تعد الموسيقى التصويرية عنصراً أساسياً من مقومات الفيلم السينمائي، وباستطاعة المؤلف الموسيقي البارع أن يلعب دوراً مهماً في الصيغة النهائية المتكاملة للفيلم بإضافة الحيوية على السرد الروائي للقصة. ولكي ندرك أهمية الدور الذي تلعبه الموسيقى التصويرية في الأفلام السينمائية ما علينا إلاّ أن نشاهد فيلماً سينمائياً خالياً من تلك الموسيقى. فعندئذ ندرك حاجة الفيلم الماسة إلى عنصر الموسيقى التصويرية الذي يبعث الحياة في كثير من مشاهده ويحرك عواطف المشاهد. وقد لا يدرك المشاهد العادي الدور الذي تلعبه الموسيقى التصويرية السينمائية، إلاّ أن هذه الموسيقى كثيراً ما تسيطر على أحاسيسه وتتحكم في عواطفه. وهي دون شك إحدى الأدوات الرئيسية التي تعزز الأثر السيكولوجي للفيلم على أحاسيس المشاهد.

وقد اكتشف مؤلفو الموسيقى التصويرية السينمائية سر فاعلية هذه المهمة منذ بداية عصر السينما الناطقة. ونقل هؤلاء الموسيقيون عن أوبرات الموسيقار الألماني الشهير فاجنر فكرة الموضوع الموسيقي أو اللحن الموسيقي المقترن بشخصية أو بمكان أو بشيء إلى الأفلام السينمائية. ومع تطور سرد القصة السينمائية تجمع هذه الألحان الموسيقية معاني وذكريات جديدة، ومع نهاية الفيلم يكون لهذه الألحان وقع كبير على المشاهد، وقد توحي بأفكار خاصة بها تكون أحياناً مخالفة لما يراه المشاهد على الشريط السينمائي. على أن الموسيقى التصويرية في الأفلام السينمائية لم تبدأ مع الأفلام الناطقة بل سبقتها بسنين عديدة. وأدرك السينمائيون الأوائل أهمية دور الموسيقى التصويرية في أفلامهم في عصر السينما الصامتة. وقد قام الموسيقار الفرنسي المرموق كاميل سانت - ساينز بتأليف الموسيقى التصويرية للفيلم الفرنسي الصامت اغتيال دوق ديجايز في العام 1908، أي قبل ظهور أول فيلم ناطق، وهو فيلم مغني الجاز بتسعة عشر عاماً. وكانت فرقة موسيقية تعزف تلك الموسيقى أثناء عرض الفيلم. وقام رائد السينما الأميركية د. و. جريفيث، المعروف بمواهبه المتعددة، بالتعاون في تأليف الموسيقى التصويرية لفيلميه الشهيرين مولد أمة (1915) وتعصب (1916) والتي قامت بعزفها فرقة موسيقية أثناء عرض الفيلمين. وكانت الموسيقى التصويرية ترافق عرض الأفلام الصامتة الضخمة الإنتاج، وكان بعضها يؤلف كمقطوعات موسيقية أصلية تناسب مشاهد الفيلم أو يتم اختيارها من المؤلفات الموسيقية الشهيرة. وكانت تقوم بعزفها فرق موسيقية ضخمة في مقدمة المسرح في دور السينما الفخمة الموجودة في المدن الكبرى. أما في المسارح الصغيرة الموجودة في الأقاليم فكانت تلك المهمة توكل إلى عازف بيانو يعزف المقطوعات الموسيقية المناسبة لمشاهد الفيلم. وتتطلب الموسيقى التصويرية دقة متناهية في التوقيت لكي تتزامن مع الصورة والحوار، كما تتطلب قدراً كبيراً من الجهد بالإضافة إلى موهبة التأليف الموسيقي. وقد واجهت كبار المؤلفين الموسيقيين صعوبات جمة في أواسط فترة الثلاثينيات من القرن الماضي عندما أصبح تأليف الموسيقى التصويرية جزءاً أساسياً من مقومات الفيلم السينمائي في هوليوود. فمنذ ظهور المدرج الصوتي المتزامن فرضت على المؤلف الموسيقي قيود جديدة، حيث أنه وجد نفسه ملزماً بإخضاع ألحانه الموسيقية لفترات زمنية بالغة الدقة لتتماشى مع الصورة، إضافة إلى إخضاعها لمقتضيات حبكة قصة الفيلم وتعقيدات المدرج الصوتي، بما فيه من حوار ومؤثرات صوتية وألحان موسيقية من تأليفه. وكــما استعــانت هـــوليوود بكبار الروائيين لكتابة القصص والســيناريوهات لأفلامـــها، فقد اســـتعانت أيضاً بكبار المؤلفين الموسيقيين داخل الولايات المتحدة وخـــارجها لتأليف الموســــيقى التصويرية لتلك الأفلام. إلاّ أن التجربة لم تكن ناجحة دائماً في كلتا الحالتين. ومن الأمثلة على ذلك تجربة الروائيين الشهيرين وليام فوكنر وف. سكوت فيتزجيرالد والمؤلفين الموسيقيين المرموقين آرون كوبلاند وليونارد بيرنستاين. فرغم المكانة الكبيرة التي يحتلها كل منهم في ميدان تخصصه، إلاّ أن نجاحهم في هوليوود كان جزئياً. ومع أن كوبلاند وبيرنستاين فازا بجائزة الأوسكار، فقد اكتشفا في نهاية المطاف أن السينما ليست المكان الطبيعي المناسب لهما، وواصلا التأليف الموسيقي فيما بعد خارج هوليوود، تماماً كما فعل الكاتبان فوكنر وفيتزجيرالد في عالم التأليف الروائي. وقد قطع مؤلفو الموسيقى التصويرية السينمائية شوطاً كبيراً في براعة استخدامها على مر السنين. ففي بداية عهد السينما الناطقة كانت الموسيقى التصويرية تعالج المواقف السينمائية معالجة مباشرة ولا تترك مجالاً للمشاهد لاستخدام خياله. فعلى سبيل المثال، نجد في فيلم المخبر الذي فاز بجائزة الأوسكار لأفضل موسيقى تصويرية في العام 1935 أن الموضوعات أو الألحان الموسيقية للموسيقار ماكس ستاينر ترافق مشاهد الفيلم بدقة متناهية. ولكن مع التقدم الذي تحقق في براعة استخدام الألحان الموسيقية لم يعد تزامن الموسيقى والحدث ضرورياً. وأصبح المؤلفون الموسيقيون يعالجون الموضوعات السيكولوجية بسهولة. فقد نجح الموسيقار ميكلوس روزا في فيلم سبيلباوند، رائعة ملك أفلام التشويق والإثارة ألفريد هيتشكوك، في تقديم موسيقى تصويرية مشحونة بالتوتر تعبر عن قلق بطل الفيلم وهواجسه. وفاز الموسيقار روزا عن ذلك بجائزة الأوسكار لأفضل موسيقى تصويرية للعام 1945. أما الموسيقار هيوجو فريدهوفر فقد تمكن في فيلم أفضل سنوات حياتنا، الحائز على جائزة الأوسكار لأفضل موسيقى تصويرية للعام 1946، من استخدام ألحان موسيقية تجمع بين مشاعر الفخر والحزن للجنود الأميركيين العائدين من الحرب. وفي العام 1952 استحدث شيء جديد في الموسيقى التصويرية السينمائية في فيلم قطار الظهر، وهو من أفلام رعاة البقر المتميزة ذات الموضوعات الجادة. فقد شملت المقدمة الموسيقية للفيلم أغنية ملائمة لجو العصر الذي تقع فيه أحداث الفيلم، وترددت الأغنية مع الموسيقى التصويرية للفيلم بصورة فعالة طوال عرضه دون أن يغنيها أحد شخصيات الفيلم. وفاز الموسيقار ديميتري تيومكين باثنتين من جوائز الأوسكار في فيلم قطار الظهر، الأولى عن أفضل موسيقى تصويرية والثانية عن أفضل أغنية، وتقاسم الثانية مع مؤلف كلماتها نيد واشنطن. وقد تم تقليد هذا الأسلوب المبتكر باستخدام أغنية في افتتاحية الفيلم في مئات الأفلام الأميركية منذ ذلك الوقت. بل إن أفلاماً كثيرة أصبحت تعتمد على الأغاني الشائعة كجزء أساسي من موسيقاها التصويرية. وقد استخدم بعضها عشرين أغنية أو أكثر، كلياً أو جزئياً، لهذا الغرض. ولا بد من التأكيد هنا أن تلك الأغاني استخدمت ضمن الموسيقى التصويرية ولم يقدمها أحد ممثلي الفيلم، كما يحدث في الأفلام الغنائية. وأصدر منتجو تلك الأفلام ألبومات أو أشرطة لموسيقى وأغاني أفلامهم بيع من بعضها ملايين النسخ، ممـا أســـهم في زيـــــادة إيــرادات تلـــــك الأفــلام عـــــن طريقين، الأول هو بيع الألبومات والأشرطة والثاني هو تشجيع أعداد كبيرة من مستمعي تلك الأغاني على مشاهدة تلك الأفلام. وقد لعب ذلك دوراً كبيراً في النجاح التجاري الكبير الذي حققه بعض الأفلام كفيلم المدفع الكبير للنجم السينمائي توم كروز. فقد بلغت الإيرادات العالمية الإجمالية لهذا الفيلم 350 مليون دولار واحتل المركز الأول على شباك التذاكر بين أفلام العام 1986. ورشحت اثنتان من أغاني الفيلم لجائزة الأوسكار لأفضل أغنية، وفازت أحداهما بتلك الجائزة. وحصد الشريط الغنائي للفيلم عشرات الملايين من الدولارات. وقد تمكن المؤلفون الموسيقيون على مر السنين من فهم وإدراك المتطلبات الخاصة للموسيقى السينمائية، كما أدرك المخرجون والمنتجون السينمائيون أهمية المؤلف الموسيقي السينمائي كعضو أساسي من طاقم الفيلم، وتحولت وظيفة الموسيقى التصويرية السينمائية من مجرد تصوير خلفية معينة أو مزاج معين إلى عنصر متكامل من المقومات الأساسية للفيلم السينمائي ووقعه وتأثيره على المشاهد. وقد نتج عدد من أفضل وأروع مؤلفات الموسيقى التصويرية عن مشاركة المؤلف الموسيقي في المراحل الأولية لإنتاج الفيلم والتعاون الوثيق بين المؤلف الموسيقي وبين مخرج الفيلم. ومن أشهر هذه الشراكات الفنية العلاقة بين المخرج ستيفين سبيلبيرج والمؤلف الموسيقي جون وليامز الــذي قـــام بتأليـــف الموسـيقى التصويرية لجميـــع الأفــــــلام الســينمائية التي قـــــام ستيفين ســبــــيلـــبيرج بإخراجها، ومن ضمــــــنها الفــك المـــفتــرس و أي . تي . مخلــــوق مـــن الفضــــاء الخــارجـــي واتصالات قريبة من النوع الثالث وثلاثية أفلام إنديانا جونز. ورشح جون وليامز لجائزة الأوسكار أكثر من خمس عشرة مرة وفاز بالجائزة عن أفضل موسيقى تصويرية خمس مرات. وساعد التقدم الذي تم إحرازه في تكنولوجيا التسجيل وفي الوعي الشعبي الموسيقي والتطور الذي حققه العدد المتزايد للمؤلفين الموسيقيين السينمائيين على تحويل مـــؤلفـــات الموســـيقى التصويرية السينمائية إلى عنصــــر بالــــغ الأهمــية من عناصر الفن السينمائي.
المصدر:

جريدة الاتحاد العراقية الاحد23/3/2008 العدد/1797

 

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,449,778