** المهرجان نجح في جذب الفرق العربية

كان الميلاد صاخبا ومثيرا فالدورة الحالية هي استثناء تاريخي وهى حدث رفيع المستوى جاء مسكونا بالكاريزما والبريق بفيض روح الثورة وسحر شبابها واساطير الورد الذى تفتح في ارض مصر .... في هذه السياق تحول المهرجان الى وثيقة جديدة في عشق الوطن وقع عليها شباب الثورة وشاركهم كبار مثقفي الوطن العربي لنصبح امام تيارات اليقين والاصرار على تغيير وجه العالم وامتلاج وهج الشمس وضوء القمر .... تلك الرؤى التي تحققت ضمنيا عبر الانجاز المتميز للمهرجان المصري العربي رغم الظروف الضبابية الغائمة ورغم القلق الذى يبعثه المشهد السياسي المسكون بالصراعات الساخنة بين الاصوليين والسلفيين والشيعة والاخوان والتقدميين والليبراليين.

واذا كان المسرح هو الحرية وهو الممارسة العملية لفعل الديمقراطية والبحث عن العدالة والخير والجمال فإن اضواء الدورة التاسعة من المهرجان وفعاليات الليالي الدافئة والعروض المتوهجة والندوات الباحثة عن ثورة المسرح ومسرح الثورة اللقاءات والمناقشات والحوارات كل ذلك لم يكن الا مؤشرات قوية على الاتجاه نحو الهدف وامتلاك الذات والكيان.

وسط حضور ثقافي وإعلامي مصري عربي متميز ضم النجوم والنقاد والفنانين امتدت فعاليات المهرجان من 7-17 ابريل 2011وكان شعار الدورة التاسعة هو الاحتفال بالثورة وتأكيدا للمسار وفى هذا الاطار شهد مسرح القاهرة للعرائس حالة من الفن الجميل الذى اشتبك بحرارة مع الانسان والحرية ومفاهيم التسلط والديكتاتورية فكانت السياسة العربية حاضرة بقوة في قلب المشهد الفني وهى تفاصيل اللقاءات اليومية وامتدت موجات الجدل والتساؤلات التي فجرتها دلالات الاشتباك الساخن مع تجارب مسرحية متميزة تمتلك مقدرة الحوار والتواصل مع الواقع الإبداعي المصري والعربي

وهكذا تحقق بالفعل مفهوم الاحتفال بالثورة وتأكيد مسارها عر طبيعة العروض ووقائع الانطلاق الى اللقاء الذى كشف عن وهج التمرد والعصيان عبر بشاير الفنان الجميل محمد جبر وايقاعات الموسيقى الشعبية وغناء عزة بلبع وتساؤلات ابو الليف واشعار عوض بدوى .

فارس هذه التظاهرة الفنية الراقية هو الدكتور عمرو دوارة المخرج المتميز والناقد والباحث والفنان المثقف الذى شارك بقوة في صياغة وعى اجيال من الشباب تعلموا من المسرح قيمة الكلمة ومعنى الحرية ودلالة الديمقراطية ويأتي ذلك في سياق تأسيسه للجمعية المصرية لهواة المسرح وادارته لمهرجانها السنوي الذى لفت انظار كبار مثقفي ومفكري مصر والوطن العربي بعد ان اصبحت الجمعية المصرية من الكيانات المغوارة التي امتلكت الوعى والحضور والتفاعل عبر تأكيدها العملي على ان الهواة يمتلكون اسرار السحر الغامض الذى يمنح المسرح التجديد والبقاء والامتداد.

من المؤكد ان الانجازات الثقافية والفنية الكبرى لا تتحقق بسهولة ومن المؤكد ايضا ان الشخصيات الاستثنائية المسكونة بالعشق الجارف للمسرح تمتلك الارادة والطموحات لذلك استطاع د. دوارة ان يواجه المعوقات والاشكاليات ويقاوم الروتين والتوترات وينطلق الى طاقات الوهج التي تمنح دورات المهرجان مزيدا من النضج والجاذبية والحضور الاخاذ ويذكر ان الجمعية المصرية لهواة المسرح اصبحت الان هو الممثل الشرعي لكل هواة المسرح فهي تستضيف عروضا من الثقافة الجماهيرية ، اكاديمية الفنون ، المحافظات ، الجامعة ، المدارس ، جمعية انصار التمثيل ، المراكز الثقافية الاجنبية ، والكنائس واتصور ان استضافة عروض الكنيسة فى المهرجان هذا العام يمثل إخفاقه حقيقية وانطلاقة ايجابية لفلسفة الفن ورحابة الوعى والفكر وسيظل هذا التقليد قائما على امتداد السنوات القادمة .

يبدو اننا امام تساؤلات تطرح نفسها

فلماذا لا تتبنى وزارة الثقافة هذا المهرجان ؟

لماذا لا تمنحه الدعم والاهتمام والبريق الذى يليق بحجمه الفني وتراثه الفكري؟

وهل يمكن ان تتخذ الدورات القادمة من مهرجان المسرح العربي اتجاها مغايرا يأتي كترشيد لمسار المهرجان التجريبي ؟

في هذا الاطار نصبح امام العديد من المفارقات الساخنة والمعادلات الصعبة فالدعم السنوي من الجمعيات الثقافية هو ستة الاف جنيه وقيمة العضوية ستة جنيهات وقطاعات وزارة الثقافة لا تزال جزرا منعزلة والبيروقراطية ضاربة في الاعماق لذلك يصبح على مدير المهرجان ان يعيش صراعا ساخنا عبر البحث عن الدعم الذى يضئ شموع الميلاد ليثرى الواقع المسرحي بتجارب تربطها الهوية والسياسة والتاريخ والجغرافيا وفى السياق نفسه فن علاقات الثقافة العربية ومعايشة تفاصيلها تبعث موجات من التفاعل وتوثيق الروابط والصلات وتفتح المسارات امام طرح القضايا العربية وتثوير الرؤى الجمالية وتجاوز اسر السائد والكائن والبحث عما يجب ان يكون .

لم تأت ايقاعات وهج المهرجان من فراغ فقد تابعت الوقائع السابقة على ميلاد هذا الحدث الثقافي من خلال مشاركتي في لجنة المشاهدة العروض ولامست بالفعل جوهر فلسفة المهرجانات ودورها في صياغة الاجيال الشابة الباحثة عن الوعى والتوازن والمسارات حيث يظل الاقبال العارم على التواجد المسرحي هو تحقيق الاهداف الاجتماعية والاخلاقية والنفسية واذا كانت ليالي المهرجان قد اتاحت فرصة المعرفة الحية بالمسرحيين والمؤلفين والمفكرين العرب فان هذه الحالة قد كشفت عن تفاصيل شديدة الاهمية تتعلق باتجاهات الوعى والفكر وملامح الشخصية العربية.

شاركت الهيئة العربية للمسرح في دعم المهرجان وكانت الدورة الحالية برئاسة د. احمد مجاهد رئيس الهيئة العامة للكتاب وتضمنت الفعاليات مشاركة عشر دول عربية ظلت عروضها خارج المسابقة الرسمية ويذكر ان العرض العراقي "حب في زمن الطاعون" قد بعث ردود فعل عالية وكشف عن جماليات ثائرة وافكار متمردة باحثة عن انسانية الانسان وقد اثار المخرج اسامة السلطان حالة من الدهشة والاعجاب بدفء لغته وخصوصية مفرداته وكذلك كانت الفنانة الجميلة اميرة جواد مثارا للتساؤلات حول جموح ادائها ونعومة مشاعرها اما العروض المصرية العشرة التي قدمتها فرق الهواة فقد تميزت بارتفاع مستواها وانتمائها لمختلف التيارات الفنية وجاءت المسرحيات التي تم اختيارها لتشكل بانوراما جمعت ما بين التراجيديا والكوميديا والكلاسيكية والتجريبية والحداثة حيث شهدت لجنة التحكيم مجموعة كبيرة من العروض تمثل مختلف تجمعات الهواة بالقاهرة والاقاليم واجتمعت بمسرح العرائس على مدار الايام وكانت مكونة من الاساتذة عبد الغنى داوود ، امين بكير ، د. عمرو ودارة ، الفنان فادى فوكيه ، المخرجة منى ابو سديره ، والناقدة د. وفاء كمالو ويذكر ان العرض المصري صوت وصدى جاء كقطعة فنية رفيعة المستوى تكشف عن الثقافة والوعى وجماليات الابداع وفى سياق متصل اختارت لجنة النقاد العرض المسرحي "النجاة" ليكون افضل عروض العام السابق وهو من انتاج مسرح الطليعة ومن اخراج الفنان جلال توفيق الذى قدم بالفعل حالة شديدة الجمال والابهار اشتبك من خلالها مع مسرحية "النجاة" للأديب العالمي نجيب محفوظ وقد تميز فريق العمل هذه التجربة في زمن عرضها بالأناقة الفكرية والرشاقة الجمالية ويذكر ان جمهور يوم الافتتاح قد صفق طويلا للفنان ياسر جلال بطل المسرحية عندما انحنى ليقبل يد ابيه بحب وتقدير حيث كان المشهد مشحونا بالصدق والمشاعر النبيلة.

تشكلت لجنة التحكيم العربية برئاسة د. كمال عيد وعضوية الفنان احمد ماهر من مصر ، عز الدين المدني من تونس ، يحيى الحاج من السودان ، محمود ابو العباس من العراق ، ايلى لحود من لبنان ، د. حسن رشيد من قطر ، غنام غنام من الاردن ، كاملة العياد من الكويت سعيد الناجي من المغرب ، د. عبد الكريم جواد من سلطنة عمان.

يشير امين عام المهرجان الفنان عصام عبد الله الى ان الدورات السابقة شهدت تكريم اكثر من 150 فنانا ومسرحيا من الرواد في الوطن العربي وان هذه الاختيارات تتم من خلال لجان التحكيم يرأسها كبار الفنانين المتميزين ولا شك ان فلسفة هذه اللقاءات الجدلية بين هؤلاء الكبار الناضجين وبين شباب الجمعية المصرية لهواة المسرح يبعث ايقاعات عالية من الجدل الثقافي والمعرفة الجمالية والتفاعل الفني الذى لامسناه غير ليالي المهرجان وعروضه التي تستحق ان نتوقف طويلا امامها بالنقد والتحليل.

اذا كانت الجمعية المصرية لهواة المسرح قد نجحت في تفعيل دورها على مستوى الواقع الثقافي المصري فان المهرجان السنوي قد نجح ايضا في جذب الفرق العربية وكذلك في القاء الضوء على عدد كبير من المواهب الشابة التي اتخذت مسارا قويا نحو الاحتراف والنجومية ويبدو ان هذه الإنجازات ترتبط بالرؤية العلمية الجادة التي تشهدها الدورات المتعاقبة والتي يتحمل مسئولية رئاستها شخصيات شديدة الوعى والتميز مثل د. هدى وصفى و د. هاني مطاوع ، د. سامح مهران

الفنان محمد صبحى ، الفنان محمود ياسين ، المخرج احمد عبد الحليم بينما ظلت مسئولية ادارة جميع المهرجانات من اختصاص المخرج د. عمرو دوارة الذى دفع بهذا الكيان الى الافاق الرحبة ... لقد اصبحت هذه الاحتفالية جزءا من الطقس المسرحي المصري ولعل ايقاعات الاحتفاء الأدبي والنقدي والإعلامي لذى تشهده هذه الدورة الاستثنائية وحرص رواد واعلام المسرح العربي على المشاركة بفعالياته هي دليل على المكانة المرموقة التي حققها المهرجان.

 

بقلم/د. وفاء كمالو

جريدة مسرحنا

25/5/2011

 

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,626,315