**يتباين الإيقاع بين الرتابة والسرعة بتباين العروض المسرحية

يبرز عنصر الإيقاع فى العرض المسرحى كواحد من أبرز عناصره بما له من دور كبير فى تحديد طبيعة تلقى الجمهور لهذا العرض ومدى انسجامه مع أحدجاثه وتفاعله مع شخصياته، وبذلك يشكل الإيقاع أحد العوامل الحاسمة فى نجاح العرض المسرحى أو فشله.

والواقع أن الإيقاع فى المسرح لا يأخذ شكلاً واحداً بمقاييس محددة، ويكاد يكون صحيحاً القول أن لكل نمط من انماط النصوص والعروض المسرحية إيقاعه الخاص به، فالأعمال المسرحية المعتمدة على أحداث محدودة وشخصيات ساكنة غير فاعلة أو منفعلة يبدو إيقاعها متباطئاً انسجاماً مع طبيعتها والهدف الأعلى الذى يريده الكاتب أو المخرج منها، حيث يساعد الإيقاع المتباطىء هنا على نقل الحالات التى تمر بها الشخصيات إلى الجمهور، وبالتالى تسهل عملية زج المشاهد فى أتون هذا النمط من العروض المسرحية التى تبدو المؤهلة الأولى بعيدة عن الذائقة العامة وعن الفهم المتعارف عليه للدراما ولطبيعة التأثير الذى ينبغى عليها أن تحدثه فى مشاهدها.

ولكن على الرغم من ذلك نلمس فى مسرحنا العربى تحديداً نفوراً متزايداً من قبل جمهورنا للأعمال المسرحية ذات الإيقاع المتباطىء، على الرغم من أن هذا الإيقاع يكاد يكون فى كثير من مناحيه مرادفاً لطبيعة حياتنا المعتمدة فى جزء كبير منها على تبديد الساعات والأيام والسنين دون جدوى.

وعلى الجانب الآخر تظهر أعمال مسرحية تؤكد على ضرورة إيجاد إيقاعا متسارعة لها، ولا يكون السبيل إلى ذلك إلا عن طريق زج أكبر عدد من الأحداث والشخصيات فى العمل المسرحى، وبذلك يضمن صاحب العرض عدم دخول الملل إلى نفوس متابعيه، ذلك أن وجود عدد كبير من الشخصيات لابد وأن يفرز – نظرياً على الأقل -  زخماً من الأحداث كلما تم حصر زمنها كان المردود عالياً لجهة شد المتفرج منذ اللحظة الأولى وحتى اللحظة الأخيرة، وبالطبع نادرة هى الأعمال التى تتمكن من ذلك نظراً لندرة الكاتب المتمكن من وضع نص مسرحى قادر على أن يكون مستحوذاً على عقول وأفئدة المتفرجين بشكل مستمر على مدى وقت قد يتعدى الساعتين من الزمن، فإن توفر هذا الكاتب جاء المخرج ليحد من هذا الجهد عبر حلول إخراجية قد لا تتناسب وطبيعة النص المسرحى، فتكون النتيجة تبديد جهد الطرفين معاً.

إن الأهمية التى يكتسبها الإيقاع فى العرض المسرحى تبرز بشكل خاص فى الأعمال المعتمدة على المشاهد المسرحية القصيرة التى يشكل كل واحد منها عرضاً مسرحياً بحد ذاته من حيث الموضوع والشخصيات والبناء الدرامى، وذلك عندما تتفاوت مستويات المشاهد بتفاوت طبيعة الإيقاع بين مشهد وآخر، الأمر الذى ينعكس على طبيعة تقبل الجمهور لكل مشهد على حدة، فتراه يتفاعل مع المشهد ذى الإيقاع المتسارع المرتبط بالحوار الرشيق والحدث أو الأحداث الموضوعة بما يتناسب والزمن المطلوب للمشهد الواحد، فى الوقت الذى لا يتفاعل فيه الجمهور مع مشهد آخر معتمد على حوارات مطولة وأحداث لا تتناسب وزمن المشهد الأمر الذى يؤدى إلى وجود أسلوبيين إخراجيين فى العرض الواحد وهو المطب الذى يقع فيه المخرجون الذين يجربون حظوظهم فى تقديم أعمال مسرحية معتمدة على مشاهد منفصلة من حيث المضمون والشخصيات.

فى الواقع أن ما يحدد طبيعة إيقاع العرض المسرحى عنصران أساسيان هما الحوار  والحدث، فالحوار المعتمد على العبارات القصيرة والمكثفة، وعلى ما يمكن أن يسمى بالحدث الصاعق الذى لا يترك مجالاً لمتابعة لالتقاط الأنفاس يبدو من أهم الأمور المطلوبة جماهيرياً لنجاح العرض المسرحى، على ألا تكون هذه العناصر مجرد شكليات تحاول أن تخفى ضحالة الطرح الموجود فى النص المسرحى.

ومما لا شك فيه أن جميع عناصر العرض المسرحى الأخرى يجب أن تكون فى خدمة إيقاع العمل المسرحى، وبشكل خاص المؤثرات الصوتية التى تلعب دوراً هاماً فى هذا الإطار، وإن لم يكن هذا الدور منسحباً على جميع مراحل العرض المسرحى، ولا شك أن هذا الدور سيفقد أهميته إن تحول بحد ذاته إلى هدف لا إلى وسيلة لبلوغ هدف أشمل هو العرض المسرحى ككل وتأمين كافة العوامل التى تؤدى إلى خروج العرض بأقل الخسائر الممكنة وأكبر المكاسب المحققة.

على جانب آخر يشكل أسلوب أداء الممثلين المتبع فى العرض المسرحى أحد الأسباب التى تساعد عمل المخرج – أو تحبطه – وهو يسعى لضبط إيقاع العرض بما يتناسب وبقية عناصره، ذلك أن وجود ممثل واحد خارج عن أسلوب الأداء المتبع فى العرض المسرحى كفيل بأن يطيح بجهود المخرج وأسرة العمل الفنى ويضرب بها عرض الحائط، لذلك نرى المخرجين المهتمين بتقديم أعمال مسرحية متميزة لا يتركون للممثلين الحبل على غاربه، خاصة وأن هناك فئة من الممثلين لا يمكن ضبطها بسهولة، وهى فئة تعترف بهذا االواقع وتتمنى لو استطاعت الخروج منه، ولكن يجب ألا ننسى أهمية الحفاظ على روح المبادرة لدى الممثل كى يعطينا النتيجة المطلوبة أداء للشخصية وفهماً لها.

وعلى اعتبار أن العمل المسرحى المعتمد على الممثل الواحد – المونودراما – يعد من أعقد أنواع العمل المسرحى كتابة وتجسيداً كان التأكيد المستمر على  أهمية الالتزام بالقواعد العامة   المتعارف عليها والمعترف بها فى هذا الجنس المسرحى القديم – الجديد.

إن أهم ما يتم التركيز عليه فى العمل المسرحى المعتمد على الممثل الواحد هو الإمكانيات التى يجب أن تكون متوفرة لدى الممثل كى يتمكن لا من إقامة حالة جيدة من التواصل بين خشبة المسرح وصالة المتفرجين فحسب بل والمحافظة على هذا التواصل منذ بداية العرض المسرحى وحتى نهايته، بل وتبدو مهمة ممثل المونودراما مضاعفة باعتباره المسئول الأول عن تنامى وتصاعد حالة التفاعل بين الخشبة والصالة، لكنه بالتأكيد ليس المسؤول الأول والأخير، فهناك عامل هام آخر ألا وهو النص المسرحى الذى غالباً ما يقدم لنا على بساط البحث شخصية تمتلك تاريخاً طويلاً من الهموم والعذابات التى دفعتها دفعاً إلى لحظة البوح التى لن نكون معنيين بها وبما سيسفر عنها من استدعاء سلسلة طويلة من الأحداث المغرقة فى القدم والشخصيات المتعددة ومختلفة المشارب إذا لم تقدم فى إطار جمالى محكم البناء قادر على جذب اهتمام الجمهور، وإذا كان النص المسرحى ذو الشخصيات المتعددة يتطلب ما بين المشهد والآخر حدثاً دافعاً للخط الدرامى فى العمل المسرحى فإن نص المونودراما يتطلب فى كل جملة منه حدثاً أو موقفاً أو حتى إشارة لم تكن متوفرة أو معروفة للمشاهدين، لذلك فإن أى تكرار فى فكرة أو جملة أو حتى كلمة فى نص المونودراما سيؤثر سلبياً على العلاقة الحميمة التى قد يتمكن العرض من إقامتها مع جمهوره.

إن الغنى المطلوب توفره فى نص المونودراما لا يعنى أن يقوم كاتب المونودراما بحشوها بما قد يخطر على باله من أحداث وشخصيات، بل عليه أن يكون دقيقاً فى اختياراته دون الوقوع فى مطب تحويل العمل إلى سلسلة غير متناهية من الأحداث والشخصيات التى يكاد لا يربط بينها رابط، والتى قد تفقد ما يربطها بالشخصية موضوع البحث.

على أن هذا التصاعد المتواتر يجب ألا يؤثر سلباً على أداء الممثل الذى ينبغى عليه توزيع جهده على مدة زمن العرض المسرحى لا أن يستهلك طاقته التمثيلية والأدائية والجسدية خلال الدقائق العشر الأولى ثم يقضى بقية الوقت منتظراً مع المنتظرين نهاية العرض المسرحى الذى سيتحول بالتأكيد إلى عبء على الممثل ومشاهديه.

وفى هذا الإطار يمكن تحديد نوعين من الإيقاع فى عرض المونودراما، أولها الإيقاع الداخلى للممثل والذى يتعلق بشعوره بالشخصية والحدث والزمان والمكان وطبيعة تعاطى هذه الشخصية مع كل ما يحيط بها ...

ثانيها انعكاس فهم الممثل لكل هذه العناصر على الجمهور بالقياس إلى درجة تفاعله مع ما يطرح عليه وقدرة الممثل وأهمية النص على ضبط إيقاع العمل مع بدايته وحتى نهايته.

من خلال العديد من الأعمال المونودرامية التى قدمت على المسارح السورية فى السنوات الأخيرة ربما يتم التوصل إلى أن أكثر هذه التجارب نجاحاً هو الذى اعتمد على الشخصية التى قد يرى المشاهد فيها نفسه أو أحداً من معارفه أو أصدقائه أو على أقل تقدير أحداً ممن سمع عنهم، فى الوقت الذى أعرض فيه جمهورنا عن الشخصيات البعيدة عنه مكاناً وفكراً وعقلاً وروحاً.

 

بقلم/ جوان جان – سوريا

المصدر/ جريدة مسرحنا العدد/ 162

  بتاريخ 16 أغسطس 2010

 

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,623,167