.

 

 

المصدر/ جريدة القاهرة

العدد/634-بتاريخ 31من يوليو 2012

بقلم/ أحمد مصطفى على

 

 

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,423,458