**" على الزيبق " شجع الناس على الخروج في مظاهرة

لم يكن السامري يعرف يسرى الجندي فقد كان مؤلفا جديدا لم يستقر اسمه بعد في عالم التأليف المسرحي ، وكان اتيا من دمياط يحمل بين دفتيه نصا جديدا ، استقبله السامري في مكتبه وكان وقتها مديرا لمسرح السامر واخذ مسرحية " على الزيبق" منه ، لكن الجندي اصر على قراءتها له بنفسه وكان اللقاء على احد المقاهي القريبة من السامر ، مقهى الحيثية وبدأ الجندي في القراءة وقتها شعر السامري ان يسرى الجندي لابد وانه كان ممثلا او عالما بفنون الاداء فألقاؤه جميل وصوته معبر عن دراما النص وهو ما ساعد السامري على الاعجاب بالنص.

الية تنفيذ النصوص وقتها لم تكن بالتعقيد التي هي عليه الان لذا فقد بدأت بروفات النص سريعا وكان حماس الفريق دافعا كبيرا في خروج العروض للنور ، كان عبد العزيز عبد الظاهر يكتب الأغاني ، على سعد يلحن ، فتحية الطنطاوي ، سهير طه حسين ، ممدوح قاسم .... واخرون هم ابطال العرض ولم تكن تهمهم جميعا الاجور ، احيانا كانوا يتقاضون جزءا منها واحيانا يعملون بالمجان.

وتم الانتهاء من البروفات وقدم العرض على مسرح السامر وحقق نجاحا كبيرا فقد كان رهاننا الأساسي داخل العرض يقوم على فكرة ابتعاث اشطر شطار السيرة ورؤية السيرة ورؤية ما اذا كان قادرا بمفرده على الانقاذ ام لا.

الرؤية التي تضمنها العرض والتي اردنا التنويه من خلالها عن جدوى البطل الجمعي وسقوط فكرة البطل الفرد وعلى هذا يرى السامري ان التعامل مع التراث هو اعادة قراءة له لزرعه في الحاضر بمفهوم جديد.....

وعرض " على الزيبق " يعطى تعليقا على الواقع ويقدم في نفس الوقت فرجة غنائية شعبية استعراضية وهو ما تفاعل معه جمهور العرض لدرجة كبيرة كان من اثارها خروج الناس الى الشارع في شكل مظاهرة تنادى بالبحث عن اسباب الهزيمة وكان من الطبيعي جدا ان يتعرض الامن لمسيرة هذه التظاهرات وقتها كانت قبضة الامن قوية علينا وتفاعل الناس مع العرض اكبر من قدرتنا على منعهم لذا رأى سعد الدين وهبة ضرورة تجوال العرض في الاقاليم المختلفة درءا للمشاكل مع الامن.

كان وهبة محنكا ، لم يمنع العرض فيكتسب بالمنع نجاحات جديدة وانما زايد على نجاحه فاكتسب هو نجاحا جديدا ، وتجول العرض في العديد من محافظات مصر ، مسح الخريطة كلها من دمياط الى اسوان ، ظل ستة اشهر بين الناس في الشوارع ، المسارح ، الاجران ، الساحات ، الاماكن المؤهلة للعرض وغير المؤهلة ، وكانت الفرقة المكونة من مائة وعشرين فردا تسكن تارة في فندق ، واخرى في الشارع.

وفكرة انتشار العروض وتجوالها في الاقاليم هي فكرة هامة جدا وضرورية ولا تحتاج لميزانيات كبيرة ، فقط تحتاج لمن يستطيع تفهم قيمتها وبذل بعض الجهد في سبيلها ومن اهم الطرائف التي صادفت فريق "على الزيبق " في سفرياته عبر المحافظات المختلفة كان حكايتهم مع محافظ المنيا ، فقد تم ابلاغهم وهم في الطريق اليه قادمون من اسيوط انه يرفض استقبالهم فهو لا يريد تقديم العرض في المنيا فقد وصلت اليه اخباره والمظاهرات التي خرجت الى الشارع بسببه لذا فقد اثر الرجل السلامة ونهى الامر ، لكن السامري عقد العزم على تقديم العرض بدون اية استضافة واختار جمعية الشبان المسلمين مكانا لعرضه ونصب ديكوراته والاته واستعد لتقديم العرض.

وبعد ان انهى المحافظ اللواء محمد يسرى قنصوه اعماله اليومية واطمأن الى ان عرض " على الزيبق " لم يدخل المنيا غادر الرجل مكتبه وفى طريقه الى منزله وجد ازدحاما شديدا امام جمعية الشبان المسلمين فسأل سكرتيريه عن السبب فلم يعرف ، فتوقف الرجل وسأل المارة فقالوا له الحقيقة : هنا عرض مسرحي قادم من القاهرة فتوجه المحافظ الى شباك التذاكر ودفع جنيها واحدا ثمنا لتذكرتين له وللسكرتير ، هذا بالرغم من ان الخدمة التي نقدمها كانت مجانية الا عدم الاستضافة اضطرت السامري وفرقته  الى ذلك لكى تستطيع ان تجد طعاما للعشاء وبدأ العرض وبعد الفصل الاول وجد السامري مجموعة من المتفرجين يحملونه بين ايديهم ويضعونه امام المحافظ واذا بالسامري يجد امامه المحافظ وقد بدا كطفل صغير يبكى ، لقد هزته وقائع العرض بعنف وخاصة ونحن في اشد لحظات الانكسار في عام 1972 تغير موقف المحافظ من النقيض الى النقيض وفتح الرجل مكتبه لجميع اعضاء الفرقة بعد انتهاء العرض وامر بتسكين الجميع في لوكاندات المنيا واقامتهم على نفقة المحافظة لمدة اسبوع كامل ، وفى اليوم التالي ذهب اليه السامري وطلب منه المحافظ تقديم العرض في استاد المنيا الرياضي " عبد الحكيم عامر " وهنا فتح السامري عينيه على اخرهما فكيف يقدم عرضه داخل الاستاد؟ !

بعد تفكير اهتدى السامري الى صيغة فرجوية تضمن له تحريك ممثليه مساحات واسعة داخل جزء من مساحة الاستاد بينما يجلس المتفرجون حول العرض وعلى ارتفاعات مختلفة ، كانت كل التجهيزات بدائية وبالرغم من ذلك استطاع العرض ببدائيته هذه من الوصول الى الناس وحضره يوميا ما يزيد على خمسة عشر الف متفرج من المنيا ومن القرى المجاورة ، وخارج الاستاد وبجوار بوابته الكبيرة تجمع باعة الحلوى ، وبعض المراجيح فاصبح لدينا بهذا عرضان مسرحيان احدهما للسامري والاخر عبارة عن مولد خارج الاستاد حتى ان البعض اسموه "مولد على الزيبق"

بعد اربع ليال تجمع افراد الفريق داخل احد الاوتوبيسات استعدادا للانطلاق الى القاهرة واذا بهم يفاجئون بطفل صغير لم يتجاوز سنواته العشر يجلس معهم ، فلما سألوه من انت وماذا تريد ؟ قال لهم اسمى محمد واريد ان اسافر معكم الى القاهرة لقد احببت المسرح واريد العمل معكم ولم تفلح محاولات الجميع في اثناء هذا الفتى عن رغبته واخذوه معهم الفعل الى القاهرة والحقه السامري بوظيفة مساعد كهربائي في مسرح السامر الى ان اصبح هذا الفتى الان هو محمد عبد السلام فنى الصوت والاضاءة بالمسرح العائم!!

 

بقلم/ ابراهيم الحسيني

المصدر/ جريدة مسرحنا العدد 105

13 من يوليو 2009

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,945,956