بعد إطلاق ألبومه «فرنسا بالألوان» عام 2007 لم يطرح الفنان الأمازيغي العالمي حميد شريت (1949) المعروف بإيدير، ألبوماً جديداً، لكن أجندته الفنية تضعه على لائحة الموسيقيين المطلوبين في مهرجانات فرنسا والمغرب.

أخيراً، في فبراير/ شباط المنصرم أفرج عن ألبومه السادس الذي سبق الإعلان عنه أواخر 2012 عبر الموقع الشخصي IDIR-OFFICIE.

الألبوم حمل عنوان «أذرار إنو» ويعني في الأمازيغية جبال بلادي، وهو عنوان أغنية ضمن الألبوم كان قد أطلقها قبل شهور قليلة في SINGLE بتوزيع جديد يختلف عن الذي قدمه عام 1996 في جينريك فيلم «ماشاهو» للمخرج الجزائري بلقاسم حجاج.

إحدى عشرة أغنية تضمنها الألبوم الجديد تشكل مواضيعها سيرة ذاتية لهذا المغني المثقف. ما يجعلها أغنيات حكائية، كونها تعود للتاريخ استدعاء لذكريات طفولية، وللأسطورة باحثة عن براءة طفل أفروديت، وفي هذه العودة تتداخل الموسيقى بالانتماء لتقدم هذا العمل كجسر يصل بين غربة فنان صاحب قضية وحنين مستمر إلى المكان الأصل المدون بين سفوح جبال جرجرة وصراخ قممها التي يستوحي منها أنغامه التقليدية. فيما يتعلق بالهوية الأمازيغية، وتوثيق الانتماء وحمايته من الطمس والمغالطات، يكسر هذا الألبوم من جديد حاجز الصمت بانتقاء جيد للقصائد حيث يواصل عراب الأغنية الأمازيغية الاستناد إلى نصوص الكاتب مولود معمري (1917 - 1989) أحد أبرز الباحثين في اللسانيات الأمازيغية. هذا الإخلاص للتراث والانفتاح على قوالب موسيقية غربية، مكن من تقاسم قضية مصيرية في محافل موسيقى الشعوب.

فنياً، وكعادة توزيعاته الموسيقية حافظ إيدير في ألبومه «أذرار إنو» على جو من الأصالة باعتماده على إيقاعات البندير وأنغام الناي والغيطة، وكذا المقامات الموسيقية ذات الطابع القبائلي. على أن هذه العناصر الأصيلة تتآلف فيما بينها لتشكل الأساس أو الخلفية التي تُمزج فيها عناصر الموسيقى الغربية بما فيها الكلاسيكية، من إيقاعات ومقامات وآلات كالباص والقيثارة أو الكلارينيت، حيث يستعين إيدير في عمله الجديد بنشيد الفرح لبتهوفن، ويستوحي نغم أغنيته «متعة الحب» من ألفيس بريسلي، وفي «الزمن يتغير» يتطلع إلى إعلاء صوته عائداً إلى إيقاعات الكاليبسو (انتشرت في الجزائر في الخمسينيات والستينيات على يد المغني القبائلي أحسن مزاني)، ليستدعي هذا الإيقاع الشعبي المرتبط باضطهاد المزارعين الأفارقة في جزيرة ترينيداد في البحر الكاريبي. كما اعتمد في أغنية «لنحلم بعالم أفضل» على نغم إيرلندي (يعود إلى القرن 17 اشتهر مع سايمون آند غارفانكيل).
ومعروف عن النصوص الأمازيغية تشبعها بالطبيعة والتأمل والحكمة والحكي، ذلك أنها نابعة من بيئة بدوية مكتفية بذاتها. وفي هذا الألبوم تتجلى الأغنية كبطاقة تعريف ثقافية، أو سيرة ذاتية منقوشة في الذاكرة، غايتها الاعتراف والحكي ووصف العابر والباقي، وإخراج المأسور في القبائل إلى العلن.

بين أفراح وأحزان تتبادل الأنغام دور الشاهد والناقل للعاطفة الإنسانية، وبين الذاكرة والجبل ورثاء الصحراء أنغام مرحة توصل المغني بابنته نينا، يحكي لها عن صباه وسط عظمة المناظر الطبيعية في مسقط رأسه «أيت لحسين» الملهمة الفنية لأنغام هذا الألبوم المليء بالألوان والشموس والمشاعر الأسرية. في أغنية «بدون ابنتي» يعترف إيدير بأن نينا ابنته ألفت موسيقى الأغنية. كان هذا النغم بالنسبة له دافعاً ليترك الأفكار التقليدية التي تبث القلق في عينيه، إنه يرى ابنته تذهب إلى أسرة أخرى، ويتساءل إن كان بإمكانه أن يصبح صديق الرجل الذي اختارته..

من الحنين تنبثق موسيقى معظمم الأغاني لتلم الشمل، في «متعة الحب» يستعيد إيدير ليالي الاختباء تحت الأغطية والإنصات لحكايا الأميرات على لسان الجدة. وفي «7 أولاد» يتواصل البحث عن محطات الفرح وبواعثه من خلال إعادة توزيع أغنية عاطفية قديمة يحتفل بها النساء ويزغردن على إثرها في الأعراس. لكن التذكير بأسباب الفرح الأمازيغي سواء في الأفراح أو الدفء العائلي لا يخلو من افتقاد وأحزان لا تنسى يسترجعها إيدير في أغنية «ولادة العالم» أو قصة اختفاء الأم، امرأة تكتب الشعر وعلمته الكثير، وفي هذه الأغنية تعبير عن عالمية الأمومة الذي أحب مشاركته عبر صوت اختفى لكنه ما نريد سماعه حتى النهاية.


سيرة وقضية

مزج إيدير بين موسيقى أشويق البربرية والنمط الكلاسيكي الغربي وثقافات موسيقية عديدة، وقد سبقه إلى هذا التآلف رواد خمسينيات وستينيات القرن الماضي كنوارة وولتاش أرزقي، وشريف خدام، وصولاً إلى السبعينيات وما بعدها حيث لمع صوت إيدير مع آخرين كإبرنيس، وحميد مجاهد، وسيفاكس... لكن إيدير الذي غنى بداية لهوية واحدة سرعان ما انصهرت في ألحانه هويات العالم. بين سفره إلى فرنسا سنة 1975، تاركا تخصصه في الجيولوجيا، وبين أغنيته الأسطورية «أفافا ينوفا» (عمرها 37 سنة وترجمت إلى 23 لغة) محطة فاصلة، نقلته من وظيفة وسط فيافي البترول والغاز جنوب الجزائر إلى مدينة الأنوار. وهكذا توالت تنقيباته الموسيقية لتضع هذا المغني القبائلي المعارض والمدافع عن الثقافة الأمازيغية في مصاف الفنانين البارزين بصفته واحداً من دعاة السلام والحرية. كان الحفل الوحيد الذي أحياه في موطنه عام 1979، ومنذ ذلك الحين يرفض إيدير دعوات المشاركة في مهرجانات بلاده.

قياساً بشهرته ومسيرته الفنية الطويلة، لم يسجل إيدير الكثير من الألبومات. صاحب «أسندو» و«زويت رويت» و«أزواو»، وأغاني عديدة لم يمنع النص الأمازيغي انتشارها في المنطقة المغاربية وأوروبا، من الفنانين العالميين الذين لا تنتهي صلاحية أغانيهم: «أفافا ينوفا» 1976، «أيا راش ناغ» 1979، «صيادو النور» 1993، «هويات» 1999، «فرنسا بالألوان» 2007 ألبومات معدودة أبقت على طراوتها طيلة أكثر من عقدين من الاحتراف الموسيقي.

 

بقلم/ محسن العتيقي

المصدر / مجلة الدوحة مايو 2013-05-29

 

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,013,703