فريال كامل

كان يرى أن الجريمة عنصر طبيعي في الحياة فلم يخل فيلم من أفلامه من جريمة يرتكبها مجرم فقد كان قارئا نهما فاستند في معظم أعماله إلى نصوص أدبية منشورة

"هشام أبو النصر" أحد الأكاديميين الأول الذين احترفوا الإخراج السينمائي عقب تخرجهم في شعبة الإخراج بالمعهد العالي للسينما، رحل "أبو النصر" عن 68 عاما عقب أزمة قلبية مفاجئة في 14 يوليو 2012 بشقته القريبة من مقر عمله كأستاذ لمادتي الإخراج والتذوق السينمائي بأكاديمية الفنون.

ولد "أبو النصر" في 12 يوليو عام 1944، وتخرج في معهد السينما عام 1964 وكان قد حصل من قبل على ليسانس الحقوق في جامعة القاهرة، وفى عام 1965 سافر "أبو النصر" للولايات المتحدة مبعوثا من قبل وزارة الثقافة- وهى الوزارة التي يتبعها المعهد- ذلك ضمن الدفعة الأولى من الأكاديميين للحصول على درجة الدكتوراه في الإخراج السينمائي وهى تلك الدفعة التي ضمت المخرج القدير " أشرف فهمي" إحدى العلامات المضيئة في السينما المصرية وأيضا الفنان" حسين فهمي" الذي اتجه عقب عودته من البعثة لاحتراف التمثيل فاحتل موقع فتى الشاشة الأول على مدار عقود.

أمضى "أبو النصر" 9 سنوات فى الولايات المتحدة بين الدراسة في جامعة كاليفورنيا والتدريب في استوديوهات هوليوود ومشاهدة كلاسيكيات السينما حتى تشرب النمط الأمريكي في إخراج الأفلام، رجع "أبو النصر" إلى مصر عقب عام من انتصار أكتوبر، وقد حصل على الدكتوراه في الإخراج السينمائي من جامعة كاليفورنيا ليحتل موقعه كأستاذ بالمعهد.

النمط الأمريكي

كان "أبو النصر" وفيا للنمط الأمريكي خلال محاضراته للطلبة ذلك النمط القائم على إثارة الدهشة والتشويق والمفاجأة كان يذكر بالتقدير من سار على النهج الأمريكي من رموز السينما المصرية كما المخرج "حسام الدين مصطفى".

لقد امتد عطاء المخرج "هشام أبو النصر" 9 سنوات من عام 1978 إلى عام 1987، كان حصادها 4 أفلام سينمائية إضافة لبعض الأعمال التليفزيونية منها الفيلم التليفزيوني "بيات شتوي"، سارت أفلامه على النهج الأمريكي ومن مفرداتها الصراع والمطاردة والاشتباك والمعارك فضلا عن تواجد إحدى فاتنات السينما كما"نادية الجندي"و"نبيلة عبيد" كان يري أن الجريمة عنصر طبيعي في الحياة فلم يخل فيلم من أفلامه من جريمة يرتكبها مجرم، كان " أبو النصر" مخرجا قارئا فاستند في معظم أفلامه إلى نصوص أدبية منشورة أولها جامع الأقمر ل"إسماعيل ولى الدين"و"قهوة المواردى"لمحمد جلال و"البنات"و"المجهول"لإقبال بركة، وقد شارك أبو النصر في كتابة وسيناريو وحوار معظم أفلامه ليضع بصمته التي لا يحيد عنها كما قام بإنتاج مجمل أفلامه.

رؤية خاصة

انجذب المخرج العائد بعد غيبة طويلة في أمريكا إلى الأجواء الشعبية والحياة في الحارة المصرية قصورها خلال رؤيته الخاصة في أفلامه، تدور أحداث فيلم "الأقمر" عن رواية بذات العنوان لإسماعيل ولى الدين في رحاب أحد آثار القاهرة الإسلامية، وبالتحديد حول جامع الأقمر في شارع المعز وقد شارك في كتابة السيناريو مع المخرج السيناريست "فايز غالى" وزميله"أحمد عبد السلام" حيث تقوم"نادية لطفي" بدور متفرد كبائعة بسيطة في الحي الشعبي وهى تتبرك مثل أهل الحي بالجامع وتزيح همومها على عتبته ولذلك فهي تتفاعل مع أهل الحي وتشاركهم ثورتهم حين يحل غرباء بالمكان من موظفي الحكومة ويشاع أنهم يخططون لهدم الجامع من أجل إقامة مركز ثقافي وتعليمي ومن هنا تتشعب الدراما إلى مسارين لا تربطهما رابطة بالقضية الأساسية المطروحة.

فتتابع الكاميرا "نور الشريف" بصحبة النشال"محيي إسماعيل" في عملية سرقة أحد المنازل تلك العملية تنتهي بكارثة مقتل الخادمة أثناء دفاعها عن البيت وتصديها للصوص أما المسار الآخر فيتبع "سعيد صالح" سائق التاكسي الذي يقوم بدور فردوج فهو يعاون اللصوص في نقل المسروقات بينما يعمل مرشدا للشرطة وهو في إطار ولائه للأمن يرشدهم إلى مخبأ أحد تجار المخدرات فما يكون من أعوان التاجر إلا الانتقام من السائق الخائن، وفى الخيام يرجع المخرج إلى القضية الأساسية التي كان من الممكن إن تصبغ فيلما من أهم الأفلام المصرية ويصدر قرارا بإيقاف هدم الجامع فتعم الفرحة أهالي الحي، وعلى الرغم من أن أعمال الروائي"إسماعيل ولى الدين" قد لاقت ترحيبا ورواجا في تلك الفترة إلا أن الفيلم لم يحظ بما يعادلها من الإقبال.

 

 

مرة أخرى رؤية خاصة

عقب أربع سنوات من فيلمه الأول "الأقمر" ينجذب المخرج "د.هشام أبو النصر" عام 1982 مرة أخرى للأجواء الشعبية التي صورها الكاتب "محمد جلال" في قصته"قهوة المواردى" فيشترى حق إنتاجها للسينما ويلجأ إلى زميله كاتب السيناريو المبدع "محسن زايد"لكتابة السيناريو والحوار لتكون قهوة المواردى أفضل أفلام المخرج لحبكته وتماسك بنائه، أسند المخرج دور البطولة إلى إحدى فاتنات الشاشة وهى الفنانة "نبيلة عبيد" أمام الفنان"فاروق الفيشاوي" والفنان "يوسف شعبان" إضافة للفنان الصاعد- في ذلك الوقت-"ممدوح عبد العليم".

يحدد"محسن زايد" مشهدا قويا لتدفق الأحداث في البداية حين تنتهي مدة عقوبة المجرم حنين أبو سنة "فاروق الفيشاوي" ويحين يوم الإفراج عنه فيعم الخوف أهالي الحي خشية أن يعود إلى سابق عهده من فرض سطوته وجبروته على أهالي الحي، ويكون "يوسف شعبان" أحد عناصر الصحافة الواعية فيشارك في الدفع الدرامي بمقالات تحذر من الأخطار التي يمكن أن تحيق بالأهالي، وفى قصة فرعية يهيم السفروت"ممدوح عبد العليم" بحب فاتنة الحي ابنة معلم القهوة، لكنها بالطبع تفضل الارتباط بالصحفي الواعي المستنير، ويجد المجرم "أبو سنة" ضالته في "السفروت" فيشعل نار الغيرة في قلبه ويحرضه على قتل الصحفي ليلة عرسه فتنهار العروس، ويقوم أحد زملاء الصحفي بإصدار مجموعة مقالاته في كتاب عن خفايا وصراعات الحي، ينتهي الفيلم بمفاجأة لا تخطر على البال حين يتم قتل المجرم "أبو سنة"على يد مجهول.

قهوة المواردى

إن لحى المواردى خصوصية فهو حي مخنوق من دون نوافذ للتفريج عن أهله فهو محتجز بين حي المنيرة البورجوازي وشريط القطار المتجه إلى ضاحية حلوان، غفل الفيلم عن الاقتراب من واقع حياة الأهالي وإن توفرت به مفردات الفيلم التجاري بداية من الفاتنة نبيلة عبيد وقصة الحب المحيطة من قبل السفروت التي تمثل في الفيلم طاقة دافعة للجريمة، وقد حظي الفيلم بنسبة قبول أفضل من سابقه.

أخرج هشام أبو النصر عام 1986 فيلم "البنات"و"المجهول"و"العصابة" عام 1987، وعاد ليخرج آخر أفلامه- وبعد انقطاع "الغيبوبة" عام 2000 فكان في مجمل أعماله يصور الواقع من خلال رؤيته الخاصة لدراما الحياة، وتفرغ لأداء دوره كأستاذ للإخراج في المعهد.

عاش هشام أبو النصر حياة شبه منعزلة كان صديقه الكتاب ورفيقه "البايب" غاب عن التظاهرات السينمائية أو الأنشطة الاجتماعية، كان محبا للقراءة تزوج بفنانة صاعدة ثم انفصل عنها بعد سنوات قليلة لم ينجب أولادا لكنه ترك مكتبة زاخرة بكتب السينما والأدب، فليرحمه الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر / جريدة القاهرة / 21يوليو / 2012

 

 

التحميلات المرفقة

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,423,440