د. أحمد صقر
إن ما انتهت إليه أحوال المسرح الكوميدي المصري من انهيار في أسلوب تقديم الأفكار والاستغناء عن الجانب الجاد والطبيعي لتناول قضايانا الحياتية، والتشبث بالأسلوب الإباحي الذى يمثل المسرح كما لو أنه منشأة سياحية، لهو أمر يجعلنا نتساءل عن تطور طبيعة العلاقة بينهما، ومعهما الممثل الذى يُعَد الوسيط الأساسي فى توصيل الكلمة إلى متلقيها، لأدركنا مثلا أن ما شهده المسرح المصري فى الربع الأول من هذا القرن- بل استمر كذلك إلى نهاية الأربعينات- تمثل فى تقديم الضحك كما لو أنه لون من الهوان والرخص والمذلة، حيث كان الإضحاك فى تلك الآونة يمارس بمعرفة بعض الفئات الضالة من بائعي "الدندرمة" و"حَبْ العزيز" وعازفي "البيانولا" الذين يجوبون الحوارى والعطوف بحثا عن لقمة عيش، ولو على حساب تلوين الوجه بالجير الأبيض أو صبغها بالهباب الأسود، فضلا عن طريق الممارسة والأداء الذى لا يتورع بموجبه هذا الفنان المتجول أن يلزق زميله على قفاه أو يبادله الألفاظ المنحطة التي لا تخلو من لفظ الأب والأم مذيلة بأسفل الصفات.تلك كانت أحوال الكوميديا فى جانبها القولي والأدائي، وهنا قد نجد ما يبرر مثل هذا المسلك، إذا أدركنا أننا أمام فن مُسْتَجْلَب من الخارج، مُطَعًم ببعض التوليفات المحلية، وهو دون شك يتم دون علم أو إدراك حقيقي لماهية الكوميديا كما عرفها مؤلفونا وممثلونا، وكما لابد أن تصل إلى الجمهور فى أسلوب راقٍ يحرص على العلاقة الإيجابية بين المؤلف والجمهور.

غير أننا – كما سبق وذكرنا- تعرفنا على تطور طبيعة العلاقة بين المؤلف الكوميدي وبين الجمهور فى السبعينات، ومحاولة التركيز على ما يضبب الحقائق الحياتية، بل أكثر من هذا يأخذ بالجمهور بعيدا عن أهداف الكوميديا ليقترب، بل يلتحم التحاما حميما في أسلوب واضح وصريح هدفه مخاطبة حواس وغرائز المشاهدين، الأمر الذى يمثل الأسلوب الناجح في اجتذاب الأعداد الفقيرة من جمهور المسرح. إلا أننا لابد وأن نحدد أي نوعية من الجمهور أقصد أنه جمهور مسرح القطاع الخاص.

ومع كل هذا فإن مسرح الثمانينات "لا يتميز بنتاج كوميدي، إذا ما قيس بما يجب أن يكون عليه- ويقصد هنا مسرح الدولة الجاد- فإننا لا نقدم بعض الأعمال التي أدركت ضرورة الكوميديا وتأثيرها فى الوجدان المعاصر الذى يواجه إغراء "الشاشة" الكبيرة والصغيرة، فضلا عن "الفيديو"، ويلاحظ أن الكوميديا، مع أننا نجد لها أصولا فى الظواهر الشعبية والأدب العربى، فإنها ترتبط بالسياسة، لكون المسرح المعاصر "مسرحا سياسيا"، ولأن العلاقة يمكن أن تكون وطيدة بين مأساة الواقع السياسي اليوم وخيوط الكوميديا السوداء" .
إن السبب الأساسي فيما سبق ذكره تَمَثًل فى أن الكوميديا التى شهدناها فى الستينات- وكانت أفضل ما نحن عليه اليوم- قد ركزت كل همها على مداعبة "الذات الجريحة لجمهور بأن قدمت إليهم صورة خادعة لهذه الذات ورفعت عنهم كل عبء يمكن أن يكدر صفوهم" ، وللمؤلف العُذر كل العُذر فى عدم مواجهته- ولو بشكل مؤقت سرعان ما يزول- لهذا الواقع المرير.
إلا أننا عندما نصل إلى الكوميديا فى نهاية السبعينات وصولا إلى الثمانينات نجد أن كُتًابها لم يعودوا من نوع كُتًاب الدراما الجادين الذين اعتمدوا على كوميديا "الموقف"، ولم تتحول الكوميديا فى أيديهم إلى نوع من التلميحات الجنسية والنكات والأقوال الخارجية، مثلما هو حال الكوميديا فى هذه الفترة- أقصد الثمانينات-، إذ أن الدولة، كمسئول أساسي ووحيد عما يقدم على مسارحها، أخذت تتجه إلى تقليد مسرح القطاع الخاص، واندفع الكُتًاب إلى هذا المعين الذى لا ينضب والذى يثرى جيوبهم ويعلى من شأنهم- كما يظنون- إعلاميا، اتجهوا إلى مجاراة مسرح القطاع الخاص، فقدمت مسرحية "الزيارة انتهت" التي شارك فيها محمود ياسين والتي اعتمدت على مشاهد من الرقص.. الفاضح والغناء غير اللائق والقفشات اللفظية" .
ظاهرة النجم الأوحد تسيطر على ناصية الأمور
إذا كنا على يقين تام من أن العلاقة بين الجمهور والمؤلف تتأثر بالمُناخ العام للدولة، فإننا لابد وأن نُدرك أن توجه الكثير من مؤلفى الكوميديا- على المستويين العام والخاص- إلى وأد فكرة الكوميديا الجماعية-، كما عرفناها طوال فترات وجودها، منذ أرسطوفانيس انتهاء بالأعمال المسرحية المصرية التى شهدناها فى الستينات، واعتمدت هذه الأعمال على أكثر من نجم- واستبدالها بظاهرة النجم الأوحد الذى يسيطر على كل أكلاشيهات الإعلانات وتكريس له كل إمكانات العرض، وكما قال "سعد أردش" فى جريدة "الأهرام الدولى" إن الأفيش يتصدره على الأقل من كبار النجوم ولأنه أصبح من العسير، بل من المستحيل أحيانا إقناع نجوم الدولة بالعمل، فقد لجأت مسارح الدولة إلى الاستعانة بنجوم القطاع الخاص من سينما وتليفزيون مقابل أجور باهظة.

على أننى لا أرفض هذا الاتجاه- أى ظاهرة النجم الأوحد- بل أرفض أن يكون هو السبيل الوحيد الذى يعتمد جميع مؤلفي الكوميديا فى تحرك يضيع معه معالم الكوميديا كما نعرفها، ويصبح العمل "تفضيل" لممثل معين له مطلق الحرية فى أن يغير وأن يضيف حتى يتمشى العمل مع إمكاناته وميوله، وينسى المؤلف أنه إذا كان يقدم مؤلفاته المسرحية إلى مسرح القطاع الخاص- مسرح الترفيه- حسب ما ذكرت نهاد صليحة- أو مسرح الدولة أنه "يتجاهل حقيقة هامة، وهى أن نجاح العرض المسرحى عمل جماعى فى جوهره" .
وليس معنى هذا أن كوميديا النجم الأوحد "ظلت تقدم أعمالا سيئة إذا لم نعدم بعض الإسقاطات الاجتماعية والسياسية فيها، غير أن هذا يتم دون أن تصل درجة الكوميديا فى مسرح القطاع العام إلى درجة عالية، وإحداث مقارنة بين القطاع الخاص والعام بهذا الشكل، يؤكد تقصير المسرح الجاد عن تقديمه هذه النوعية الجيدة" .

نماذج من المسرح الكوميدى المصرى فى الثمانينات

برغم تعدد الآراء واختلافها حول نتاج هذه الفترة، إذ أن البعض يرى أن الثمانينات فترة إنتاج غزير للمسرح الكوميدي، وهو يقصد بذلك إنتاج القطاع العام والخاص، والبعض الآخر يراه إنتاجا محدودا، وهو يقصد بذلك مسرح القطاع العام الكوميدى، وأرى من الضرورى أن نتعرف على نتاج هذه الفترة ككل ثم أحاول أن أتعرف على ماهية المسرح الكوميدى فى هذه الفترة بعد التطبيق على عدد من النماذج.

1ـ مسرح القطاع العام الكوميدى:-

قدم عدد من العروض المسرحية الكوميدية منها:
أـ 1985:
1ـ عائلة سعيدة جدا- تأليف وإخراج السيد بدير (إنتاج المسرح الكوميدى).
2ـ هو بكام النهاردة- تأليف يحى جاد وإخراج مصطفى الدمرداش (مسرح الشباب).
3ـ مولد وصاحبه غايب- تأليف نعمان عاشور إخراج سعد أردش(فرقة المسرح الكوميدى).
4- أهلا يا بكوات- تأليف لينين الرملى إخراج عصام السيد (المسرح القومى).
5- الدخول فى الممنوع- جمال عبد المقصود وإخراج السيد راضى (المسرح الكوميدى).
6- الرجل الذى أكل الوزة- جمال عبد المقصود، ماهر عبد الحميد (مسرح الطليعة).
ب - 1987:
عالم الكورة- جمال عبد المقصود، مجدى مجاهد (المسرح الكوميدى).
جـ - 1989:
1ـ طب وبعدين- تأليف مصطفى سعد إخراج محمد أبو داود (المسرح الكوميدى).
2ـ فلوس.. فلوس.. فلوس.. – تأليف/ إعداد ليلى عبد الباسط وإخراج عبد الغفار عودة (المسرح الكوميدى).

2ـ مسرح القطاع الخاص الكوميدى:-
قدم مسرح القطاع الخاص العديد من الأعمال الكوميدية فى الثمانينات وأقدم بعضها:
أـ 1985:
1ـ الكلاب وصلت المطارـ تأليف على سالم- محمد نجم (مسرح نجم).
2ـ راقصة قطاع عام- تأليف يوسف عوف- جلال الشرقاوى (مسرح الفن جلال الشرقاوى).
3ـ خشب الورد- تأليف على سالم- هانى مطاوع (خاص).
ب – 1989:
1ـ إنقلاب- صلاح جاهين، جلال الشرقاوى (مسرح الفن جلال الشرقاوى قطاع خاص).
2ـ قسمتى ونصيبى- رؤية مسرحية وحوار (صلاح أحمد حسين- يحى محمود إخراج هانى مطاوع (مجموعة المستقبل).
3ـ بولوتيكا ـ نبيل بدران ـ جلال الشرقاوى- (المنتزة).
4ـ الصعايده زعلوا- يسرى الإبيارى.
5ـ أخويا هايص وأنا لايص ـ عبد الرحمن شوقى- حسن عبد السلام.
6ـ 100 مسا ـ من عروض الموسم الصيفى فى الإسكندرية.
7ـ البعبع ـ من عروض الموسم الصيفى فى الإسكندرية.
8ـ بكرة زى النهاردة ـ من عروض الموسم الصيفى فى الإسكندرية.
العلاقة بين لينين الرملى وجمهوره
(المؤلف الذى يكتب للقطاعين العام والخاص)
عند الحديث عن المؤلف المسرحى الذى يكتب للقطاعين، ونقصد هنا "لينين الرملى" الذى بدأ بكتابته لمسرح الدولة ثم تحول إلى مسرح القطاع الخاص بأدواته الخاصة، ثم عاد وكتب للمسرحيين فى نفس الوقت. إن هذا الموقف يجعلنا نتساءل عن أدوات المؤلف المسرحى.
هل تتغير عندما يتحول من القطاع العام إلى الخاص؟
وهل يتغير جمهوره؟
إن الرد على هذين السؤالين يتحدد فى طبيعة أعمال "لينين الرملى" التى قدمها للمسرح الخاص- منها على سبيل المثال "تخاريف" – وجهة نظر "أبو زيد"-، وكذا أعماله التى قدمها لمسرح القطاع العام- منها على سبيل المثال "عفريت لكل مواطن"- "أهلا يا بكوات"-، ونحن عندما نقرأ أو نشاهد أعماله فى القطاعين نجد أنه لا يتخلص- بدرجة ما- من جدِيًة المضمون، إلا أنه يحرص كل الحرص مع ذلك على تقديم "كم من الهزل والنكات اللفظية والجنسية" فى مسرحياته، وتمثل هذا- على سبيل المثال لا الحصر- فى مسرحية "أهلا يا بكوات" التى عرضت بالمسرح القومى.. ولم يغفل "لينين الرملى" فى مسرحياته أصول العملية المسرحية التى تسعى إلى تطهير المشاهد عن طريق الرومانسية التى يتميز بها، وكما يقول عنه "فؤاد دوارة": "إنه رومانسى عنيد، بالرغم من أستاذيته المعروفة فى فنون التسويق والإضحاك التى تلهث وراءها الفرق التجارية دائما، اجتذابا لرضا جماهيرهم وإقبالها" .

إن دل هذا على شئ فإنما يدل على أن أدوات المؤلف تكادج تكون واحدة فى الحالتين، ولو إنه يقلل قدر المستطاع من الإغراق فى الهزل والنكات اللفظية والجنسية فى عروض مسرح الدولة عن عروض مسرح القطاع الخاص..
وقد مثلت هذه الأعمال التى يكتبها "لينين الرملى" ويخرجها- فى معظم الأحوال- "محمد صبحى" بارقة الأمل التى أراها تتشابه مع ما قاله "رشاد رشدى"- فى الستينات-، وهى بطبيعة الحال قد تنطبق على واقعنا المسرحى، إذ يقول "إن جمهور المسرح هو أكثر العوامل التى تبشر بمستقبل مشرق للمسرح المصرى، فإلى جانب القاعدة العريضة لهذا الجمهور، وهى القاعدة التى تتزايد يوما بعد يوم، هناك من الوعى الفنى والإقبال على المسرحيات الجادة أكثر مما كان يتوقعه أشد المحبين للمسرح وأكثرهم حرصا عليه، وهذه أمور سوف تدفع بالمسرح المصرى إلى مزيد من النمو والإزدهار، فهذا الجمهور العريض الواعى- الناقد بحسه- المتطلع لكل ما هو جميل، المرهف الحساسية المقبل على كل ما هو جديد وجاد وصادق- الذى يذهب إلى المسرح لا لمجرد التسلية الرخيصة التافهة، بل يستكشف نفسه ويستكشف الكون من حوله... هذا الجمهور هو اللبنة الأولى فى الصرح الذى أرى المسرح المصرى عليه منذ اليوم... وفى الغد" 
ولا أرى ما يعارض هذا الرأى فى قدرة المسرح المصرى بشكل عام، والكوميدى بشكل خاص، على الاستمرار على المستويين العام والخاص ، إذ أننا بمثل هذه التجارب التى يقدمها "محمد صبحى" و"لينين الرملى" و"جلال الشرقاوى"، كمخرج، و"صلاح جاهين"، كمؤلف، عرض "إنقلاب"، وغيرها من الأعمال الكوميدية الراقية، نستطيع القول أن تغيير أذواق الجماهير التى تشغلنا جميعا أمر حقيقى، إلا أنه لا ينطبق على كل الناس، فهناك من يحافظ على مشاهداته وعلى ما يسمعه من أغانٍ، حتى إن القول بأن "التغير فى ذوق ونوعية جمهور المسرح المصرى فى سنواته الأخيرة نتيجة لاتساع قاعدة السياحة العربية بالقاهرة والإسكندرية، وازدهار شرائح اجتماعية معينة- أدى إلى هبوط مستوى الأعمال المسرحية، باعتبار الجمهور طرفا مشاركا فى عملية العرض المسرحى.. يفرض ذوقه ومتطلباته على العمل" .
مثل هذا القول السابق لا نستطيع أن نطبقه على كل جمهورنا، وإلا لماذا ملأت جميع مقاعد المسرح القومى لمشاهدة عرض "أهلا يا بكوات"، التى أعيد عرضها مرة ثانية، وكذا لماذا كل هذا الإقبال على مسرحية "بالعربى الفصيح" التى وجهت البطولة فيها إلى شباب لم نسمع أسماءهم من قبل.

إن محاولة المسرح الكوميدي فى تحقيق المعادلة الصعبة فى النجاح الفنى والمادى أمر تحقق بقدر ملحوظ فى فرقة "استديو الممثل" بـ"محمد صبحى" و"لينين الرملى"- والتى انحلت هذه الأيام بسبب خلافات ما بينهما- كاللذين نجحا فى كسر أنفهما- أى التوازن بين الفرفشة والجدية- بأعمالها المحترمة القيمة والتجارية فى نفس الوقت، حتى أصبح لفرقة "استديو الممثل" التى تمتلكها جمهورية مسرحية مستقلة ذات سيادة.. ومن أجل هذا ينفرد "لينين الرملى" بطبع نصوص أعماله لأنها نصوص أدبية، شأنها فى تلك شأن الأعمال المسرحية الحقيقية التى هى جنس أدبى، ومن هذا المنطلق يتصرف معها وفيها "محمد صبحى"، ممثلا ومخرجا، وينجح الجميع بهذا المفهوم.
وأكاد أقول بكل تأكيد أن "صبحى" و"لينين" صنعا لهما جمهورا مسرحيا ذواقا من طراز خاص، يبحث عن الضحك، ونجد، فى آن واحد، جمهورا يريد أن يرجع إلى بيته بعد العرض المسرحى بشئ يظل يدور فى رأسه ووجدانه، وتلك هى سمة كل فن جميل" .
المسرح الكوميدى المصرى فى التسعينات
ظاهرة الرواج الذى تحظى به عروض مسرح القطاع الخاص.
إن ظاهرة الرواج الذى تحظى من عروض القطاع الخاص بمواصفاتها.. لاتتم إلا فى ظروف خاصة.. لقد رأينا هذه الظاهرة عدة مرات فى ظل جنود الإحتلال وفى ظل وفرة المستوطنين الأجانب، ثم فى ظل تخلق فئات جديدة نتيجة للحراك الاجتماعى، كما حدث فى مصر فى السنوات الأخيرة" .
إن ظاهرة رواج الأعمال المسرحية، التى تحظى بها فرق القطاع الخاص، لهى جديرة بالدراسة، ذلك أننا أمام نوعية خاصة من الأعمال المسرحية، تأليفا وتمثيلا وإخراجا، ولا ننسى أن نذكر الإنفاق المادى على هذه العروض المتمثل فى نوعيات الديكور وغيرها مما تحتضنه خشبة المسرح، كل هذا ربما يشيع اهتمام قلة من الجمهور وخاصة السياح العرب القادمين بأعداد كبيرة لمشاهدة بعض النجوم بالاسم- على سبيل المثال "عادل إمام"- "شريهان"- "هياتم"- "سيد زيان"-.
هذا إلى جانب مساهمة فئة أخرى من فئات الشعب المصرى وهم المصريون العاملون فى دول البترول والذين تزايدت إمكاناتهم المادية فانتقلوا من طبقة إلى طبقة أخرى تؤيد دون شك على أوضاع المجتمع، ويشارك هؤلاء الفئات الجديدة الذين كونوا الثروات فى ظل الانفتاح الاقتصادى، وكلهم كونوا هذه الطبقة الجديدة، وهم الذين يرجون للقطاع الخاص، فهم يسعون إلى تحقيق رغبات جديدة تتوافق مع أوضاعهم المادية والثقافية الجديدة، تتفق مع فريق منهم ممن كونوا ثروات مفاجئة، وفريق آخر تعلم طرق النهب ليحقق مزيدا من الثراء.
مثل هذه النوعية ساهمت بدورها فى تكوين بعض الفرق المسرحية الخاصة، بعضهم من خارج الوسط من رجال المال والتجارة، فظهرت بعض الفرق المسرحية التى تعمل لموسم مسرحى واحد وأخرى لتقدم عرضا واحدا لليلة واحدة ليصور فيديو ويصدر إلى بعض الدول العربية وإلى أوروبا وأمريكا، بل أننا لا ننسى قيام بعض فرق القطاع الخاص بعقد صفقات لتقدم أعمالها بالخارج كما حدث هذا على سبيل المثال مع فرقة الفنانين المتحدين.

وهذه هى بعض من الأسباب التى ساعدت على رواج فرق القطاع الخاص، إذ أن المناخ الثقافى ملائم لقيام هذه الفرق بممارسة أسلوب المناقشة من أجل الاستحواذ على عدد أكبر من الجمهور، هذا ما يتحقق لهم بمساعدة إحدى وسائل الإعلام الهامة والمؤثرة، وأقصد بها التليفزيون.
من ناحية أخرى، فإن القضايا التى يطرحها القطاع الخاص إنما تعتمد أيما اعتماد على بعض الأزمات الاقتصادية الاستهلاكية، مثل أزمة المواصلات وأزمة السكان، وأزمة الزواج، وأزمة إيجاد فرص العمل، وكلها تُقدم فى أُطر فنية مسلية، لا يترتب على نقدها أى رد فعل عند المشاهد المستغرق فى الضحك، ولا شك أننا نستطيع- كما سبق الذكر- أن ننكر دور وسائل الإعلام، كالتليفزيون والصحافة وأقلام بعض نقاد القطاع الخاص، فيما أحدثه مسرح القطاع الخاص من وأد للذوق، وهو دور حددته له ووفرت له الحماية أجهزة الدولة.


المـؤلــف المسـرحـى يبـلغ الفشـــل
إذا ما فضل نصا لمطرب معين
من الظواهر التى نتحدث عنها فى مسرح التسعينات المصرى الكوميدي ظاهرة تفصيل نص كوميدى لمطرب معين وهو "على الحجار"، الذى كتب له "مصطفى سالم" نص "عيال تجنن" وأخرجه "فيصل عزب"، وقدم هذا العمل الكوميدي الغنائى معتمدا بطبيعة الحال على الغناء نظرا لأن عموده الفقرى هو النجم المغنى المشهور "على الحجار"، فإذا كان "صوت المطرب البطل هو الطريق إلى قلب المتفرج، فإن الكوميديا هى الطريق إلى جيبه، ولن يأتى المتفرج للمسرح بقلبه بل بجيبه، هذا هو ما حدث بالضبط عندما فكر "على الحجار" فى الإقدام على إنتاج مسرحية "عيال تجنن" .
إن هذه القضية تفجر لنا العديد من القضايا التى برزت على ساحة المسرح المصرى الكوميدي المعاصر فى التسعينات، منها على سبيل المثال لا الحصر:
قضية النصوص الكوميدية غير المطبوعة وإنتفاء العلاقة الحميمة بين المؤلف والجمهور لانتفاء الجانب الأدبى لهذا الإبداع الفنى.
وثانيهما ليس عيبا أن يهتم مسرح القطاع الخاص الكوميدي بالضحك والرقص والغناء ولكن العيب..؟
والقضية الثالثة تستطيح الوعى والإنقلاب به على نفسه لتمثل أقوى أسلحة الثورة المضادة.
والقضية الرابعة هى تحول الكاتب من السينما إلى المسرح، ومن يخاطب إذا؟
والقضية الخامسة هى أن أسماء المسرحيات الكوميدية خير دليل على ما وصل إليه حال المسرح المصرى الكوميدي المعاصر.
والقضية السادسة هى المصطلح الدارج "الجمهور عاوز كده".
وأخيرا؛ مسرحية "بالعربى الفصيح"، وموت آخر أمل فى استمرار إنصلاح أحوال المسرح الكوميدي المصرى المعاصر.
أولى هذه القضايا التى فجرها عقد التسعينات هى ظاهرة النصوص الكوميدية غير المطبوعة، إنتفاء العلاقة الحميمية بين المؤلف والجمهور، وتتبلور هذه الظاهرة فى وجود العديد من الأعمال المسرحية الكوميدية التى نشاهدها على خشبة المسرح الكوميدي ولا نجد لها أصولا أدبية ترقى إلى مستوى الأعمال الأبية المتعارف عليها" .
إن مؤلفى مثل هذه الأعمال يكتفون فقط بتقديمها كعروض مسرحية لا تمت بصلة وثيقة إلى مؤلفيها الأصليين، وهذا ما اعتقد أنه جانب هام من الجوانب التى تساعد على إفساد العلاقة الحميمة بين المؤلف المسرحى وجمهوره، نظرا لانتشار ظاهرة الأعمال المسرحية عديمة النسب- وأقصد عديمة الأصل الأدبى- التى تدور جميعها فى فلك الذاتية، مما يجعلها تقدم أعمالا مسرحية "لأنهم جمهوره- أى المؤلف-، فإنه يكون بذلك قد عزل عمله عن الجمهور، فإذا اجتر المؤلف همومه الخاصة وإحباطاته الشخصية دون أن يكون لها ارتباط بقضية عامة تستأهل إهتمام الجمهور، أو تناول قضايا لا تدور إلا فى رأسه، إستحق إنصراف الجمهور عنه" .
وما سبق يجعلنا نقترب من القضية الثانية التى تبلورت فى عقد التسعينات- وإن كانت قد تجلت من قبل- وأقصد بها اعتماد المسرح الكوميدي الخاص على الضحك والغناء والرقص، على أننى لا أرى فى هذا عيبا، ولكن "المُحزن أن تذهب كل هذه الطاقات فى التأليف والإخراج إلى عرض البحر بحثا عن الضحك واستجدائه من أفواه الناس" .
والناقد يقصد بكلامه السابق عرض مسرحية "جوز ولوز" التى تسعى سعيا حثيثا إلى ترويج الضحك والغناء والرقص دونما اهتمام بالتخريب والهدم والبور على عناصر العملية المسرحية الإبداعية، مما يقلل من إهتمام الجمهور بهذا الإبداع المقدم من قبل المؤلف، ويفسد بذلك هذه العلاقة الحميمة بين الجمهور، المستهلك الأول للعملية المسرحية، وبين المؤلف، إذ تأتى أحكامه- أى الجمهور- عادلة وغير متحيزة من الممكن أن تؤثر عليها، ولكن الأمر الصحيح أن أحكام الجمهور لها وزنها ولا تعرف التحزب.
إن النظرة الدقيقة المتفحصة لمسيرة الأعمال المسرحية الكوميدية على ساحة المسرح المصرى تؤكد لنا دون شك أن ظاهرة "تسطيح الوعى والإنقلاب به على نفسه لتمثل أقوى أسلحة الثورة المضادة، يبدأ الأمر باختيار موضوع يكون بؤرة الإهتمام العام، أو كما يقال "موضوع الساعة، وفى حالتنا فإن موضوع الساعة هو الإرهاب، ثم يعرض هذا الموضوع فى شكل مألوف ومقبول للجمهور، وفى حالتنا هذه فإن الشكل المطلوب والمألوف هو الكوميديا الهزلية الشديدة
Farce ، فإذا أضيفت إلى هذين العنصرين الموسيقى والغناء، وهم محبوبا كل البشر، ثم اختتم هذه العناصر الثلاثة بإخراج مبهر ونجوم لهم حضور وقبول لاكتملت أصول ومقومات هذا السلاح الفتاك الذى أسميناه: تسطيح الوعى تمهيدا للإنقلاب به على صاحبه بعد صرفه عن التفكير فى حقيقة المشكلة والبحث عن جذورها والعمل على إيجاد حل لها" .

إن القضية سالفة الذكر تفجرت على أيدى كتاب السينما الذين تحولوا إلى المسرح، والقضية التى تليها وهى تحول الكثير من كتاب السينما إلى المسرح هذا ما سوف نجده يتضح على ساحة المسرح المصرى الكوميدي فى التسعينات، وهذا ما لوحظ على عروض مسرحيات "عطية الإرهابية" لمؤلفها السينمائى "إبراهيم مسعود"، و"جوز ولوز" لمؤلفها السينمائى أيضا "محمود أبوز زيد".

لماذا؟
سؤال أطرحه وأبحث له عن الإجابة بين مؤلفى المسرح الكوميدى:
هل عجز مؤلفو مسرح القطاع العام والخاص الكوميدي عن تناول القضايا الحياتية حتى يتدخل مؤلفو السينما ليسهموا فى عرضها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تأتى كما يتوقع المرء، إذ أننى أرى أن خير إجابة على هذا السؤال تتبلور من خلال مشاهدتنا أو قراءتنا الدراسات النقدية لمسرحيتى "عطية الإرهابية" و"بالعربى الفصيح".
أما عن المسرحية الأولى التى كتبها مؤلف السينما "إبراهيم مسعود" الذى يشهد له "بحرفته التى اكتسبها من عمله بأفلام الجواسيس والمطاردات والمواقف الميلودرامية النافعة" .
وهذا ما تبلور من خلال صياغته الدرامية لمضمون هذه المسرحية التى جعلنا نفقد الكثير من الإهتمام تجاه هذه القضية الحيوية التى ظهرت على ساحة المجتمع المصرى.
وكما هو معلوم لدينا من خلال تتبع طبيعة العلاقة بين المؤلف المسرحى والجمهور ومدى تطورها إيجابا أو سلبا نجد أننا هنا أمام هذا المؤلف الذى أصر على طول الخط على تمييع هذه القضية- الأمر الذى أضر كثيرا بعقلية المشاهد واستقطبه- عن قصد- إلى مكان آمن هادئ لتسيطر عليه الضحكات العالية من جراء المواقف الكوميدية المتقنة التى تقدمها "سهير البابلى"، كل هذا سيجعلنا لا نسأل أنفسنا عن الأبعاد الحقيقية لهذه القضية، وهل هى ظاهرة حقيقية جديرة بأن تُطْرَح كمضامين مسرحية على ساحات المسرح المصرى، وإذا قبلناها فأى الوسائل والأساليب التى ترتضيها ليقدم من خلالها مضمون لعمل مسرحى، إن دل على شئ فإنما يدل على الأهمية المطلقة لهذه القضايا الحيوية، ولكننا نفاجأ بأن من يتصدى لهذه القضية هو نجم المطاردات البوليسية السينمائى "إبراهيم مسعود".
وإن أردنا الصدق فإننا نواجه على طول الخط بما يغيب وعينا- وقد كنا نعتقد أنها الجهات الرسمية- إذا ما استمرت ظاهرة السينمائيين المهيمنين على السينما والمسرح- وخاصة فئة المؤلف-، على أن البعض قد يرفض هذا التعميم ويرى فى بعض ممن كتب للمسرح والسينما مؤلفا قادرا على عرض القضايا الحياتية التى تهم المواطن المصرى والعربي، فى أسلوب يرقى إلى جعله منهجا صحيحا من المناهج التى نعتقد أنها تسعى إلى تصحيح بعض الأوضاع الخاطئة.

إن مسرحية "بالعربى الفصيح" للمؤلف المسرحى "لينين الرملى" تجعلنا عند قراءتها أو مشاهدتها أو قراءة الدراسات النقدية التى تصدت لها، نعيد التفكير فى الأحكام التى تصدر على مسرح القطاع الخاص الكوميدي، ذلك أننا نرى فى هذا العمل قولا للدكتور "محمد عنانى" ينطبق عليها ويحمله بقوله "تعتمد الكوميديا على النشاط الذهنى أكثر مما تعتمد على المشاعر، وهى تسعى دائما إلى تأكيد المسافة بين المتفرج وبين ما يرى على خشبة المسرح، بحيث لا يميل فى أى لحظة إلى الإندماج الشعورى فيما يراه، وبحيث تتأكد له غيرة الغير، أى إختلاف هؤلاء الأشخاص عنهم وعدم تطابقهم مع حياته، وبحيث يستطيع أن يسعد بتصور أن هذا لا يحدث له هو ولايمكن أن يحدث.
فالمتفرج الذى يشهد غنيا بخيلا يعد الدراهم بحرض شديد ويكتفى من الطعام بكثرة خبز وذرات من الملح، لا يمكمن أن يوجد فى خياله (حتى ولو كان بخيلا هو نفسه!!) ولكنه سوف يهنأ بتصور أن هذا شخص مختلف عنه تماما وبأنه لا يمكن أن ينحدر إلى مثل هذا البخل فى حياته، وينطبق هذا على سائر ألوان الكوميديا، سواء تلك التى تسخر من "تركيبة إجتماعية معينة أم أشخاص إلخ" .

إن تطبيق هذا القول السابق على مسرحية "بالعربى الفصيح" يأتى قريبا جدا منها، إذ أنها كوميدية تعتمد فى المقام الأول على تحريك الذهن، ولا تكتفى بذلك، بل إنها تجعلنا دائما فى حالة من اليقظة العقلية، بحيث أن الضحك لا يميت القلوب ويخدر العقول، بل إنه ضحك مرير يقترب بالعمل من الكوميديا السوداء.
إن "لينين الرملى" يتعرض لقضية هامة تخص الواقع العربى الراهن- ويقصد هنا الواقع العربى فى أعقاب حرب الخليج- حيث يجتمع وزراء الإعلام ويقررون فى نهاية إجتماعهم التوصية بإنشاء قناة فضائية عربية لتعرفنا بأخبار الطلبة العرب المقيمين فى الغرب للدراسة، ويختار المؤلف "لندن" كمقر لهذه المحطة الفضائية، وتدور الأحداث هناك لتطلعنا على نماذج من الطلبة العرب من كافة الأقطار العربية وكيف يتعاملون ويتصرفون خارج أرضهم، وقد جاء إختيار الكاتب للمكان موفقا لعاملين:
الأول:
عنصر الحياد، وهو ما يتيح له الإنطلاق دونما اعتبار لآية توازنات قد تؤخذ عليه إن إختار مدينة عريبة.
والثانى:
إن لندن تعد بؤرة من بؤر الصراع الحضارى بين العرب وأوروبا .
ويسعى المؤلف من خلال تقديم كافة العناصر الممثلة لمعظم الأقطار العربية إلى طرح القضية العربية التى نجتمع عليها جميعا، إلا أننا رغم ذلك لا ننشغل بها- وأقصد بها قضية "فلسطين"، إذ أن المؤلف ضمن موضوع مسرحيته اختفاء الشاب الفلسطينى وانشغال الجميع عنه فى أسلوب يؤكد فساد المُناخ العربى وعدم يقظة العرب، بل قل إن يقظتهم تخص شئونهم، بل أصل إلى التعبير الدقيق إنهم لا يشغلون بأى شئ إلا التوافه من الأمور، وهذا ما يؤكده لنا المؤلف حينما سُرِقَ الطلبة العرب فى إحدى الحفلات التنكرية ويصر الجميع على عدم التبليغ خشية ألا يشمت فيه الآخر.

وهكذا سعى المؤلف إلى الإرتباط الحميم بأرض الواقع من خلال هذه المسرحية التى أكدت فقدان التواصل بين أبناء الأمة العربية وضياع الهم الجماعى فى أسلوب كوميدى نجح فى تعريتنا جميعا، وهو ما يقرب المسرحية من الكوميديا السوداء
Dark Comedy "التى تصور مفارقات الحياة وتناقداتها التى تحدث لأناس عاديين ليسوا أبطالا بالمعنى التقليدي، كما أن موضوع المعالجة يبدو أحيانا واقعيا فى شكل متهجم وكالح، وأحيانا أخرى يكاد يقترب من عالم الخيال البحت.
كل ذلك فى أسلوب ساخر متهكم، وهو عمل يحققه الكثير مما أشار إليه الناقد "جيه.إل.ستيان" فى حمل المتفرج على المعاناة دون أن تفرج عنه الدموع، وحمله على السخرية دون أن يفرج عنه الضحك،- السخرية عامل متحكم فى إدارة الأحداث-، البطل ملهوى ولكنه يثير الإشفاق- القتامة واليأس هما الطابع العام- التعليمية" .
القضية الخامسة فى القضايا السبع التى أشير إليها- فى حدود ضيقة- هى قضية أسماء المسرحيات، هو خير دليل على ما وصل إليه حال المسرح المصرى الكوميدي المعاصر بشقيه- العام والخاص- تلك حقيقة مؤداها أن المسرح المصرى المعاصر والكوميدي، على وجه الخصوص، يتجه فى سرعة فائقة نحو نهضة مسرحية شعارها نهاية العلاقة الحميمة والمحترمة التى نشأت منذ آلاف السنين والتى دفعت الكثير من كتاب المسرح الدرامي والكوميدي إلى ضرورة إعادة النظر فيما يعرض على الجمهور من أجل محاولة إرضائه، ولم تكن تتم هذه العملية على حساب الإبداع الفنى ولكن يحرص المؤلف المسرحى على دفع العملية المسرحية قدما إلى الأمام، مع حرصه الأكيد على أن يتواصل مع جمهوره المسرحى عن طريق الالتقاء والإلتحام مع قضايا هذا المجتمع.
إن كنا على يقين من ذلك فما الذى يحدث على ساحة المسرح المصرى الكوميدي المعاصر من ظاهرة إنتشار مسميات لعناوين المسرحيات مثل "الدبابير"- "العسكرى الأخضر"- "حمرى جمرى"- "جوز ولوز"- "غلط
Xغلط"- "كنت فين يا على"- "بحبك يا مجرم"- "عطية الإرهابية"- "سحلب"- "سعدون المجنون"- "الزواج تأديب وتهذيب"- "تحت البرنيطة قرد"- "التوهان"- "الواد سيد الشغال".
هذه هى بعض الأعمال المسرحية الكوميدية التى ملأت صفحات الجرائد والشوارع التليفزيون وهى تحمل الكثير من التوجهات الفكرية التى يهبط إليها مسرح القطاع الخاص والكوميدي، بل يشاركه مسرح الدولة الكوميدي.

إن دل هذا على شئ فإنما يدل على الحالة المتردية التى وصلت إليها الحالة الإلتقائية بين المؤلف المسرحي وجمهوره، ولا أعتقد أن ما يبدع هذه الأعمال بما تحمل من عناوين على يقين بما وصلت إليه أذواق الجماهير، بعد أن أفرز هؤلاء هذا السيل الذى جعل الكثير من مرتادى المسرح، يقنعون بأن هذا هو أفضل ما يمكن أن يمثل التطور الفنى والفكرى للكوميديا، كوعاء يقوم بوظيفة حساسة ونافذة، ألا وهى تصحيح الأخطاء بعد تبيان جوانب السقوط الخطأ من أجل الوصول إلى الصحيح الذى يقربنا من تصحيح الكثير من جوانب الحياة التى نحياها.
على أننى كثيرا ما أرى وأقرأ هذا المصطلح الجديد- الجمهور عاوز كده- الذى أصبح يردد من قبل الممثلين والمخرجين والفنيين، بل ومن بعض النقاد والمؤلفين، مما يبشر بانتهاء وظيفة الكوميديا كما عهدناها منذ مسرح "أرستوفانيس"، ذلك أن جمهورنا المسرحى يحب الضحك، قد تعود عليه، ولهذا يسعى إليه بكافة السبل، لأنه هو الجمهور الذى أضحكه من قبل "إسماعيل يس" و"على الكسار" و"نجيب الريحانى" و"عادل خيرى" وغيرهم هم الذين شاهدوا مسرح العشرينات والثلاثينات والأربعينات الكوميدي يوجه نحو تصحيح الأوضاع.
ووقتها كان الجمهور "عاوز كده"، لأنه يسعى، ومعه المؤلف والفنيون وكافة المشتركين فى العملية المسرحية، من أجل محاربة الفساد، ففى النصف الأول من القرن العشرين كان يبيع الفلاح المصرى محصول القطن ثم يهبط إلى العاصمة لكى يتمتع ببريق المدينة، أو يدخر العامل الذى يعمل فى معسكر الإحتلال أجره المرتفع ثم يذهب به إلى مسارح روض الفرج أو عماد الدين.
لكن فنان الأمس كان يختلف عن فنان اليوم، فقد هبً فنانونا فى الأمس يلهبون ظهور أفراد الفئات القاصرة بتلميحاتهم أثناء التمثيل وابتكار الموضوعات التى تعالج مشاكلهم، ونشر الأغانى التى تستهزئ بهم وتتهكم منهم، ورحم الله "نجيب الريحانى" و"على الكسار" وغيرهما، كانوا فنانين محترفين ينشرون البسمات على شفاة هؤلاء الأفراد النازحين إلى العاصمة، يبعثون البهجة فى صدورهم دون إسفاف، يضحكونهم عن طريق تصوير مواقف كوميدية راقية" .

وما سبق يؤكد دون شك أن جمهور المسرح قد ظُلم فى هذه الأيام، حينما ينسب إليه هذا المصطلح "الجمهور عاوز كده"، ذلك أننا إذا ما تعرفنا على نوعية الأعمال المسرحية التى تقدم تحت ستار هذا المصطلح نجد أنها لم تحقق ما حققته أهداف الكوميديا أيام "على الكسار" و"نجيب الريحانى" وغيرهم، وأقصد كتابنا المسرحيين اليوم يسعون إلى تقديم أعمال مسرحية مثل: "حمرى جمرى"- "الغجر والجدع"- "الأنون وسيادته"- "عباس فى الباى باى"- "عبده يتحدى رامبو"- "بوم شيكا بوم"- "أو كباريه 90"- "سلامه سلم نفسك"- "ولاد ريا وسكينه"- "العالمة باشا"- "روحية اتخطفت"- "الباراشوت"- على سبيل المثال لا الحصر- إذا ما تصفحنا إحدى هذه المسرحيات، إن وجد لها نص أصلا، أو شاهدناها أو قرأنا دراسة نقدية لها فى إحدى المجلات أو الصحف اليومية، فإننا سنقتنع سريعا بأن هذا المصطلح ملفق ولا يحمل فى طياته قدرا من الصحة، فمثلا مسرحية "عباس فى الباى باى" التى عرضت فى الكويت والتى أخرجها "مصطفى الدمرداش"، ولا أعلم من هو مؤلفها، هل حقيقة تقدم هذه المسرحية ما يحتاجه الجمهور.
إذا كان الأمر كذلك، فلماذا رفضت هذه المسرحية حينما عرضت فى الكويت من قبل جمهور الكويت، إذ وجدنا الأستاذ الجامعى الذى جاء لمشاهدة هذه المسرحية "يخرج من المسرح يتعسر فى خطاه من الإرتباك والخجل، وقدمت الصحافة الكويتية كاريكاتيرا فى ربع صفحة عن "الهيافة" التى وجدوها فى قصة فى السوق فاستوردوها، وكاركاتيرا آخر عن مسرحيات التفاهة والتخلف العقلى والنصب، وكتب الناقد "عبد الستار ناجى" عن المسرحية يقول:
"إنها شئ من الإسترزاق والرُخص والكلمات النابية، لا بل هى الكلمات النابية بعينها، والإشارات الجنسية الرخيصة، والقلة التى جاءت للمشاهدة إستاءت ولعنت الساعة التى حضرت بها مثل هذا المسخ الفنى" .
هكذا نقترب من تراجع صيحات المرددين لمصطلح "الجمهور عاوز كده"، إذا ما عرضنا لبعض ما أثير حول عرض مسرحية "حمرى جمرى" لمؤلفها السينمائى "محمود أبو زيد"، الذى ينتحل وظيفة المؤلف المسرحى ولكنه يسهم بقلمه فى القضاء على وظيفة الكوميديا، ومن ثم يسعى سعيا متخقيا من أجل ترويج النموذج السئ للمواطن المصرى، ومما يؤكد سعادته بهذا النموذج وتأكيده لمشواره أنه يتحفنا بسياسة الإحتيال والفهلوة والنصب ويمجدها من خلال هذا العرض الذى اعتقد مؤلفه أنه لن يستطيع أن يفعل ما فعله "الكسار" و"الريحانى" من قبل- فى تناولهم الجاد- للفلاح الذى باع قطنه وأتى من أجل اللهو، ويساعدونه من أجل أن يفيق بعض أن ضحكنا معه وعليه، ليؤكد حقيقة أن مؤدة هذا المصطلح "الجمهور عاوز كده" من الممكن أن تتحقق عند هؤلاء الكتاب- أمثال "على الكسار" و"الريحانى"- ولكنها لا تتحقق عند كُتًاب الكوميديا اليوم.

إن مسرحية "حمرى جمرى" وكما تقول "عبلة الروينى": "هى أيضا نصب سريع وفن حمرى جمرى. فما يقدم على المسرح ليس أكثر من فرصة لافتتاح كباريه على المسرح.. فطوال المسرحية ترقص "ميمى جمال" بملابس فاضحة وبصورة غير مقبولة حتى فى الكباريهات درجة عشرة ولأن "حسن الأسمر" هو بطل المسرحية ورقتها التجارية الرابحة فقد أصطحب فرقته الموسيقية ليواصل وصلات الغناء ووصلات الرقص ينافس فنانوا العرض فى الخروج اللفظى والنكات والعبارات الغريبة بلا معنى سوى لفت الأنظار إلى لاشئ" .

ولن أطيل فى إثبات خطأ هذا الفرضية التى يعتقد البعض أنها هى السمة المميزة لجمهور المسرح المصرى الكوميدي، وأؤكد بناء على ما سبق إذا كان شعب الكويت رفض مشاهدة مسرحية ((لنا)) وقامت الدنيا واتهمت بأنها مسببة لكثير من نواحى الهدم والإساءة إلى مجتمع الكويت، إذا كان الأمر كذلك، فهل حقيقة يقبل جمهورنا المسرحى ما قدم له؟ لا أعتقد ذلك، ولهذا، نجد أن مصطلح "الجمهور عاوز كده" قد أثبت بُطلانه، وهو ما يشاركنى فيه "هشام السلاموني" فى تحديد دور الجمهور فيما يحدث فى مسرح القطاع الخاص.

بقوله:
"إن الجمهور لا يريد هذا.. ولقد سمعت بأذنى- التى سيأكلها النجوم والمنتجون- الجمهور فى الإستراحات بين الفصول ينتقد ما يحدث على المسرح- بالطبع بعد أن شبع ضحكا عليه.. ومنه.. والجمهور يريد أن يقضى سهرة جميلة... يريد أن يضحك. وللضحك أساليب كثيرة.. ليس يستجيب منها بالطبع يشتم الممثلين بعضهم البعض بالأب والأم.. والنكات الجنسية التى من فرط وضوحها.. مقززة" .

المؤلف الكوميدى وإنهيار تكنيك المسرحية الكوميدية
يقول "روجرم.بسفيلد" (الابن): "على الكُتًاب المسرحيين أن يلاحظوا جماهيرهم عن كثب وأن يتعلموا من تلك الملاحظة كيف يكتبون التمثيليات التى تستجيب لها تلك الجماهير استجابة طيبة محببة، وأى المواقف والشخصيات يكون لها أعظم الأثر فى نفوسنا" 

ذلك أننا إذا نظرنا إلى المسرح المصري الكوميدي فى أعقاب إنتصار 1973، ومع تحسن العلاقات السياسية المصرية- العربية، ومع قدوم أبناء الدولة العربية للسياحة، بحثوا- بعد أن ملكوا كل المتع الحسية- فوجدوا المسرح واستطاعوا- متفقين فى الغاية وبمساعدة إمكاناتهم المادية- أن يفرضوا ذوقهم الخاص، وبالتالى استجاب لهم كتاب مسرحنا المصرى الكوميدى- القطاع الخاص بشكل واضح- ولبوا طلباتهم، ومن هنا نستطيع القول إن المسرح الكوميدى الخاص سخر لخدمة ذوق ومزاج هذه الطبقة الجديدة من الجمهور.

من ناحية أخرى، أصبحت الأعمال المسرحية تكتب وتمثل وتخرج بعيدا عن قواعد الكوميديا المتعارف عليها، علميا وفنيا، الأمر الذى أدى إلى تقلص دور المؤلف وقلة أهميته، وأصبح للمسرحية تكنيك جديد يضمن رضاء الجمهور، مع الإهتمام بفكرة النجم الأوحد الكوميدي، يحيط به عدد من المساعدين، بالإضافة إلى الاعتماد على الاستعراضات الراقصة والنكات التى تدل وتؤكد للجميع أن المسرح إنما هو منبر حُر لممارسة الحرية السياسية، ولا نستطيع أن ننكر هنا ما يتعرض له ذوق الجمهور- قد يكون قلة من المثقفين وأكثرية من أبناء الطبقات الجديدة- من تشويه وضياع معالم المجتمع أمام استخدام الممثلين للإشارات الجنسية والتلميحات الرخيصة والألفاظ يبتهج لها حينما تبدأ بالسباب.
وفى هذا الصدد يضيف "سعيد حسنين"- مؤلف مسرحى- "إنه إذا كنا نطبق المقولة التى تقول إن المسرح هو المرآة التى تعكس قضايا واهتمامات وفكر المجتمع على ما وصل إليه حال المسرح المصرى من اهتزاز للوسط وتعرية للسيقان وما فوق السيقان وتصبح الصورة قاتمة وهزلية! أو ما يطلق عليه بلغة الفن.. كوميديا سوداء! فهل ما نراه الآن على" خشبة المسرح المصرى يعكس حقا تحولات اجتماعية حدثت بالفعل فى مصر" .

وما سبق وأشار إليه "سعيد حسنين" أمر أصبح يسيطر على كثير من عروض مسرح القطاع الخاص- بل العام أيضا-، وهو بحاجة إلى وقفة للتعرف على المرحلة التى وصلت إليها طبيعة العلاقة بين المؤلف المسرحى وجمهوره، والتى أثرت دون شك على جانب هام وملمح خطير فى بنية العمل المسرحى الكوميدي، ألا وهو انهيار تكنيك المسرحية الكوميدية كما تمثل فى العديد من أعمال مسرح القطاع الخاص وكما يتجلى فى عروض السبعينات والثمانينات وتكثر بشكل واضح فى عروض التسعينات.
وندلل على هذه الظاهرة بمثلين لا أكثر- على سبيل الاستشهاد لا الحصر- أولهما عرض مسرحية "إزاى الصحة" لمؤلفه "أحمد عفيفى" ومخرجه "جلال عبد القادر"، تلك المسرحية التى سعى المؤلف من خلالها إلى طرح قضية الانفتاح الاقتصادى بما لها وما عليها، وأمام ذلك لجأ المؤلف إلى "التخلى عن التطور المنطقى للحدث ليفاجئنا دون اعتبار لأى منطق بعيادة الدكتور هندى الانفتاحية- التى اشتراها من صديقه الدكتور شفيق الذى باعها بعد أن ضاقت خطيبته بالريف وتصر على أن تعيش فى القاهرة- ولكن هذه القفزة المفاجئة التى يلجأ إليها دون احترام لعقليتنا كمشاهدين تجعلنا نفقد اقتناعنا بالحدث ومن ثم اهتمامنا به" .
إن هذا المثل يقدم لنا نموذجا لما يعانى منه التأليف المسرحى الكوميدي فى مصر من عيوب، إذ يركز المؤلف هدفه الإقدام على معالجة قضية خطيرة من القضايا الملحة، إلا أنه أمام إصراره- حسبما يعتقد- على إرضاء الجمهور، يجنح كثيرا إلى التنازل عن معايير العمل الفنية والتنقل بين جنبات المسرحية دونما تمهيد أو منطقية، مما يفقد العمل بنيته الدرامية المتعارف عليها، ويؤدى به هذا لانهيار تكنيك مسرحية، وهذا ما حدث معه حينما يحاول عبثا أن يفجر الضحك فى الفصل الثانى- مشهد انتحال العمدة شخصية الدكتور هندى- وينسى القضية الأساسية، ثم يتذكر أنه قد أشبع الجمهور ضحكا فيعود إلى مناقشة الأمور بأسلوب جادى، وهذا ما يجعل البناء الفنى لمثل هذه الأعمال ضعيفا إلى حد التلاشى.
أما عن المثال الثانى، فهى مسرحية "تتجوزينى يا عسل" لـ"إبراهيم الموجى"- السينارست- إخراج "جلال الشرقاوى"، تلك المسرحية التى تعالج قضية الإنجاب والزواج والرغبة فى طفل، وما يحدث فى الأسر الغنية عندما يُكتشف أن الزوجة لا تنجب وأنهم حريصون حرصا شديدا على الإنجاب، وتبحث الأسرة وكذلك الزوجة عن زوجة تنجب طفلا نظير مبلغ من المال، إلا أنها ترفض وتفضل طفلها، هذه الثيمة الاجتماعية الكوميدية مجدية وتتلامس مع قضايا المجتمع، إلا أن المؤلف أصر إصرارا تاما على تضييع ملامح قضيته، عن طريق حشر الكثير من النكات الجنسية الفاضحة.
من ناحية أخرى فإن "ضعف تركيب الشخصيات تركيبا دراميا صحيحا، كشخصية الخطيب شفيق خطيب الزوجة الجديدة "محمود الجندى"، وعدم رسمها بشكل مقنع وهى شخصية رئيسية، وكذلك (حشر) شخصية والد الزوجة الأولى "سيد عبد الكريم" المرشح للوزارة من أجل _(حشر) كم هائل من نقد الحكومة ورجالها من باب خداع المتفرج بأن المسرحية جريئة وتحمل نقدا سياسيا جزئيا أيضا أضعف البناء الدرامى للمسرحية وأدخل أحداثا فرعية كثيرة لا تخدم الحدث الرئيسى" .

هذه الظاهرة التى استشرت فى المسرح الكوميدي بشقيه، قد أثرت دون شك على طبيعة العلاقة بين المؤلف والجمهور، إذ تنازل المؤلف عن حقوقه الشرعية فى المحافظة على الكلمة وقدسيتها، وترك العنان كاملا للمثل والمخرج فى التلاعب بالمساحات الفارغة من النص المسرحى التى تمكنهم كثيرا من الخروج عن المألوف والمتعارف عليه تحت مسميات كثيرة، منها ما اصطلح على استخدامه- من باب الخطأ- الارتجال..
وكما سبق أن ذكرنا أن الارتجال شديد الارتباط بالكوميديا الشعبية المعتمدة على خلق النص الجماعى والتى تسمح- وحيثما ذكر "على الراعى" فى كتابة الكوميديا المرتجلة فى المسرح المصرى- للممثل بأن يضيف الحركة أو النكتة أو الإيحاءة، شريطة أن تجتذب هذه جميعا ضحك الجمهور وحيث النص يطوع بين يديه ليلة وأخرى ليكون أقرب إلى مهوم الجمهور من النص الذى قدم فى الليالى الأولى للمسريحة، ونجد المسرح الإرتجالى الشعبى بصورة أوضح فيما تقدمه فرقة "الفنانين المتحدين" من عروض" .

على أننى كنت أوافق د. "على الراعى" فى تفضيله للمسرح الكوميدى الارتجالى الشعبى، إلا أننى لا أراه اليوم مناسبا، وخاصة فى ظل سعى المسرح الكوميدي إلى تحقيق الالتصاق بأى السبل، حتى ولو كان الخروج عن الآداب العامة هو السبيل لاستدرار ضحك الجمهور، وهذا ما تحدث عنه "أحمد عبد الحميد" فى مجلة المسرح بصدد محاكمة "سعيد صالح" بخروجه عن الآداب العامة، لابخروجه عن النص. وهنا لا نرى أننا فى تأييد خروج الممثل عن النص، إننا نحافظ على تقليد المسرح المصرى الكوميدي، إذا كان سبيلها هو الإساءة والتجريح، أما إذا ما احترم الممثل الآداب العامة فليس من جور أن يحقق مشروعية المسرح الإرتجالى الشعبى الكوميدي، وهنا لا تفسد العلاقة الأزلية الحميمية بين المؤلف والجمهور.
إن ما قدمه الكثير من كُتًاب المسرح النظامى الكوميدي فى المسرح المصرى لخير دليل على أن قدسيته العلاقة بين المؤلف والجمهور من الممكن أن تحقق وتستمر ولا يوقف مسيرتها تطور بنية المجتمع المصرى فى أعقاب الإنفتاح الإقتصادى، بل هى قادرة على الاستمرار، ولنا هنا الكثير من الأمثلة التى نستشهد بها منها على سبيل المثال- لا الحصر- مسرحية "سكة السلامة" لـ"سعد الدين وهبه"- و"المجاذيب" لـ"محمد عنانى"- و"عفريت لكل مواطن" لـ"لينين الرملى"- "فوت علينا بكره" لـ"محمد سلماوى"

 

 

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,011,326