من الصعب حقاً وضع تصنيف صحيح لفيلم جاكسون الأخير " العظام الحلوة " والذي يعود به إلي الشاشة بعد ثلاثيته الشهيرة "ملك الخواتم " التي أثارت إعجاب العالم أجمع بخيالها الجامح وبعدها الأسطوري ورموزها السياسية المدهشة والتي استغرقت منه وقتاً طويلاً ... احتار بعدها .. في الفيلم الذي يمكنه أن يعود فيه إلي جمهوره بعد هذه التحفة السينمائية التي جمعت إلي جانب فنياتها وجمالياتها الكبيرة جماهيرية لا حد لها .. وإعجاب نقدي بلا تحفظ.

في العظام الحلوة.. وجد جاكسون المادة المثيرة التي يمكن أن تصنع فيلماً خارقاً يثير التساؤل ويطرح شارات الأستفهام، ويثير القلق والتفكير معاً. إنها قصة الموت والحياة، الجريمة والعقاب، الروح والجسد من خلال قصة جريمة تتأرجح أبعادها بين البعد التشويقي والبعد الميتافيزيقي تذكرنا أكثر ما تذكرنا بعالم ادجارالان  بكل شاعريته وغموضه ورعبه وميتافيزقيته.

القصة تروي علي لسان طفلة في الرابعة عشر من عمرها تعرضت للقتل علي يد سفاح احترف قتل الفتيات الصغيرات بعد استدراجهن إلي أمكنة منعزلة ووفق تخطيط شيطاني رهيب.

إنها تروي حكايتها مع أمها وأبيها وأخواتها تفتح حواسها علي الحب هيامها بشاب جميل في مدرستها وحلمها بالقبلة الأولي التي ستطبع علي شفتيها ولكن قبل أن تتم الصبية تحقيق جزء من أحلامها تسقط في الكمين الذي أعده جارها السفاح والذي تقتل علي يده بطريقة وحشية.

وتعود الفتاة من عالم الموتي إلي عالم الأحياء لتري وتروي ماذا يحدث بعد اختفائها وبحث العائلة المجنون عنها، والجار السادي الذي يراقب كل شيء بعين هادئة لامبالية.

في هذه المقاطع التي تجول فيها الصبية بين عالم الأحياء وعالم الموتي تتدفق شاعرية جاكسون بطريقة مذهلة يستغل فيها كل ما تملكه السينما من أبعاد في اللون والتشكيل والخيال الجامح كما فعل في أجمل مقاطع ثلاثيته الفلميه الشهيرة حقول صفراء وخضراء تمتد إلي ما لا نهاية شجرة وحيدة عملاقة في سهل منبسط تترنح أوراقها بكثافة، مياه ووديان يجللها السحاب طيور بيضاء وفراشات، ومنارة بعيدة تلقي أضواءها في كل اتجاه، وبرجولا خشبية صغيرة تبدو وكأنها مخبأ أو ملجأ تقف وسطها الصبية تتأمل وتنظر وتراقب.

إنها تري حبيبها وتراه يمنح القبلة الأولي التي كانت تتمناها لزميلة لها تري أخاها الصغير الذي أنقذته من الموت في بداية الفيلم، وتري حزن أبيها الشديد وعدم قدرته علي الأحتمال وصبر أمها، وتري كيف يتصرف القاتل وهو يري حيرة البوليس وتحقيقاته التي لا تثمر عن شيء سوي التأكيد أن اختفاء الصبية جاء نتيجة جريمة ارتكبها مجهول.

يقال إن الفيلم السينمائي الجيد هو الفيلم الذي لا يمكن وصفه بل عليك أن تراه بنفسك وأن تعيش في صوره الخلابة التي لا يمكن للكلمات أن تعبر عنها وهذا بالضبط ما نحسه تجاه جميع المقاطع التي تدور في هذا العالم الآخر الذي تعيش فيه الصبية القتيلة، وتراقب منه ما يجري في عالم الأحياء ترشدها في ذلك صبية آسيوية في مثل سنها.

ويعجز البوليس عن إيجاد الجثة أو العثور علي أي دليل يرشد إليها لكن الأب الذي كانت تربطه بابنته صلة روحية وثيقة وحب لا حدود له يشير له قلبه أن جاره الغامض قد يكون وراء اختفاء أو مقتل ابنته فيحاول مواجهته ثم مطاردته ولكن الأمور تنقلب عليه ويهاجمه الجار بوحشية ويكاد أن يقتله، ولا تنفع أية شكوك في هذا الموضوع ما لم تكن مقترنة بالأدلة والأدلة معدومة وليس هناك إلا ظنون القلب.

ويبدأ السفاح بعد أن نجح في إخفاء جريمته الأولي بالتفكير في جريمة ثانية تكون ضحيتها هذه المرة شقيقة القتيلة التى تكبرها بعام واحد وتحس الشقيقة بعد مهاجمة ابيها وجرحه ان عليها ان تجد هذا الدليل الذى يفتش عنه البوليس فتتسلل مرة الى بيت الجار الغامض بعد ان رأته يبتعد بسيارته وهنا يقدم جاكسون خلال عشر دقائق ومن خلال مونتاج يصل الى حد الابهار مشهدا تشويقيا لا مثيل له ويكاد ان يوازى بين المشاهدة التشويقية التى اشتهر بها هيتشكوك والتى اعتقدنا جميعا ان ما احد بعده قادرا على صنعها .

الفتاة فى المنزل قد عثرت على مذكرات تدين القاتل والقاتل نفسه يعود فجاة الى البيت والفتاة الميته تراقب ما يدور والعائلة فى منزلها تتناول الطعام .

فى مونتاج يصل الى حد العبقرية وتوتر يصل الى حد الغليان مع ايقاع لاهث يقطع الانفاس.

وتنجو الفتاة بمعجزة وينجو القاتل بنفسه ويبعد عنه كل أثار الجريمة والجثة الموضوعة فى صندوق ليرميها فى حفرة كبيرة للنفايات .

وهناك وبعد ان كاد القاتل يقع فى يد البوليس نجد الشجرة العملاقة التى جردت من اوراقها قد عادت للحياة وكأنها شجرة العدالة ونرى ضحايا السفاح الصغيرات يظهرن فى كوكبة حلوة فى سهل منبسط اخضر ويشكلن باقة صغيرة وكأنها باقة من الورود يتركن زميلتهن الجديدة اليها فى مشهد رومانسى ساحر .

ولكن البوليس لا يضع يده على القاتل الذى يجد مع ذلك نهاية قدريه عشوائية تنتظره وتعود الام الغاضبة العاقلة الى زوجها الذى كاد ان يفتك به الحزن اعتداء السفاح .

وترفرف الروح الهائمة وقد وجدت اخر الامر مستقرا لها خاصة بعد ان حققت حلمها فى الحلول مكان صديقتها لتتلقى القبلة الاولى من الشاب الذى احبته وتمنت لو ضمها بين ذراعيه .

فيلم بيتر جاكسون قصيدة من الشعر الميتافيزيقى تتكلم عن الموت بنشوة شاعر ولحن موسيقى ومن خلال اسلوب بوليسى تشويقى يمسك الانفاس ويثير المشاعر ووفق ايقاع هندسى موسيقى يشبه انغام السيمفونية بحركاتها الثلاث السريعة والهادئة والمتوازنه .

الصورة فى هذا الفيلم هى البطل رغم اجادة الممثلين لادوارهم خاصة الشابه الصغيرة التى لعبت دور الفتاة القتيلة والممثل المدهش الذى لعب دور السفاح بوجهه الهادىء اللامبالى الذى يخفى وحشية وسادية لا نهاية لها ونظرته الحجرية المتجمدة .

الفيلم بعد ذلك ملىء بالتفاصيل الصغيرة التى لايقدر عليها الا مخرج شديد التمكن من مهنته شديد الوثوق فى نفسه عرف كيف يوازن بين عالم الارض وعالم السماء ورسم صور للعالم الاخر تشبه فى خيالها الجامح رسوم مصورى القرون الوسطى الذهبية كل شىء فى هذا الفيلم محاطا بسرية غامضة تدعوك لكشف سرها او تثيرك لتغوص فى مياهها العميقة .

لقد فتح جاكسون ابواب خياله جميعا ومن خلال احداث معاصرة استطاع ان يعطيها ابعادها الجمالية الخارقة رغم قسوة الموضوع الذى يعالجه ووحشيته احيانا

المشاهد التى يحملها الفيلم والتى يلصقها بذاكرتك وكأنها وشم ناري سحري كثية ومتنوعة وإن كان أكثرها غموضاً وشاعرية هذه المشاهد التي تدور فيما وراء السماء بألوانها وسحرها وغموضها وسريتها والتي تدفعك رغماً عنك أن تنظر للسماء نظرة جديدة بعد خروجك من القاعة المظلمة التي كنت تشاهد فيها رؤيا جاكسون السينمائية.

قليلة هي الأفلام التي حاولت أن تكسر غطاء السماء لترينا ما وراءه وقليلة أكثر الأفلام التي تجعلك تحس أنك كنت حقاً في رحلة الجنة حتي لو كان قوام هذه الرحلة مصرع وموت فتاة بريئة في الثالثة عشر من عمرها علي يد سفاح لا يعرف الرحمة ولا يؤمن بالسماء .

نعم لقد حقق بيتر جاكسون عودة مظفرة للشاشة وعرف كيف يسدد هدفه بضربة موفقة ... إنها "ضربة معلم"

بقلم / رفيق الصبان المصدر/ اخبار النجوم 18/2/2010

 

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

7,336,567