رحلة تشكيلية ولونية ممتعة تلك التي قدمها الفنان الكبير مدحت نصر، عالم رائع من التشكيل الدرامي قدمه لنا في معرضه الجميل الذى قدمه مؤخراً بأتيليه الإسكندرية ، مقدماً فيه مزيج من التقنيات الطباعية المتنوعة.

ضم المعرض مستويات من التشكيل والتصوير ، المستوى الأول رسومات على الةرق بالأقلام الرصاص والألوان الإكريليكية والأحبار، وهي تعتمد البساطة والتلقائية استراتيجية في البناء الشكلي، بعيداً عن التوشيه والتطريز.وهو مايبدو جلياً فى تناوله للجسد البشرى بلمسات محدودة خاطفة يعتنى من خلالها بالبناء العام للصورة أكثر من الجانب التشريحى.

في حين أنه عمد إلى الطباعة على سطح زجاجي استعان بالألوان والأصباغ حاول من خلالها أن يصور التفاصيل الإنسانية للأجساد الإنسانية ، وخاصة الجسد الأنثوي اللدن في رشاقته ، واتسم أسلوبه في هذه الرسومات بالرشاقة وحريرية الخط وعذوبته .

وفي بعض اللوحات كانت الخطوط نجد تعاملا رائعا مع الأجساد البشرية بخطوط عفوية وتلقائية تقترب من عفوية رسومات الأطفال ، ولا يحافظ على قوانين التشريح في أولياتها ومبادئها الراسخة والتي تدرس في كليات الفنون الجميلة مع الحرص في هذه اللوحات على اللعب الحر بالدوال واستخدام الألوان الباردة والبعد عن الألوان الساخنة والحارة.

 

 

في بعض اللوحات عرف كيف يفيد من التقنيات الحديثة في الفن والتصوير ،استخدم   تقنية الشاشة، وكانت الشاشة حريرية ، حيث صور رسومات بدائية لأجساد صبية وبنات في حالات من اللعب ، وتصوير رسومات لألعاب أطفال ، وأشكال شعبية لهذه الألعاب .في لوحات التصوير من الشاشة الحريرية استخدم الألوان الحارة الساخنة ، مما يشير بشكل واضح إلى البيئة المصرية الحارة ومفرداتها الصاخبة والضاجة بالحياة والبهجة والدهشة الطفولية ، وكأن العين التي ترى وتصور هي عيون الأطفال ذاتهم الذين يتم تصوير تفاصيلهم وحيواتهم .

أيضا استخدم الفنان مدحت نصر تقنيات الطباعة من سطح خشبي، ليصور من خلاله هذه الأسطح الخشبية تفاصيل البيئة المصرية من بيوت وأشجار وسواقي وزروع خضراء ، استطاع من خلالها الألوان التي تتميز بها تلك البيئة ، تتدرج ما بين الأخضر الغامق والأزرق الكابي والبني والترابي ،لكن المدهش في الأمر أن هذه البيئة الريفية تخلو تقريبا من بشر يسكنونها ،وكأن هذه اللوحات تقترب من فكرة الطبيعة الصامتة .

ثم استخدم تقنية جديدة يمكن تسميتها بالجرافيك سولار حيث طباعة شمسية بوسيط مائي على ألواح أكريليك ، ومن خلال هذه التقينة استفاد الفنان من فكرة الطاقة الشمسية على سطح أملس ، فنجد لوحة تغرق في اللون الضبابي أو الأزرق الذي يقترب من لو الضباب ، تتجاور فيه كل عناصر الطبيعة ما بين مجموعات من الأشجار تعلوها مجموعات من نماذج الحيوانات ، ثم نماذج من الطيوربنت البيئة المصرية ، وأظنها طيور البط ، وفي جانب اللوحة نماذج للعب أطفال تجاور وتوازي هذا المشهد .

في نفس سياق التقنية ، تقنية الطباعة الشمسة بوسيط مائي على سطح أكريليك نجد لوحة يغلب عليها تداخل لوني بين الأبيض والأسود ، كما تتداخل فيها الأشكال التي لا تبين معالمها ، فتصل لحد الرمزية ، ولا نتبين منها سوى جسد رجل يمسك في يده ما يشبه السيف ، وكأنه يعارك غابة ممتلئة بأشكال أسطورية ، مما يحيل إلى رمزية الإنسان المعاصر الذي يعارك القلق .

في جزء من المعرض نجد البورتريهات أو مجموعة الوجوه التي تشير إلى تعبيرية صارخة عن ذات القلق الوجودي الرمزي في لوحة الغابة السابقة ، إن وجوه نصر هي وجوه قلقة ، صارحة أحيانا ، غاضبة أحيانا أخرى ، حزينة ، أو قلقة ، توزعت بورتريهاته بين النماذج المجسمة وبين الرسم بالخطوط التعبيرية ، ما بين الشاشة الحريرية ، والسطح الأكريليكي الصلب ، ثم النسيج والتوال ، إنها وجوه تعبر عن القلق الإنساني ، وكأن تلك الوجوه تعبر عن مآسي الإنسان في مراحل عمره حينما يمتلك الوعي بما يحمل له المستقبل ، ىوبما يغرق فيه في الماضي ، وهذه الوجوه لا تعتبر امتدادا لمرحلة اللعب المدهش والطفولة المبهجة التي رأيناها في مراحل رسوماته السابقة .

ويواصل مدحت نصر عشقه للعب مع وجوه الفيوم المطبوعة من خلال الشاشة الحريرية عبر فوتوغرافيا وسيطة على هيئة لفائف ورقية ، لنجده يميل لتحويل خيط الرؤية الذى يصلها بالمتلقى إلى جسر مجسم بواسطة نظارة لفلترة الضوء فى حيز المشاهدة ، وتحويل مساقطه إلى ركائز للبعد الثالث الذى ينزع تلك الوجوه المصرية اليونانية الرومانية من سياقها الطباعى ، ليدفع بها إلى فضاء يتأرجح بين الواقعى والإيحائى .. بين المسطح والمجسم ، وقد انتقاها الفنان كمرتكز للعب بها داخل صناديق زجاجية لوقوعها فى دائرة الخلخلة التاريخية داخل العقل الجمعى بعد الإختلاف على نسبها القومى إلا أنه حمل قدراً كبيراً من حرية الخلق واللعب بالخامات البسيطة ، فى إيماءة إلى أن لغة المعتقد ممتدة من جوف الزمن إلى صدر الواقع المعاش ، عند أقصى نقطة على المنحنى البيانى الواصل من اللعب الطفولى إلى الدهشة الإبداعية.

كذلك يصنع لنا مدحت نصر كولاجات متنوعة على أعمدة مطرزة بالألوان الساخنة والباردة ، هذه التكوينات تجمع بين جوانب من وجوه متعبة وغامضة ، وقصاصات من جرائد تشير ربما إلى أحداث وصراعات ، وأشياء لا تتضح بشكل محدد وكأنها جاءت لتشغل فراغات اللوحة .

كذلك تمثل النوافذ تيمة رئيسة في البناء الدراما التشكيلية لمدحت نصر ،وكأن هذه النوافذ تمثل طاقة الأمل والفرج لهذه الذوات القلقة ، حتى أن بعض اللوحات جاءت عبارة عن نوافذ تتناثر عبر جوانب اللوحات ، وجاءت هذه اللوحات التي خصصت فقط للنوافذ ذات ألوان مبهجة وحارة ، ألوان توحي بالأمل والفرح والبهجة.

الجدير بالذكر مدحت نصر تخرج من قسم التصميمات المطبوعة بالكلية عام 1971م ، قبل أن يحصل على الماجستير فى علاقة التصوير الضوئى بالطبعة الفنية عام 1976م ، ثم الدكتوراه فى فلسفة التصميم المطبوع عام 1983م.

 

المصدر / مجلة الفنون الكويتية – عدد يناير 2013

بقلم -  د./ هويدا صالح

 

 

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,449,723