لعبت الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية – اسم الإذاعة المصرية عند إنشائها- دوراً جوهرياً في رعاية الموسيقى والغناء منذ افتتاحها في 31/5/1934.

  والجدير بالذكر انه قبل افتتاح الإذاعة الرسمية كان هناك عدد من محطات الإذاعة الخاصة في القاهرة والإسكندرية , ففي القاهرة كانت هناك محطات " فؤاد- فاروق- فيولا- سابو – وادي الملوك- رمسيس- مصر الجديدة- صايغ- مصر الملكية" وفي الإسكندرية كانت هناك محطات" ماجستيك- فريد- راديو فويس- راديو نافيرا" ولكن المحطات الأهلية سرعان ما خرجت عن الهدف من إنشائها وهو إذاعة الموسيقى والغناء وتقديم ما يفيد المستمعين, وتحولت تلك الإذاعات إلى منابر للإعلانات, ومع حدوث الفوضى فيما كان يذاع في تلك الإذاعات الأهلية من تداخلات وتجاوزات للأوقات التي حددتها الحكومة , وشكوى الأباء والسلطات التعليمية والمساجد, كان لزاما على الحكومة آنذاك أن تتحرك وتضع حداً لتلك التجاوزات, وفي 21/7/1932 قرر مجلس الوزراء المصري إنشاء الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية, ويف عام 1933 أعلنت الإذاعة عن حاجتها إلى مذيعين حاصلين على مؤهلات جامعية, فتقدم للإذاعة حوالي ألفين من خريجي الجامعة.

   وفيما يتعلق بالموسيقى فوقع الأختيار على الفنان مدحت عاصم ليكون أول مدير للموسقى بالإذاعة بعد التشاور مع معهد الموسيقى الشرقي آنذاك. وأنشأت الإذاعة فرقة موسيقية أسمتها" فرقة الراديو الشرقية. وتولى قيادتها الموسيقى المعروف عزيز صادق. وفي البداية كانت تعزف مرة كل أسبوع. وشيئا فشيئا تكون العديد من الفرق الموسيقية الأخرى, وطهر العزف المنفرد وكذلك المجموعات الصغيرة من العازفين في تكوينات "الرباعي والخماسي", وأصبح للموسيقى وجود دائم على خريطة البرامج, ولم يعد الغناء وحده هو المحتكر للبرامج الموسيقية الترويجية.

  أظهر العديد من الفرق الموسيقية مختلف الألوان, وعرفت بأسماء اصحابها, ومن تلك الفرق نذكر فرق :" عبد العزيز محمد- محمد حسن الشجاعي- حسين جنيد- علي فراج- عطية شرارة- عبد الحليم على- محمود وعبد الحميد عبد الرحمن", كما انشأت الإذاعة أوركسترا سيمفوني ضخما تولى قيادته مؤلف الموسيقى التشيكوسلوفاكي الأصل جوزيف هوتيل. وكان ذلك الأوركسترا يتكون من العازفين الأجانب المستوطنين وخاصة من الجالية الإيطالية في مصر, وكان الأوركسترا يقدم حفلات أسبوعية, كان يترقبها الجمهور. وكذلك انشأت الإذاعة المصرية فرقة لموسيقى الجاز وتولى قيادتها المايسترو بارساميانتز, وهو أيضا من الجاليات الأجنبية التي كانت مستوطنة في مصر, وكان مستمعو البرنامج الأوروبي يتابعون عزفه باهتمام كبير.

  كانت دار أوبرا القاهرة " القديمة" تستقبل كل عام فرقا مسرحية وأوبرالية في مواسم معينة من مراكز الثقافة العالمية الكبرى, وكانت عروض تلك الفرق بحكم عقودها مع الحكومة, ممثلة في دار أوبرا القاهرة "القديمة" تنص على حق الإذاعة المصرية في إذاعة عروضها في مصر. فكانت برامج الإذاعة تتضمن أوبرات فرقة أوبرا لاسكالا دي ميلانو الايطالية الشهيرة, وقام اثنان من كبار قادة الأوركسترا في العالم في ذلك الوقت, بقيادة فرقتيهما في مصر, وهما قائد الأوركسترا الإيطالي أرتورو توسكانيني "1867-1957", وقائد الأوركسترا الألماني فورت فنجلر " 1886- 1954" ونقلت الإذاعة لجمهورها حفلاتهما الباهرة, وكذلك نقلت الفنون الغنائية والدرامية للفرق الأمريكية الزائرة.

  استعانت الإذاعة المصرية منذ بدايتها بكبار المطربين والمطربات المصريين, وفي حفل افتتاحها يوم "31/5/1934" عزفت الموسيقى من الفرقة الشرقية, ثم قدم فاصل غنائي من الآنسة أم كلثوم وتختها, وقدم عزف منفرد من كل من مدحت عاصم "بيانو" وسامي الشوا " كمان" وقدم فاصل غنائي من الأستاذ صالح عبد الحي وتخته, وبعد الاستراحة اختتم الحفل بفاصل موسيقي من الأستاذ محمد عبد الوهاب وتخته.

وهكذا نجد أن الموسيقى والغناء المصري كان لهما نصيب الأسد في حفل الافتتاح, واستمر اهتمام المسئولين بالإذاعة المصرية بالموسيقى والغناء, فغنت " أم كلثوم" من مختارات الإذاعة كما غني فيها كل من " صالح عبد الحي, واسمهان, وعبد الغني السيد" وآخرون.

كانت فكرة مختارات الإذاعة فكرة أدت إلى رفع مستوى الغناء, حيث كان المطربون والمطربات قبل الإذاعة يغنون كلاما فيه إسفاف كبير, وكانت الإذاعة في تلك المختارات تدفع أجر تلحين وتأليف الكلمات.

  تعاقدت الحكومة المصرية مع شركة ماركوني لتكون وكيلة لها في إدارة الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية وانشاء برامجها. وفي عام 1947 انهت الحكومة المصرية عقد شركة ماركوني وانتقلت الإدارة إلى الحكومة.

  ادخلت الإذاعة المصرية لأول مرة "الصور الغنائية" وهو شكل فني ابتكره المسئولون في الإذاعة المصرية, بعد أن أثرت الأزمة الاقتصادية العالمية, من بين ما أثرت على عروض المسرح الغنائي, وظهور الأفلام الغنائية وازدهارها. وأسندوا مهمة تلحين تلك الصور الغنائية إلى كبار الملحنين المصريين ,وشارك في تقديمها كبار المطربين والمطربات. ومن الملحنين الذين لحنوا صوراً غنائية بالإذاعة المصرية نذكر "محمود الشريف –أحمد صدقي- عزت الجاهلي- عبد العظيم محمد- عبد العظيم عبد الحق- عطية شرارة – حسين جنيد- عبد الحليم علي- علي إسماعيل- علي فراج- محمود كامل- محمد الموجي- كمال الطويل- سيد إسماعيل- سيد مصطفى –سيد مكاوي".

  ومن الصور الغنائية الإذاعية التي حققت شهرة لدي المستمعين نذكر "قسم- الرعي الأسمر –عذراء الربيع" تلحين محمود الشريف, و" خوفو- علي بابا والأربعين حرامي" تلحين عبد الحليم علي, و" الدندرمة- مدينة الملاهي- شارع الغورية" تلحين عزت الجاهلي, و" العؤروس والملاح- رمان الجناين" تلحين محمد الموجي, و"عواد" تلحين كمال الطويل, و" ابن عروس- نزهة" تلحين سيد مصطفى, و"الليلة الكبيرة- سهرة في الحسين"تلحين سيد مكاوي, و"العقدة انحلت- من أحيائنا الشعبية" تلحين سيد إسماعيل.

  واصل المسئولون في الإذاعة المصرية رعاية الراهب الموسيقية الشابة "آنذاك" سواء في مجال التلحين أو التأليف الموسيقى أو الغناء أو العزف. فوجود أوركسترا الإذاعة المصرية الذي أنشئ عام 1951 ساعد العديد من المؤلفين الموسيقيين المصريين الشبان على تسجيل أعمالهم ثم إذاعتها ودفع الأجور عنها.

وفي الفترة ما بين عام "953- 1963" كان المشرف على الموسيقى والغناء بالإذاعة المصرية المؤلف الموسيقي المصري محمد حسن شجاعي "1903- 1963" والعالم الموسيقي الكبير الأستاذ أحمد المصري "1920- 2000" وفي تلك الفترة تم تسجيل الكثير من الأعمال لمؤلفي الموسيقى المصريين ومن هؤلاء نذكر " إبراهيم حجاج- فؤاد الظاهري- عطية شرارة- عبد الحليم نويرة- حسين جنيد – علي إسماعيل- رفعت جرانة".

  والمؤلفات الموسيقية التي سجلها أوركسترا الإذاعة المصرية للمؤلفين المصريين تحتفظ بها الإذاعة المصرية في مكتبتها العامرة.

  وفي عام 1959 تم نقل أوركسترا الإذاعة المصرية إلى دار اوبرا القاهرة " القديمة" واطلق عليه " أوركسترا القاهرة السيمفوني", وظل الأوركسترا عدة سنوات يقدم المؤلفات الموسيقية المصرية, ثم قل الأهتمام بتقديم المؤلفات المصرية, حتى عاد الاهتمام بها مؤخرا من خلال حفلات مهرجان " اتجاهات عربية" الذي تقدمه دار الأوبرا المصرية عبر سبع دورات حتى الآن.

  وفيما يتعلق بفن الغناء فقد كانت الإذاعة المصرية هي الحصن الحصين الذي راعى الغناء المصري  لسنوات طويلة, فقد كان في الإذاعة لجنة للشعر تضم كبار الشعراء أمثال " أحمد رامي- صالح جودت- محمود حسن إسماعيل" لفحص النصوص التي تقدم لها وتحدد مدى صلاحيتها للتلحين والغناء أم لا؟

  فإذا أجازت اللجنة أحد النصوص يعهد به إلى ملحن معتمد من اللجنة الموسيقية المختصة, ثم يغنيه مطرب أو مطربة معتمد من نفس اللجنة, وبعد تسجيل اللحن تستمع إليه اللجنة الموسيقية لتحدد مدى صلاحيته للإذاعة على المستمعين, فإذا وافقت اللجنة عليه أذيع وخرج للنور, واستمع إليه الجمهور.

  كانت هذه التقاليد المرعية في الإذاعة المصرية لسنوات طويلة فيما يتعلق بالموسيقى والغناء, وكان هذا سببا مباشرا في ظهور أجيال من الملحنين الموهوبين وكذلك من المطربين والمطربات والعازفين, وكان طبيعيا أن يزدهر فن الغناء من خلال الإذاعة المصرية.

  كان المطربات في الماضي يجوبون المدن والقرى والنجوع في مصر حتى يعرفهم الجمهور, ولكن مع ظهور الإذاعة المصرية صارت الشهرة تتحقق بأقل جهد.

  كان لنقل الإذاعة المصرية الحفلات الشهرية لكوكب الشرق " أم كلثوم" اثره الكبير على المستمعين.

وهناك جانب آخر ساهمت به الإذاعة المصرية بشكل فعال في نشر الوعي الموسيقي بين جماهير المستمعين, وهو تقديم البرامج الموسيقية, التي نذكر منها على سبيل المثال برامج: " صور وشخصيات موسيقية- ألحان من الشرق- ألحان من الغرب- ألحان الحرية- روائع النغم- سؤال موسيقى" التي كان يكتب مادتها العلمية الأستاذ أحمد المصري, وكان المؤرخ الموسيقى الراحل محمود كامل "1917-2000" يكتب المادة العلمية لبرنامج "ألحان زمان" بإذاعة البرنامج العام منذ سنوات طويلة, وتقدمه حتى الآن الإذاعة القديرة السيدة "هالة الحديدي".

 ويقدم الموسيقى القدير عمار الشريعي برنامجه الشهير "غواص في بحر النغم". وتقدم السيدة نازلي الدسوقي برنامج "أوتار موسيقية" الذي يكتب مدته العلمية كاتب هذه الكلمات. وكانت إذاعة "صوت العرب" تقدم برامج "ألحان من الشرق والغرب مع الموسيقى العالمية- عالم الموسيقى", وتقدم حاليا برنامج "سهرة مع الألحان". كما أن البرنامج الموسيقى تقدم حاليا عددا من البرامج الموسيقية المهمة, بالإضافة إلى تقديمها الأنواع الموسيقية المختلفة في برنامجها اليومي وكانت إذاعة البرنامج الثقافي- الثاني سابقا- تقدم عددا من البرنامج الموسيقية منها "مع الموسيقى- شرح وتحليل للدكتور حسين فوزي- مع الموسيقى العالمية- إيقاعات ونغمات- سهرة مع الموسيقى". واقتصرت الآن على إعادة إذاعة برنامج "شرح وتحليل" للدكتور حسين فوزي, ثلاث مرات كل شهر.وكانت إذاعة الشرق الأوسط كذلك تقدم عددا من البرامج الموسيقية.

 وقد أصدرت الإذاعة المصرية في بدايتها مجلة "الراديو المصري" في مارس عام 1935 ليتابع جمهور المستمعين برامج الإذاعة, بالإضافة لما كان يكتب فيها من مقالات, وحلت محلها مجلة الإذاعة والتليفزيون التي تصدر حاليا.

كان لأبناء الإذاعة المصرية النابهين دورهم الفعال في تسجيل العديد من الأحاديث مع كبار الملحنين والمطربين والمطربات عن حياتهم وأعمالهم, وآرائهم في الفن.

وكل تلك الأحاديث أصبحت مصادر مهمة بين يدي الباحثين, وعشاق الموسيقى والغناء المصري. والإذاعة المصرية تمتلك تراثا لا يقدر بثمن من تسجيلات أعمال كبار الملحنين والمطربين والمطربات والعازفين وقادة الفرق الموسيقية.

المراجع:

<!--أحمد كمالي وعمرو إبراهيم: الإذاعة المصرية شاهده على العصر, القاهرة , دار الكتب, 2004.

<!--د. حلمي أحمد شلبي: تاريخ الإذاعة المصرية, دراسة تاريخية" 1934-1952", القاهرة, الهيئة المصرية العامة للكتاب, سلسلة تاريخ المصريين, رقم "85",1995.

<!--محمد فتحي: الإذاعة المصرية في نصف قرن "1934- 1984", القاهرة, دار الكتب, 1984.

 

بقلم/ أ.د. زين نصار

المصدر/ مجلة الكواكب

العدد/ 3017- بتاريخ 26 مايو 2009

 

   

 

 

 

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,361,107