الخطاب المسرحي المصري.. جيلاً بعد جيل!

 

 

عادل العدوي ـ جريدة مسرحنا 13 سبتمبر 2012 .

 

 

ربما يحتاج المرء إلي حدث جلل حتي يعي أهمية ظاهرة ما أو يلتفت إليها التفاتة المندهش المبهور بالشيء وكأنه ظهر فجأة، علي الرغم من كونه موجود وينبض بالحياة يراه رؤية العين ولكنه لا يراه رؤية البصيرة.. هكذا كانت محرقة بني سويف حدثاً جللاً جعلنا نلتفت إلي هؤلاء الذين لم نزنهم حق وزنهم ولم نقدرهم حق قدرهم، ولم ندرك مدي أهميتهم للحركة المسرحية إلا بعد رحيلهم عنا.. ود. محسن مصيلحي كان واحداً من هؤلاء الذين أثروا الحركة المسرحية بدراساته العميقة ورؤاه النافذة.. وربما لا نعوض خسارتنا فيه ناقداً للمسرح أبداً.
في السطور التالية نقدم عرضاً لأحد كتب د. محسن مصيلحي المهمة وهو كتاب "تحولات الخطاب المسرحي المصري"، والذي ينقسم إلي ثلاثة أقسام، القسم الأول والمعنون بـ(الأجداد يمهدون الأرض) عبارة عن ثلاث مقالات؛ الأولي منها تدور حول كتاب "المسرح الحي والأدب الدرامي في العالم العربي في العصور الوسطي" للباحث الإسرائيلي شموئيل موريه وهو واحد من أهم دارسي المسرح العربي في العصور الوسطي، إن لم يكن أهمهم علي الإطلاق ـ بتعبير د. محسن مصيلحي الذي ذهب يدلل علي جدية وأهمية دراسات موريه حول المسرح العربي ودراساته في النثر والشعر العربيين ـ وفي كتابه المشار إليه يتتبع موريه الظواهر المسرحية ليثبت أنها كانت ظواهر حية وليست أدبية، أي أنها كانت تعتمد علي المضحك أو المقلد أو المخنث أو الخيّال أو السمّاجة، أو أياً ما كان الاسم. ويستعرض مصيلحي الفصول الثمانية للكتاب موضحاً أهمية ما يذهب إليه حيث يرفض موريه في النهاية الرأي القائل بأن الإسلام هو السبب الرئيسي الذي وقف عائقاً في سبيل تطوير الفن الدرامي، ويؤكد علي أن الدراما كانت موجودة ونصوصها مازالت في حوزتنا، ولدينا أوصاف لعروض درامية حية في كل العصور الإسلامية، فيقول موريه: "لكن القضية التي يجب أن نلتفت إليها هي أن هذه الدراما لم تتطور إلي فن رفيع، ومهما يكن سبب عدم التطور، فإنه لا يعود إلي الإسلام ولا يمت إلي طبيعة العقلية العربية ذاتها... ليس في الإسلام ما يعوق تطور الدراما".
يري د. مصيلحي أن هذا الدرس في تاريخ الظواهر المسرحية العربية مازال بكراً ويحتاج منا إلي مزيد من النظر المتأني، ويذكر أنه عرض هذا الكتاب خصيصاً لكي يثير غيرة المتخصصين في هذا المجال.
والمقالة الثانية تعد قراءة مختلفة لظاهرة يعقوب صنوع باعتباره ـ شئنا أم أبينا ـ مؤسس المسرح المصري الحديث، ويري مصيلحي أنه كان تطويراً وامتداداً لطائفة المسرحجية التي كانت موجودة قبله، وهي طائفة "أولاد رابية" الذين لم ينالوا حظهم من الخلود شأن كل الفنانين (الشفويين) الذين لم تسجل أعمالهم. وينظر مصيلحي إلي نشاط صنوع المسرحي في إطار أنشطته الأخري الأدبية والسياسية. ويؤسس مصيلحي مقالته تلك بناء علي عدة أسئلة مهمة وجوهرية في حياة صنوع والتي كان من أهمها سؤال: من كتب مسرحيات صنوع ؟.
أما المقالة الثالثة والأخيرة فهي عبارة عن قراءة وتحليل للمادة الصحفية التي جمعها رجال المركز القومي للمسرح برئاسة محمود الحديني عن نشاط المسرح المصري في خمس سنوات 1911 ـ 1915م. حيث يقدم تحليلاً دقيقاً لهذه المادة مشيراً إلي النقاط الأساسية فيها من ماهية المسرح وقيمته في المجتمع المصري، والجوانب الأدبية المؤسسة للمسرح، والجوانب الفنية للتجسيد المسرحي الحي، والعلاقة المتوترة بين المسرح والسلطة.
وفي القسم الثاني من الكتاب والمعنون بـ(الآباء يزرعون) يقدم لنا مصيلحي مجموعة من الدراسات والمقالات التطبيقية حول خمسة كتاب اعتبرهم جيل الآباء الذي استفاد بدرجة أو بأخري من الأرض التي مهدها الأجداد، وهؤلاء الخمسة هم ميخائيل رومان وسعد الدين وهيه وصلاح عبد الصبور ومحفوظ عبد الرحمن ومحمد أبو العلا السلاموني. ثم يؤكد مصيلحي أن هؤلاء ليسوا كل جيل الآباء ولكن البعض منهم، غير أنه يعتقد أنهم يمثلون جانباً مهماً من كيفية تعامل جيل الآباء مع التراث المسرحي المصري والعربي، بالإضافة إلي انفتاح بعضهم علي التراث الغربي، مثل ميخائيل رومان، أو محاولة المزاوجة بين الشرقي والغربي، مثل صلاح عبد الصبور، كما يؤكد علي أن تأثير هؤلاء الخمسة ـ من بين آخرين ـ لم يتوقف عند جيلهم، لكنه تعدي ذلك إلي التأثير علي الأجيال اللاحقة.
أما القسم الثالث والأخير من الكتاب والمعنون بـ(الأبناء يحصدون) فهو عبارة  عن مقالتين الأولي نظرة عامة علي المسرح المصري الآن ، وينحاز فيها إلي تجربة نوادي المسرح التي تتبناها إدارة المسرح في الهيئة العامة لقصور الثقافة ويحث فيها أولي الأمر المسرحي علي استيعاب الظاهرة بشكل إيجابي في التيار المسرحي العام، قبل أن تتواري عن الأنظار، كما توارت قبلها ظاهرة فرق المسرح الحر. وفي المقالة الثانية اختار عدة أصوات متفردة قدمت اجتهاداتها المسرحية في حقبة التسعينيات، هذه الأصوات هي محمد الشربيني ومتولي حامد وإبراهيم الحسيني ووليد يوسف وعرفة محمد، كما ينوه إلي أن تلك الأسماء الخمسة ليست كل الأسماء التي ظهرت علي الساحة المسرحية بالطبع لكي تحصد ما زرعه الآباء، ولكن أصحابها مجرد نماذج حية توحي بالصورة العامة وتلخص حال المسرح المصري الآن.
هكذا يقدم لنا د. محسن مصيلحي عدة حلقات متصلة بعضها بالبعض لتمثل كيف تطور فن المسرح ما بين الأجداد والآباء والأبناء مؤكداً علي أصالة وهوية المسرح المصري.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر / جريدة مسرحنا / 13 سبتمبر 2012  

 

  • Currently 2/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
2 تصويتات / 756 مشاهدة

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,382,091