أكدت السنوات الثلاث الأخيرة ، رغم محاولات تزييف الوعى بخلط الأوراق ، أن الصراع فى مصر ليس صراعا دينيا بين مؤمنين وكفار لتحقيق ملكوت السماء على الأرض ، وليس صراعا سياسيا بين أحزاب وفصائل مختلفة يسعي كلا منها للوصول إلى كرسى الحكم لتحقيق هيمنة عشيرته عليه ، وإنما هو صراع ثقافي فى جوهره ، قائم بين فكر تقدمى يؤمن بالحياة ويرتكز على العلم والمعرفة والصناعة الحديثة ويعمل على تطوير الوطن إلى ما هو أفضل لكل أبنائه ، وآخر متخلف يؤمن بالموت ويتباهى بالجهل ويعادى الزمن ويتدثر بالميتافيزيقا معطلا العقل ومدعيا تجلى الوحى والرسل بين الناس برسائل العودة للماضى السحيق .

        يضع هذا الصراع الثقافى على كاهل صناع الفنون والآداب ، ومنهم كتاب ومخرجي ونجوم الدراما التليفزيونية ، عبء تقديم أعمال تنويرية تحث على المعرفة العلمية ، وتنعش الوجدان بالمشاعر السامية ، وتغذى العقل بالأفكار المثيرة للتفكر والتأمل وليس الاستسلام للأمر الواقع بأية ادعاءات ، فالدراما ليست حكايات مسلية تقتل وقت الفراغ وتستهلك العقل المجهد ، بل هى إعادة بناء للواقع بصورة جمالية تحمل وجهة نظر تدفع المتلقى للحركة من أجل تغيير واقعه الفعلى ، ومن ثم فليس ثمة داع لأن يكتب مسلسل على تتر حلقته الأولى (هذه الرواية مأخوذة من الواقع) كما فعل مخرج مسلسل (الركين) ، ولا مبرر لتبرير عنف الموضوع والسلوك والحوار على الشاشة بالإشارة فى مفتتح  كل حلقة من مسلسل (موجة حارة) بأننا "نعيش يوميا واقعا يفوق الخيال فى قسوته ، لسنا نحن صناع تلك القسوة ، لكنها الحياة" ، فالحياة هى الواقع الذى نعيشه ، وليست صانعته ، بل هو صناعة البشر الذين يحيون فيه ، ومنهم صناع العمل (الفنى) الذين يشاركون به فى صنع هذه الحياة على أرض الواقع ، وكل الأعمال الفنية هى صناعة أبناء من هذا الواقع ، ممن يملكون القدرة على تغيير قسوته لسلام وآمان ، أو زيادة جرعة القسوة بمزيد من عدم الفهم الصحيح لآليات وجوده على الأرض .

        لهذا من المستغرب أن تنشغل مسلسلات بموضوعات لا علاقة لها بالواقع الفوار على أرض الوطن ، وكأن صناعها يعيشون فى مجتمع آخر ، أو كأنهم يتعمدون الهروب من التعرض لهموم مجتمعهم . أما الطامة الكبرى فهى فى المسلسلات المنشغلة بالخزعبلات ، وأبرزها مسلسل (خلف الله) للنجم "نور الشريف" والكاتب "زكريا السيلي" فى ثانى تجربة كتابة له بعد مسلسل قديم بعنوان (اللى أختشوا ماتوا) ، والمخرج "حسنى صالح" الذى بدأ مشواره الفنى معه فى أول مسلسل فى ثلاثيته السحرية الأخيرة منذ أربعة أعوام ، وكان بعنوان (الرحايا) للكاتب "عبد الرحيم كمال" الذى كان بدوره يقدم عمله التليفزيونى الأول بعد فيلمه (على جنب يا اسطى) ، بينما أنجز المخرج "احمد مدحت" المسلسل الثانى فى الثلاثية العام الماضى ، فى أول إخراج تليفزيونى له بعد فيلميه المتواضعين (العالمى) و(التوربينى) ، وكان بعنوان (عرفة البحر) للكاتب "محمد الصفتى" فى ثانى عمل له بعد (حقى برقبتى) الفكاهى المتواضع ، مما يعنى أن عالم هذه الثلاثية قد تم اختيار معالمه وشخصياته ورسائله من خلال النجم المثقف ، المهموم بقضايا الإصلاح والعدل فى المجتمع ، والمنشغل لفترة بأفكار "أبن خلدون" و"مالك بن نبي" تجاه هاتين القضيتين ، والمنجذب مؤخرا لأسباب خاصة وعامة لعالم التصوف والميتافيزيقا ، بدءا باختياره إعادة صياغة حكاية "يوسف وأخواته" القديمة فى أجواء الصعيد الغامضة ، فى مسلسل (الرحايا) ، وتجسيد شخصية أسطورية على أرض الواقع ، معذبة بالشك تجاه أبناء له من زوجات متعددات قتلوا شقيقهم حقدا عليه ، هى شخصية "محمد أبو دياب" الممتلك للأرض والجبل والنهر . وتلاه بتعميق ملامح الشخصية الأسطورية بنقلها لعالم البحر اللانهائي ، فى (عرفة البحر) بالغياب والظهور غير المبرر لشخصية "عرفة"  الغامضة ، وبناء فنار على البحر غير ذى نفع . وصولا لطرح أفكار التنبؤ والتطير والعلاج بالرقية ، من خلال شخصية "خلف الله" الذى يتنبأ بانقلاب السيارات واحتراق أسرته وقتل من لا علاقة له بهم ، ويعالج بالسحر الأطفال الذين يعجز الطب عن علاجهم ، فيتحرك من تفتت عظامه ، وتشفى الملبوسة من شيطانها ، ويختفى من الأماكن دون أن ينتبه له ، ليهيم على وجهه مواجها الجوع وتقلبات الطبيعة بقوة غير معلومة ، ويطلق عليه الرصاص فيموت وتخرج جنازته للصحراء وسط أتباعه من لابسي الأبيض ، غير أنه يعود لمعالجة الطفل الذى ناداه ، فى نهاية مسلسل مبنى على رحلة السيد خلف الله بين الناس ، ومجزأ لمجموعات من الحلقات ، تنتهى كل مجموعة وأبطالها بمعجزة من معجزات المهندس الذى صار فجأة وليا ، لتبدأ مجموعة أخرى لا صلة درامية لها بالسابقة أو التالية غير حضور صاحب الكرامات .

        هل نحن اليوم فى حاجة لهذه الشخصية الأسطورية وقواها السحرية لمطاردة شياطين الواقع ؟ ، وهل هذا هو ما نود أن نقدمه عن مجتمعنا وله ؟ ، وهل الدروشة هى نهاية المطاف لنجم مثقف واع ، كان يختار أعماله بعناية ، ويدفع بالكتاب والمخرجين المستنيرين لصياغة أعماله ؟ .. أم أن الفوضى غير الخلاقة المستشرية كالوباء فى المجتمع قد ضللت العقول المفكرة والأفئدة العاشقة للتقدم ، وانزلقت بها لدوامة التراجع ومهادنة الشر وإهانة العلم وتزييف وعى أبناء هذا الوطن .    

 

 

بقلم/ د. حسن عطية

مجلة الإذاعة والتليفزيون

 

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

5,793,886