تحل هذه الأيام الذكرى الأربعين لرحيل كوكب الشرق أم كلثوم, وبرغم ذلك مازالت أغانيها وتسجيلاتها ملء السمع والبصر وتحتل المكانة الأولى وتتربع على عرش الغناء العربي برغم مرور كل تلك السنوات. فما السر في هذا الوجود الطاغي لهذه الموهبة الفريدة والمطربة النادرة, التي غابت عنا بجسدها وبنفوذها ومع ذلك مازالت تحيا بينا بصوتها. يرجع ذلك بالدرجة الأولى للموهبة الموسيقية الفياضة والصوت النادر اللذين وهبهما الله سبحانه وتعالى لها, ثم الرعاية الفنية التي لقيتها في طفولتها وصباها من والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي الذي كان يؤدي الغناء الديني الإسلامي الذي يعتمد على الغناء بدون أية مصاحبة من الآلات الموسيقية, ولذلك وجب أن يكون جميع المشاركين في هذا اللون من الغناء يتمتعون بالموهبة الموسيقية والأصوات المنضبطة السليمة.

في هذا الجو الديني المشبع بالروحانيات تفتحت مواهب أم كلثوم الموسيقية في صباها. يضاف إلى ذلك الحياة الأسرية المستقرة وروح المودة والرحمة التي كانت تسود بين أفراد العائلة. وهكذا بدأت أم كلثوم أولى خطواتها في عالم الغناء مستندة إلى موهبة موسيقية نادرة وصوت فريد, ودعم أسرى قوى وتقدير كبير من خبراء الموسيقى العربية الذين عرفوا قدر هذه الموهبة الفذة, فقدمت لنا تراثا غنائيا عظيما تعتز به بلادنا وتفاخر به بين الأمم.

  وقد صنع مجد أم كلثوم الملحنون الذين شدت بألحانهم. فنجد أنها قد أعجبت بشدة بصوت وألحان الشيخ أبو العلا محمد, وغنت ألحانه قبل أن تراه, ثم صار خير معلم ومرشد لها في مجال الفن. وبعد ذلك يأتي دور عدد كبير من عباقرة الملحنين الذين قدموا ألحانهم لحنجرتها الفريدة, فكانت خير من غنى وأعظم من عبر. وهؤلاء الملحنون هم على التوالي بترتيب دخولهم لحياتها الفنية: أحمد صبري النجريدي (1924)- محمد القصبجي (1924)- داود حسني (1930)- زكريا أحمد (1931)- رياض السنباطي (1937)- فريد غصن (1942)- محمد الموجي (1954)- كمال الطويل (1956)- بليغ حمدي (1960)- محمد عبد الوهاب (1964)- سيد مكاوي (1972).

  ولا يفوتني هنا أن أذكر أن أم كلثوم قد قامت بتلحين عملين لنفسه هما طقطوقة (على عيني الهجر ده مني) تأليف أحمد رامي (سجلت على أسطوانة عام 1928), والمونولوج الغنائي (يا نسيم الفجر ريان الندى) تأليف أحمد رامي (سجل على أسطوانة عام 1935), ولكن أم كلثوم آثرت أن تتفرغ للغناء الذي برعت فيه, ولم تستمر في التلحين إيمانا منها بالتخصص.

  وقد غنت أم كلثوم قصيدة ( أراك عصى الدمع) لأبى فراس الحمداني ثلاث مرات لتلاثة ملحنين مختلفين, فقد غنتها عام (1926) من تلحين عبده الحامولي وسجلت على أسطوانة , وفي عام 1944 غنتها من تلحين الشيخ زكريا أحمد (ولكنها لم تسجل) وجاء اللحن الثالث لرياض السنباطي عام 1964. وكذلك فقد غنت أم كلثوم تسع قصائد من ألحان الشيخ أبو العلا محمد كان قد لحنها لنفسه وسجلها على أسطوانات استمعت إليها أم كلثوم في صباها, وعندما التقيا فيما بعد سمح لها بتسجيل تلك القصائد الغنائية على أسطوانات.

  ولدت أم كلثوم في الثلاثين من ديسمبر 1898, بقرية طماي الزهايرة مركز السنبلاوين بالدقهلية بجمهورية مصر العربية, كان والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي منشداً للقصائد الدينية وقصة الولد النبوي الشريف. دخلت أم كلثوم الكتاب لتحفظ القرآن الكريم , وعندما بلغت التاسعة من عمرها بدأت تغني في أفراح القرية والقرى المجاورة لها, مع والدها وشقيقها خالد, وابن عمها صابر, ثم انتقلت للغناء من القرى إلى عواصم المديريات. وكان غناؤها في ذلك الوقت مقتصرا على القصائد والموشحات الدينية. وقد أتاحت هذه الخبرات المبكرة لأم كلثوم أن تضع أساسا متينا لتكوينها الفني, لأن غناء تلك الأعمال قد صقل حنجرتها  وجعلها تمر بالصعوبات الفنية التي يمكن أن تقابلها في حياتها الفنية فيما بعد, من حيث القفزات اللحنية والانتقالات المقامية, واداء الجمل الغنائية الطويلة دون قطعها للتنفس, بالإضافة إلى صقل لغتها العربية من خلال حفظها للقرآن الكريم, وغنائها للشعر الديني.

  وفي عام 1916 التقت أم كلثوم بالشيخ أبو العلا محمد, وعن طريقه جاءت إلى القاهرة وأحيت أحد الأفراح, ثم عادت إليها بعد ذلك عدة مرات إلى أن استقرت بها فيما بعد. وبعدها تولى الشيخ أبو العلا محمد تعليمها وقاد خطواتها الأولى نحو النجاح على أساس فني سليم, وجعلها تنتقل من مرحلة غناء القصائد الدينية إلى الغناء العاطفي الراقي الذي يأخذ بمجامع القلوب.

  وفي عام 1924 ظهر الملحن الأول في حياة أم كلثوم الفنية وهو طبيب أسنان من مدينة طنطا, وكان هاويا للموسيقى والغناء, واسمه أحمد بري النجريدي, ووضع لها ألحانا تفيض رقة وعذوبة, ركز فيها على إظهار طبيعة صوتها , وإمكانياتها في الأداء. وقد غنت أم كلثوم من ألحانه أحد عشر عملا سجلته على أسطوانات نذكر منها ( الفل والياسمين والورد- يا كروان والنبي سلم- خايف يكون حبك في شفقة عليّ- شفت بعيني ما حدش قاللي- يا ستي ليه المكايدة- كم بعثنا مع النسيم سلاما- مال فتنت بلحظك الفتاك) .

وفي عام 1924 أيضا جاء دور الملحن الثاني في حياة أم كلثوم الفنية وهو الملحن المجدد محمد القصبجي (1892- 1966) الذي آمن بصوتها, ولحن لها (73) لحنا فقدم لها ألحانا تبرز إمكانياتها الصوتية الثرية. ومن ألحانه لها نذكر (قال إيه حلف ما يكلمنيش- إن حالي في هواها عجب- صحيح خصامك ولا هزار – قلبك غدر بي ورماني- أحبك وانت مش داري- إن كنت أسامح وانسى الأسية- الشك يحيي الغرام- انت فاكراني ولا ناسياني- محتار يا ناس في دي الغرام- نور عيني- مادام تحب بتنكر ليه- رق الحبيب- نورك يا ست الكل نور حينا- يا صباح الخير ياللي معانا).

  وفي عام 1930 ظهر الملحن الثالث في حياة أم كلثوم الفنية وهو الملحن داود حسني (1871-1937) الذي قدم لها أحدى عشر لحنا نذكر منها (شرف حبيب القلب بعد غياب –البعد علمني السهر- جنة نعيمي في هواكي- قلبي عرف معنى الأشواق- روحي وروحك في امتزاج).

  وفي عام 1931 ظهر في حياتها الفنية الملحن الرابع وهو الشيخ زكريا أحمد (1896-1961) الذي قدم لها ستة وستين لحنا نذكر منها (كل الأحبة اتنين اتنين- حبيبي يسعد أوقاته- أنا في انتظارك- برضاك يا خالقي- أهل الهوى –الورد الجميل- اللي حبك يا هناه- عادي ليالي الهنا- بكره السفر بكره- جمالك ربنا يزيده- ليه عزيز دمعي تذله- العزول فايق ورايق- إمتى الهوى ييجي سوا- هو ده يخلص من الله- الليل يطول ويكيدني- هو صحيح الهوى غلاب). كما أنه لحن الثنائي الذي غنته مع المطرب الكبير إبراهيم حمودة في فيلم (عايدة) عام 1942.

  وفي عام 1937 تعاونت أم كلثوم مع الملحن الخامس في حياتها الفنية وهو الملحن رياض السنباطي (1906-1981) الذي قدم لها مائة وثلاثة من الألحان نذكر منها (إفرح يا قلبي- النوم يداعب عيون حبيبي- فاكر لما كنت جنبي- غلبت أصالح في روحي- أصون كرامتي قبل حبي- سهران لوحدي- يا ظالمني- مصر التي في خاطري- عودت عيني على رؤياك- هجرتك يمكن أنسى هواك – حيرت قلبي معاك- أقبل الليل- سلوا قلبي- من أي عهد في القرى تتدفق- ولد الهدى- إلى عرفات الله يا خير زائر- شمس الأصيل- الحب كده- القلب يعشق كل جميل –لسه فاكر- تائب تجري دموعي ندما- طوف وشوف- ح سيبك للزمن- الأطلال- ثورة الشك- من أجل عينيك- ثوار- راجعين بقوة السلاح).

  وفي عام 1942 غنت أم كلثوم أغنية واحدة لملحنها السادس فريد غصن وهي (وقفت أودع حبيبي).

  وفي عام 1954 بدأت أم كلثوم تعاونها مع أول الملحنين الشبان, فغنت لملحنها السابع محمد الموجي (1923- 1995) تسعة ألحان هي (يا مصر إن الحق جاء فاستقبلي فجر الرجاء- محلاك يا مصري وانت ع الدفة- أوقدوا الشموس وانقروا الدفوف- سألت عن الحب أهل الهوى- بالسلام إحنا بدينا بالسلام- للصبر حدود- يا صوت بلدنا يا صوت جهادنا- يا سلام على الأمة في وحدة كلمتها- اسأل روحك).

  وفي عام 1956 تعاونت أم كلثوم مع ملحنها الثامن كمال الطويل (1922- 2003) الذي قدم لها ثلاثة ألحانا هي (والله زمان يا سلاحي- غريب على باب الرجاء- لغيرك ما مددت يدا). وفي عام 1960 تعاونت أم كلثوم مع ملحنها التاسع بليغ حمدي (1931- 1993) الذي قدم لها أحدى عشر لحنا هي (حب إيه اللي انت جاي تقول عليه- أنا وانت ظلمنا الحب- أنساك يا سلام- كل ليلة وكل يوم- سيرة الحب- بعيد عنك- فات الميعاد- ألف ليلة وليلة- الحب كله- إنا فدائيون- حكم علينا الهوى).

  وفي عام 1964 جاء اللقاء الكبير الذي أطلق عليه الكاتب الصحفي المعروف جليل البنداري آنذاك (لقاء السحاب) بين أم كلثوم وملحنها العاشر موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب (1897-1991) الذي قدم لها عسر ألحان هي (انت عمري- على باب مصر- أمل حياتي- انت الحب- فكروني- هذه ليلتي- ودارت الأيام- أغدا ألقاك- ليلة حب- أصبح عندي الآن بندقية). وفي عام 1972 جاء اللقاء الفني بين أم كلثوم وملحنها الحادي عشر والأخير وهو الشيخ سيد مكاوي الذي غنت له لحنا واحداً هو (يا مسهرني).

 وقد قامت أم كلثوم ببطولة ستة أفلام هي على التوالي:  وداد (1936)- نشيد الأمل (1937)- دنانير (1940)- عايدة (1942)- سلامة (1945)- فاطمة (1947).

 وقد غنت أم كلثوم كل أشكال الغناء العربي, كما أن أعمالها الغنائية تناولت كل الموضوعات : (العاطفية – الوصفية- الدينية- الوطنية) مع غناء كلمات رفيعة المستوى كتبها كبار الشعراء. وكان حفلها في الخميس الأول من كل شهر في موسمها الغنائي, مناسبة يجتمع حولها العالم العربي من المحيط إلى الخليج ليستمتع بغنائها. ولا يمكن أن ينسى أي مواطن مصري أو عربي الجهد الوطني الخارج الذي قامت به أم كلثوم عقب هزيمة 1967, وما بذلته لدعم المجهود الحربي من خلال الحفلات التي أقامتها وحملة التبرعات التي قادتها.

وقد حظيت أم كلثوم بالتكريم الرسمي والشعبي, ومن أهم الأوسمة التي حصلت عليها من الملوك والرؤساء في العالم العربي والغربي نذكر منها:

<!--[if !supportLists]-->-         <!--[endif]-->نيشان الكمال (1944) مصر.

<!--[if !supportLists]-->-         <!--[endif]-->وسام النيل.

<!--[if !supportLists]-->-         <!--[endif]-->نيشان الرافدين من الدرجة الأولى,من الملك فيصل ملك العراق (1946).

<!--[if !supportLists]-->-         <!--[endif]-->وسام الأرز اللبناني (1955).

<!--[if !supportLists]-->-         <!--[endif]-->وسام النهضة من ملك الأردن (1955).

<!--[if !supportLists]-->-         <!--[endif]-->وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى من الرئيس السوري هاشم الأتاسي (1955).

<!--[if !supportLists]-->-         <!--[endif]-->وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى (1960).

<!--[if !supportLists]-->-         <!--[endif]-->وسام الجمهورية الكبر من تونس (1968).

<!--[if !supportLists]-->-         <!--[endif]-->وسام الكفاءة العسكري المغربي.

<!--[if !supportLists]-->-         <!--[endif]-->وسام الاستحقاق من لبنان (1968).

<!--[if !supportLists]-->-         <!--[endif]-->جائزة الدولة التقديرية (1968) وقد تبرعت بقيمتها المالية (2500 جنية) لصالح صندوق معاشات الفنانين).

<!--[if !supportLists]-->-         <!--[endif]-->وسام (نجمة الامتياز)من باكستان.

<!--[if !supportLists]-->-         <!--[endif]-->وفي يناير عام 1972 منحت لقب (فنانة الشعب).

وفي الثالث من فبراير عام 1975 رحلت أم كلثوم عن عالمنا, فاهتزت كل الأوساط الفنية في مصر والعالم العربي والعالم الخارجي لوفاتها. رحمها الله رحمه واسعة جزاء ما قدمت من فن رفيع وتراث سيظل منارة في الحياة الموسيقية المصرية والعربية. وبعد رحيل أم كلثوم قدم عنها المسلسل التليفزيوني (أم كلثوم) الذي ألفه الكاتب الكبير محفوظ عبد الرحمن وأخرجته المخرجة المبدعة إنعام محمد علي, وجسدت شخصية أم كلثوم الفنانة صابرين, كما قدم فيلم (كوكب الشرق) الذي أخرجه المخرج الكبير محمد فاضل وقامت فيه بدور أم كلثوم الفنانة فردوس عبد الحميد. وقبل ذلك قدم فيلم تسجيلي فرنسي عن أم كلثوم, وقد ظهرت العديد من الكتب والدراسات التي ألقت المزيد من الأضواء على حياة وأعمال كوكب الشرق أم كلثوم, بالإضافة غلى العديد من التسجيلات الإذاعية معها. وفي الثامن والعشرين من ديسمبر 2001 قامت السيدة سوزان مبارك حرم السيد محمد حسني مبارك الرئيس الأسبق بافتتاح متحف أم كلثوم بقصر المانسترلي بحي المنيل بالقاهرة.

   وأخيرا ما المطلوب من أجهزة الإعلام والثقافة في ذكرى أم كلثوم وغيرها من كبار الفنانين .. المطلوب أن تقدم البرامج الإذاعية والتليفزيونية وأن تنشر الدراسات في الصحف والمجلات ويتم تقديم الأعمال الفنية التي بسببها دخل الفنان التاريخ, حتى تتعرفها الأجيال المتعاقبة, وأدعو أن تزيد كل الأجهزة المعنية, من دورها الفعال بالتعريف بكبار فنانينا, وأنا أعرف أنها تقوم بجهد مشكور ولكنني أطلب المزيد للحفاظ على تراثنا الفني.

 

بقلم/ د. زين نصار

المصدر/ مجلة الهلال 

 

 

 

 

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

5,944,158