نهل من التراث العربى وربطه باتجاهات المسرح الحديثة

فى نهاية شهر ديسمبر الماضى غيب الموت الكاتب المسرحى الكبير ألفريد فرج، بعد رحلة عطاء استمرت أكثر من نصف قرن، أثرى خلالها حياتنا الثقافية بعشرات المسرحيات التى أصبحت علامة بارزة فى تاريخ المسرح العربى مثل: حلاق بغداد، رسائل قاضى إشبيلية، أيام وليالى السندباد، على جناح التبريزى وتابعه قفة، الأميرة والصعلوك، جواز على ورقة طلاق/ سليمان الحلبى... وغيرها من المسرحيات التى نهل فيها من التراث العربى ليستنطقه ويخرج منه ما يناسب واقعنا السياسى والاجتماعى.

  "الفنون" تلقى الضوء على جوانب من مسيرة هذا المبدع العربى الكبير.

     لابد أن يكون اللواء معقوداً فى الواقع العربى اليوم لإبداع الأصالة، أو لما يمكن أن نخلقه من داخلنا حين نتعامل مع الواقع بشجاعة، دون الانسلاخ من ماضينا وجذورنا القابلة للنماء والتطور والتطويع، أو غض النظر عن الجديد المتمثل فى منجزات العالم الإبداعية، والحوار والتفاعل معها تفاعلاً خلاقاً، للمساهمة فى عمارة الدنيا والالتقاء مع إنسانية شعوبها لقاء حقيقياً لا لقاء تسول.

وفى هذا الإطار يسعى المسرح العربى المعاصر، بعد رحلة طويلة من التغريب، لتحقيق تأثيره الاجتماعى والوجدانى والجمالى والفكرى فى الجمهور العربى، من خلال خلق العرض المسرحى الشعبى استناداً إلى الغنى والتنوع فى الأصول التراثية الشرقية.

         ومن هنا فإن ألفريد فرج وسعد الله ونوس وعز الدين المدنى وتوفيق الحكيم ومحمد الماغوط ويوسف إدريس وعبد الكريم برشيد وعادل كاظم وغيرهم ممن عملوا على اكتشاف أفاق جديدة للمسرح العربى استفادة من التراث يشكلون القدوة الإبداعية التى ينبغى علينا الاحتفاء بخطاها ... وفى هذا الاطار بالذات تكمن قيمة الكاتب المسرحى العربى الكبير ألفريد فرج ... لأنه أحد المبدعين الذين أثروا فى تطور الكتابة المسرحية العربية، بل والمسرح عموماً، حيث كان من أوائل الذين عملوا على اكتشاف التراث العربى (وخاصة حكايات ألف ليلة) واستخدامه مسرحياً، ومحاولة ربطه باتجاهات المسرح الأوروبى الحديثة، الأمر الذى يغرى بإلقاء الضوء على تجربته فى هذا السبيل.

 ·  بدايات التأليف المسرحى...

        ظل الطفل ألفريد أحد نجوم المدرسة طوال المرحلة الابتدائية، لأنه كان يشارك فى تمثيل المسرحيات التى يقدمها فريق المدرسة ... ولهذا لم يكن غريباً أن يسعى فور الالتحاق بالمرحلة الثانوية للانضمام إلى فريق التمثيل، كان الفريق يقدم وفق الوصف الشائع مسرحيات "تربوية" مثل: "الوفاء بالوعد" و"العقوق" و"صلاح الدين وملك الإنجليز" و"عدالة عمر" وما إليها، وكان زملاؤه الأكبر فى الفريق يستأثرون بالأدوار الطويلة ناهيك عن أدوار البطولة، فلا يبقى لمثله إلا الأدوار الثانوية ... كان الأمر طبيعيا فى البداية، لكن حين استمر على رغم تقدم ألفريد فى صفوف المدرسة تملك الغيظ الصبى، فراح يفكر فى وسيلة للقصاص، ونظراً إلى حيائه وضعفه البدنى جاء القصاص على نحو فريد ... ذهب تفكيره إلى أن ينتقم لنفسه بإضافة عبارة هنا وعبارة هناك إلى دوره ... ولم يكن يسيراً عليه ارتجال مثل هذا الأمر بالذات حين وصل إلى ضرورة أن تكون هذه العبارات "طنانة" تمكنه من سرقة الحلبة من الأبطال وأصحاب الأدوار الكبيرة.

         لقد نشأ ألفريد فى بيت به مكتبة تضم  عيون التراث الأدبى العربى، كما تضم بدائع الأدب الإنجليزى ومجموعات كاملة من المجلات الثقافية والأدبية الغربية التى كانت تصدر فى النصف الأول من القرن العشرين، وفى هذه الآونة، مع الانشغال بالبحث عن العبارات العربية الرنانة التى تصلح للموضوعات "التربوية"، بدأ الاهتمام بما فى هذه المكتبة من كتب عربية – بما فى ذلك كتب التراث – اهتماماً حقيقياً، لأنه كان اهتمام حاجة ... انشغل الصبى وانهمك وكد فى كتابة العبارات الرنانة وإخفاء أمرها، حتى اللحظة يفاجىء بها زملاءه حلال التمثيل أثناء الحفل بالخروج عن النص، فينتزع تصفيق المشاهدين على غير توقع من الجميع، وزملاؤه يتبادلون النظرات من فوق المنصة وبعيداً عنها فى عجب وحسد وحنق، بينما هو يحلق عالياً مع نجاح قصاصه.

 لكن ألفريد تعرض لثورة عارمة من زلائه الصغار مع تكرار الآمر، وحاباه القدر بأن يكون المشرف على فريق التمثيل هو الكاتب الفنان رشاد حجازى – قدم له المسرح القومى المصرى فيما بعد مسرحيات منها "بنت الجيران" و"حورية من المرسخ" – الذى أدرك بألمحية المؤلف الخبير نوعية البراعم التى تتجلى فى "قصاص" ألفريد، فحماه من ثورة زملائه، بل وشجعه، ليتواصل الجدل بين الكتب وملكاته وضرورات التأليف المسرحى!

 يقول ألفريد:" وبعد الشغب على واتهامى بالخروج عن النص وبالتزيد والإضافة و"اختلاس الأضواء" وغير ذلك، أصبح زملائى يسترضوننى ويلحون على أن أضيف إلى أدوارهم عبارات طنانة من ذات النوع الذى ينتزع التصفيق، فكنت أفعل على قدر اجتهادى وتأكيداً لمكانتى بين زملائى".

 اعتز والد ألفريد بتصفيق الجمهور لابنه فى المسرح إثر اعتياد خروجه عن النص وبدأت تداعبه أحلام المسرح الكبير، الذى تعود الفرجة عليه كغيره من الناس العاديين.. فاصطحب طفله إلى مسرح "الحمراء" بالإسكندرية (على اسم قصر أثرى بالأندلس، لكنه سمى بعد ذلك الهمبرا) لمشاهدة مسرحية نجيب الريحانى "حكاية كل يوم"، فذهل الطفل من تمثيل الفريق، وعلى رأسه الريحانى ذاته، فبادر والده مبهوراً "نجيب الريحانى أعظم ممثل فى مصر" ليسأله الوالد: "ولكنك لم تر غيره .. لم تر يوسف وهبى مثلا"، وبعد شهر اصطحبه ليشاهدا معاً فى المسرح نفسه مسرحية يوسف وهبى "خفايا القاهرة".

   كانت مسرحية مخيفة تتلخص فى خروج البطل من المقبرة وعودته إلى الحياة، وفزعة من مباذل القاهرة وخفاياها إلى أحضان الموت ... وذهل ألفريد فرج وهو يشاهد لأول مرة "أدوات السحر المسرحى" كالإضاءة المتغيرة والمؤثرات الصوتية والدخان، والظهور المفاجىء من خفاء الكواليس فى بقعة ضوء على المسرح ... إلخ، ووقع الطفل تحت تأثير كل ذلك كالنائم الذى يحلم.

 قال ألفريد فرج فى شيخوخته: " ولم تبارح ذاكرتى إلى اليوم مواقف المسرحية المثيرة، وأجواؤها المخيفة، وحيلها الفنية الرائعة.. وقد جذبنى النجمان الكبيران الريحانى ووهبى لمشاهدة مواسمها فى الإسكندرية بانتظام، ثم السعى لمشاهدة مواسم جورج أبيض، ولاعتياد الحضور المنتظم للمسرح فى مواسم الفرق الأجنبية التى كانت تنتقل من دار "الأوبرا الملكية" بالقاهرة إلى مسرح "محمد على" بالإسكندرية (مسرح سيد درويش اليوم). وقد شاهدت فيه فرق الأوبرا الإيطالية، والكوميدى فرانسيز وأولدفيك البريطانية، ولا أنسى أبداً مسرحية "مسافر بلا متاع" للمؤلف الفرنسى جان أنوى فى موسم الكوميدى فرانسيز بطولة جان بيير أومون وانبهارى بأدائه، أو بأداء جون جليمود فى دور الملك لير، مسرحية شكسبير الشهيرة فى فرقة أولدفيك (المسرح القومى الملكى البريطانى)".

 ولم يقتصر الأمر على مواسم الإسكندرية، إذ صار ألفريد يخفف إلى مسارح عماد الدين وأوبرا القاهرة وتواصلت العلاقة بينه وبين "التأليف" المسرحى لنفسه ولزملائه، وتجاوزت اجتهادات كتب المكتبة المحدودة على كبرها، وصارت تعتمد رويدا على قاعدة نسبية واسعة ومتينة من الإطلاع على عالم المسرح الكبير وأجوائه. وكان من تأثير ذلك كله أن وجد الطفل ألفريد فرج نفسه آنئذ وقد سيطرت عليها رغبة لا تقاوم فى إعادة كتابة (نسخ) بعض مشاهد المسرحيات القديمة ... وسرعان ما انهمك فى ذلك "التأليف المزيف".. والطريف أن ألفريد يقول عن ذلك "أعجب من أنى كنت أعيد كتابة بعض مشاهد المسرحيات القديمة ولا يخطر ببالى أنى فى الواقع أكتب للمسرح"!

 

 ·  مداعبة الشعر والقصة...

      كان ألفريد فرج يدرس فى مدرسة ذات تقاليد راقية هى "كلية فيكتوريا"، وهكذا تعلم فى فصول دراسية لا يزيد عدد التلاميذ فيها على عشرين تلميذاً، وفيها تلقى إلى جوار تدريبات التمثيل على يد الكاتب السينمائى المرموق "فيما بعد" محمد مصطفى سامى، تدريبات العزف على الكمان والعزف على آلة الماندولين على يد الفنان قائد الأوركسترا "فيما بعد" حسين جنيد، وتنمية قدرات الرسم على يد الفنان الكبير المبدع صلاح طاهر، وكان ذلك كله يجرى فى الأجواء التى صنعتها الأصوات الجميلة والألحان الرائعة لمحمد عبد الوهاب ورياض السنباطى وزكريا أحمد وأم كلثوم وفريد الأطرش وأسمهان .. أى أن الصبى ألفريد فرج حظى من دون قصد بمدرسة كاملة للتذوق والذوق والتربية الجمالية.

ولعل الملمح الأهم الذى صاحب هذه المدرسة وجهة التشوف والاقتحام التى صارت ملحماً من شخصيته.

ومن هذه المدرسة انتقل إلى المرحلة الجامعية طالباً بكلية الآداب جامعة الإسكندرية .. لينهمك فى تأليف القصائد الوجدانية وقصائد الشعر الحديث وقراءتها على زملائه دارسى الأدب، أو فى مناسبات كلية الآداب العامة. ويمنطق ألفريد فرج الأمر: "الشعر هو أصفى الأنواع الأدبية، فكيف لا يستهوى القلب فى أول الشباب، خاصة ونحن نقرأ فى الكلية أشعار المهجر الأمريكى وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة، ونتبادل دواوين على محمود طه ومحمود حسن إسماعيل؟" .. لكن ألفريد كان يدرس أيضاً فى قسم اللغة الإنجليزية أشعار ت.س. إليوت وكوليردج وشكسبير، وتصله مع زملائه، فى تلك المدينة الطلعة، دواوين الشعر الفرنسى وهى ساخنة للشعراء "بول جيرالدى" و"إلوار" و"أراجون" فيسهرون الليالى قارئين.

 أيامها طالع ألفريد فرج مرارا وتكرارا فى الكلية إعلانا عن "مسابقة محمود تيمور للقصة القصيرة لطلبة الجامعة". وبدا الإعلان كأنه ندهة تلح عليه فهمس لنفسه: "ولم لا؟".

 لقد كانت المدرسة التى نشأ فيها جيل ألفريد فج تحيطه بثقافة واسعة، وإلى جانب الدروس كان هناك حض على الاستمتاع ب"القراءة الحرة" فى كتب توزعها الوزارة على التلاميذ من مؤلفات طه حسين وتوفيق الحكيم وعباس العقاد وعلى الجارم ومحمد فريد أبو حديد ومحمود تيمور، وفى هذه القراءة الحرة كان ألفريد مع جيله يعيش العصر ويعتاد قراءة الأدب والاستزادة من الاطلاع. يقول ألفريد فرج :" وقد أعجبت بطه حسين واستعصى على استيعاب كتب العقاد وسحرنى حوار توفيق الحكيم وأسلوبه السهل الجميل فى الرواية والمسرحية. وكانت كتب الحكيم أول كتب الأدب التى اشتريتها بمصروف جيبى".

 وبالطبع ساعدت ألفريد خبراته فى تأليف : "الأفيهات" ونظم الشعر ونقل فصول المسرحيات، مع خبراته النظرية فى المسرح والدراما، والمعارف النقدية التى تشكلت خلال دراسته الجادة ... إلخ، لتحدث المفاجأة، ويرتقى "التصفيق" هذه المرة إلى نيل الجائزة الأولى فى مسابقة القصة ... ليقرر فيما بعد : "عجبت من الدنيا ومن نفسى، وارتبكت مقاصدى وحرت فى أمرى".

وكأن الحيرة الخلاقة لم تكن لتكفى عند هذا الحد، إذ سرعان ما اجتذبته فى الجامعة ممارسة أخرى ... كانت الصحف أيام الحرب العالمية الثانية ذات أهمية استثنائية، تحتل حيزاً خاصاً فى حياة الناس، وهكذا التفت ألفريد إلى الصحافة بما غلب عليها من أحاديث السياسة ومناقشاتها، التى تحولت بعد الحرب إلى هتافات ومظاهرات وخطب ملتهبة وروح وطنية وقومية متدفقة.

 هكذا أصبحت دقات فلبه – المنجذبة مع القلوب الشابة إلى الشعر والحب – مضبوطة أيضاً على إيقاع الحركة الوطنية – مشبعة بحب الحرية. ولكن ما الحرية وما جوهرها وما مظاهرها..؟ لقد راحت تتجلى فى المطالبة بالاستقلال وتأكيد الهوية فى كل المجالات، والانعتاق الأدبى كما فى الشعر الحر والشعر الحديث، كما هى فى تلك "العوالم الجديدة" التى كان الخلفاء يصفونها للناس، ويبالغون فى وعودهم بها.

 وكانت الأحلام أرحب ف الواقع الضيق، فكانت مصر مع بلاد عربية كثيرة تتململ فى ضيق وقد اكتسحتها الاضطرابات، وجيل كامل يريد أن يطوى ملف الاستعمار والتبعية ليفتح ملفاً قومياً جديداً.

 هكذا اجتذبت ألفريد فرج فى الجامعة الممارسة الصحافية بالذات، وقد زودته دراسته بأدوات الناقد ومناهج النقد الأدبى والدرامى ... إلخ على نحو راح يسأل نفسه معه.. :ولم لا أكون ناقداً؟". ولا يكتفى بالسؤال بل ينهمك فى كتابة النقد، وكتابة التقارير الصحافية حول المناسبات الثقافية والأدبية.

تخرج ألفريد أخيراً من قسم اللغة الإنجليزية فى أداب الإسكندرية عام 1949، ليبدأ حياته العملية، وقادته رحلته إلى العمل مدرساً فى مدرسة للبنات.

·  الحكيم والمسرح الذهنى...

      ولكن مع ذلك كله بقى شىء يخايله بأضواء المسرح وسحر المسرح وتلك الأجواء الخلابة، التى سيطرت عليه منذ أن كان تلميذاً فى المدرسة الإبتدائية، ثم خلال الملحمة الطويلة التى ازدهرت مع مسرحية الريحانى "حكاية كل يوم" ومسرحية يوسف وهبى "خفايا القاهرة".

 لم يقدم لتوفيق الحكيم – أديب ألفريد المفضل- على المسرح، طوال الأربعينات والخمسينيات، إلا مسرحية "الأيدى الناعمة" التى أخرجها على المسرح القومى يوسف  وهبى ومثلهــا (1954)، وربما لموضوعها السياسى لا لجمالها الدرامى!

كان الشائع أن مسرح الحكيم يصلح للقراءة ولا ينجح فى التمثيل لأنه مسرح ذهنى. وكان ذلك يثير حفيظة ألفريد، فقد تعلم فى دراسات الأدب الإنجليزى أن جوهر المسرح دائماً فكرى وفلسفى، كما تعلم فى النقد معالجة الأدب المسرحى بالتحليل والتفسير والتأويل لاكتشاف العلاقة بين فن المسرح والعصر الذى ازدهر فيه ومرامى الكاتب وفكره وفلسفته.

 كان الشائع أن مسرحيات الحكيم  "ناعمة" لا تثير الجمهور أو تعجبه!. وكان ألفريد يقرأ مسرحيات تشيخوف "الناعمة" ومسرحيات ت.س إليوت الأكثر نعومة، التى تعرض هنا أو هناك فى إنجلترا وأمريكا وفرنسا بنجاح. فيعجب للتناقض بين ما تعلمه وما تعود أن  يقرأه فى الصحف عن مسرح توفيق الحكيم.

 كانت مصر تلغى مع بداية الخمسينيات، وحاول المسرح مواكبة القضايا والهموم الجديدة، لكنها كانت مواكبة فيها من الخداع والمماحكة أكثر مما فيها من الفهم والأصالة، حيث ظلت الغلبة أو السيادة للميلودرامات الزاعقة والهزليات الرخيصة. وأحس ألفريد بأنه يريد أن يكتب للمسرح، وربما دفاعاً عن المسرح الذهنى والفكرى وعن مسرح توفيق الحكيم، ودفعاً لدعاوى تبرر مسرح النكات الهزلية أو الفواجع الميلودرامية، وهما عمودا المسرح المتكلف والمصطنع والخاوى والأجوف الذى كان يغلب على حال المسرح فى الخمسينيات بالقاهرة.

 ومع انشغال ألفريد بذلك، صار مشرفاً على فريق التمثيل بمدرسة البنات التى يعمل فيها، ولأنه مشرف غير تقليدى فقد اختار مسرحية جورج برناردشو "قيصر وكليوباترا" التى تروى حكاية غزو يوليوس قيصر لمصر ومقاومة المصريين ومكائد السياسات الإمبراطورية ... إلخ، كما اختار أن يخرج المسرحية فنان مثقف يستطيع أن يضفى على العرض المسرحى الأجواء الفنية للنص، ويعرف التلميذات بالأسلوب العلمى للأداء التمثيلى، وكان أن دعا نبيل الألفى لإخراج المسرحية.

 كان نبيل قد عاد من البعثة إلى فرنسا مع زميله حمدى غيث، وكانا يحلمان بتطوير المسرح المصرى وتحديث أساليبه وأدواته الفنية ... الحلم نفسه الذى كان يراود ألفريد. وفى هذا الإطار حدث إلقاء بينه وبين الفنان حمدى غيث، ولنترك الحديث هنا لألفريد: "كان على رأس جماعة الفنانين الشبان من خريجى معهد التمثيل الذين كانوا يضيقون بحال المسرح وبالفرص الضيقة أمامهم. ولما شاهدت مسرحيتين أخرجهما "مقالب سكابان" لموليير و"شاعر الشعب" لبانفيل أحببت أسلوبه الحداثى فى الإخراج، وتغلبت على حيائى وسلمته مسرحيتى "مأساة إخناتون" التى أشار على صديقى العزيز الراحل "رشدى صالح" بأن أسميها "سقوط فرعون" ليكون الاسم أكثر جاذبية للمشاهدين ففعلت.

 وحين رأنى حمدى غيث بعد أن قرأ مسرحيتى صاح بى "نحن نبحث عنك منذ سنوات"! قلت له :"كنت معك أول أمس"! قال لى:" نعم،ولكننى لم أكن أعرف أنك كاتبنا المسرحى الجديد الذى سيرفرف فنا مع أوراقه لنلحق فى الأجواء الرفيعة"! فما كان أروع وقع هذه الكلمات فى نفسى"!.

 ·  إبداع الأصالة العربية...

درس ألفريد فرج الأدب الإنجليزى دراسة جادة فى قسم اللغة الإنجليزية الذى التحق به، الأمر الذى أتاح له معرفة وافية بالمسرح الغربى وتقاليده، لكنه كان قد ارتبط مبكراً جداً، وهو مازال طفلا بالتراث، ومن هنا جاء التآلف وإدراك ضرورة عدم الانسلاخ عن ماضينا وجذورنا القابلة للنماء والتطور والتطويع، أو غض الطرف عن الجديد المتمثل فى منجزات العالم الإبداعية، والحوار والتفاعل معها تفاعلاً خلاقاً.

 ويقرر ألفريد فرج أن التوجه إلى التراث هو جزء من تأصيل فن المسرح، المستشرقون يقولون: إن المسرح العربى ثمرة مباشرة للتحديث الأوروبى لمجتمعاتنا فى القرن التاسع عشر لكن هذا خطأ، فمسرحنا له أصول فى التراث. وأول مسرحية عربية كانت مستوحاة من ألف ليلة وليلة هى مسرحية "هارون الرشيد" لمارون النقاش، فهذا التوجه كان صحيحاً، لأن مارون النقاش أراد أن يقدم عبره فناً مألوفاً للجمهور وليس فناً غريباً فى الشكل والمضمون، لقد درج المسرح على استخدام التراث واستلهامه، وطبعاً هذا الاستخدام له مستويات عديدة منها الشكل المباشر وغير المباشر والإسقاطات وغيرها، وأريد أن أؤكد أن المسرح فى كل العالم اتجه نحو التراث، فالمسرح الإغريقى استخدم الألياذة والقصص التى تنتمى إلى التراث السابق لنهضة المسرح هناك، وعصر النهضة الأوروبية استخدم أيضاً هذه القصص التراثية وقصص التاريخ والأساطير نفسها، شكسبير وكورناى وراسين استوحوا التراث، حتى موليير الذى يعد أبا المسرح الفكاهى استخدم تراث "لاكوميديا دى لارتى" أى القصص التى كانت تمثلها الفرق الشعبية المتجولة فى أوروبا فى عصر سابق لموليير ... إذن استخدام التراث عامل إيجابى، وانطلاقاً من هذا جاء استخدامى للتراث، ولكن ليس بطريقة الإسقاط التى تنتهجها بعض المسرحيات وتتمثل فى إحلال ميكانيكى لقضايا معاصرة، فأنا أرى هذه الطريقة فجة، ولكنى أومن باستخدام التراث لتصوير المقومات الأساسية الثابتة للشخصية العربية وللتذكير بالأبعاد للأمة العربية، فنحن شعب قديم وله تاريخ طويل لكننا لا نعرف هذا التاريخ جيداً على عكس أوروبا التى نلمس التاريخ فيها فى كل مكان، ولهذا فأنا عندما ألجأ إلى التراث فإنما أريد أن أوقظ فى وجدان أن المواطن العربى الإحساس بالبعد التاريخى ليفكر من خلال خبرة التاريخ وينفعل من خلال إحساسه بالثوابت التاريخية، فأنا أرى ضرورة أن يساعد المسرح العربى فى شحذ الإحساس بالبعد التاريخى للشخصية العربية.

 ويعرف المتابع لإبداعات ألفريد فرج وقوعه فى هوى عالم ألف ليلة وليلة ... وإنجازه لسبعة أعمال من هذا العالم الأثير منها حلاق بغداد ورسائل قاضى إشبيليه وأيام وليالى السندباد وعلى جناح التبريزى والطيب والشرير والجميلة وجواز على ورقة طلاق، وآخرها الأمير والصعلوك. وفى أعماله المستوحاة من ألف ليلة وليلة لا يستعير الكاتب الحكايات والشخصيات بقدر ما يستعيد الأجواء ليقدم لنا ألف ليلة أخرى تعى المشاكل التى نواجهها فى العصر الحديث .. تتناول الاهتمامات والمشاكل والآلام والمفاهيم والمعانى والدلالات والأزمات التى يعيشها إنسان القرن العشرين والواحد والعشرين.

لقد مكن التكوين الخاص ألفريد فرج من تحقيق إنجاز مرموق فى إبداع الأصالة العربية .. لقد عمد الرواد الأوائل إلى الترجمة والاقتباس والتعريب، لكن من جاءوا بعدهم بدأوا فى البحث عن المخزون الشعبى والفكرى والحضارى للأمة العربية، لإحساسهم العميق بالاستلاب والغربة والانسلاخ عن الذات. ودفع الحماس برواد مثل مارون النقاش وخليل القبانى إلى افتقاد الوعى النقدى فى النظر لهذا التراث، مما جعلهم يسقطون فى المباشرة، لتتحول العودة للتراث إلى تقنية سطحية تقتصر على الرجوع إلى العهود العربية المشرقة والشخصيات التاريخية العميقة ... وفى مرحلة لاحقة عمد المسرحيون العرب مثل ألفريد فرج إلى استنطاق التراث وتوظيفه بمكوناته المختلفة، ومحاولة إسقاطه على الواقع العربى، فى إطار قالب مسرحى عربى تجاوز الشكل الغربى، الشىء الذى جعله يدخل فى فضاءات إبداعية يبلورها مناخ المسرحية الداخلى، وهنا تكمن القيمة الحقيقية والمستقبلية بل التحذيرية لهذا المسرح، كما تجلى فى رائعة ألفريد فرج "الزير سالم".

       ومما يلفت النظر فى تجربة ألفريد فرج أنه صاحب فضل فى كسر الحاجز اللغوى بين الفصحى والعامية لأنه كان لا يرى فواصل حقيقية بين مستوى اللغة الفصحى واللغة المنطوقة، وبذل جهدا حقيقيا فى ردم الهوة بينهما فى أعماله. وقد أثارت لغة المسرح عنده اهتماما نقديا واسع النطاق لحيويتها الشديدة وخروجها على اللغة الشبيهة بلغة المقال التى استخدمها كثير من أسلافه، كما أن ألفريد فرج كان يؤمن بضرورة أن تسهم اللغة فى رسم صورة "بصرية" للنص انطلاقاً من إيمانه بأن المسرح "فكر وفرجة".

      لقد أثبتت تجربة ألفريد فرج المديدة أن استحضار التراث العربى لا يعنى إحياءه أو تحديثه، إنما يتحدد بعملية استيعابه استيعاباً عقلانياً نقدياً، والعمل فى الوقت نفسه على خلق تراث جديد يشكل نقطة الانطلاق من خصوصية الخبرات القومية والاجتماعية والإنسانية للواقع، الذى يعتبر التراث السابق بمختلف مكوناته بعداً وجدانياً ومعرفياً. وهذا يعنى أن ارتباط العملية الإبداعية ينبغى أن يكون ارتباطا بالذات الفاعلة والمتغيرة فى الوقت نفسه.   

 

 

بقلم/ منى خليل - مصر  جريدة الفنون آذار/ مارس – 2006 – السنة السادسةالعدد 63

  

 

 

 

 

 

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,353,397