انتصرت إلف ليلة وليلة على أعداء التنوير بحكم قضائي مصري نبيل أطلق لها حرية التحليق والإمتاع لتكمل الملحمة الفذة مسيرتها العالمية كأحد أهم الروافد والمؤثرات الراسخة على الابداع العالمي كله ، حيث انتقلت عبر الترجمة إلى لغات عديدة تمكنت من خلالها النفاذ إلى مخيلة المبدعين والقراء ومن ثم تأصيل مكانتها لديهم ، وقد برز اسم عالم الآثار المصرية والمستشرق البريطاني ادوارد ويليام لين 1801-1876 كأحد أهم من ترجموا إلف ليلة وليلة إلى الانجليزية باعتبارها احد النفائس الشرقية التي يستحق الغرب إن يعرفها والتي كان لها اكبر الأثر على إبداعه القديم والمعاصر.

الخيال...تلك هي النزهة المشوقة التي تتيحها إلف ليلة وليلة لمن يقرؤها بالإضافة إلى ما تحتويه من حكم مقرونة بحيوات شخوصها العديدة المثيرة التي أطلقتها شهرزاد من رحم بعضها البعض كل ليلة في ولاداتها المتجددة للخيال السخي عبر إلف ليلة وليلة من محاولات تأجيل مقتلها المنتظر بتطوير الحكاية التي راقت للملك شهريار وساهمت شيئا فشيئا في تحوله من سافك لدماء زوجاته العذراوات السابقات إلى عاشق مأسور بحواديت حبيبته شهرزاد.

وباسم الدفاع عن الأخلاق والدين ارتفعت بعض الأصوات التي تندد بألف ليلة وليلة فئ نسختها الأخيرة الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة وهى النسخة التي صدرت لأول مرة بمطبعة بولاق سنة 1252ه وتصدرتها الجملة التالية: مقابلة وتصحيح الشيخ محمد قطة العدوى ولعلها إشارة ذات دلالة تنبئ بسعة عقل ورحابة أفق شيوخ الأمس أمام قتامة التفكير الحالي للمتأسلمين.

ونعود إلى ادوارد ويليام لين العلامة البريطاني المتخصص في الآثار المصرية والذي قام بمعايشة المجتمع المصري أبان القرن الـ 19 ليقوم قبل ترجمة إلف ليلة وليلة إلى الانجليزية بتأليف بعض الكتب المهمة عن المجتمع والحياة في مصر أهمها كتاب يعاد طبعه كثيرا إلى ألان وهو " السلوك والعادات في مصر الحديثة ( 1836 ) والذي يعتبر دراسة متعمقة لمجتمع شرقي أوسطى عربي أما كتابه " وصف مصر " الذي أعيد طبعه عام 2000 فهو كتاب قيم يدل على سعة علم ومعرفة وريادة ادوارد لين في علم الآثار المصرية كأحد مؤسسيه وكذلك مكانته كمستشرق.

وتعتبر ترجمة ادوارد لين لمقاطع من القران الكريم من ابرز منتجاته للتواصل مع الحضارة الشرقية العربية كما انه وضع قاموس عربي انجليزي من جزءين ، أما إلف ليلة وليلة فقد اتكأ في ترجمتها إلى الانجليزية على عدة نسخ أبرزها كلكتا الهندية ونسخة برسلو على أن أهم نسخة اعتمد عليها هي نسخة مطبعة بولاق المصرية وهى النسخة ذاتها التى أعادت هيئة قصور الثقافة طباعتها مؤخرا والتي أطلق عليها ادوارد لين احد الأمجاد المتوجة في مطبعة الباشا محمد على والذي رأى لين أنها الأفضل بين كل النسخ المطبوعة عن إلف ليلة وليلة حيث قام بتصحيحها ومراجعتها احد أصحاب العلم المرموقين هو الشيخ عبد الرحمن الصفتى الشرقاوي الذي كان قد قام بدوره بمراجعة وتنقيح نسخة كلكتا الهندية قبل نقلها إلى العربية وبالتالي كانت بين يدي لين كعالم وأستاذ جليل زى خبرة سليمة ، المادة المطلوبة للترجمة والتي تعد بانجاز ادوارد لين أول ترجمة مباشرة من العربية إلى الانجليزية لألف ليلة وليلة.

ورغم إلمام ادوارد لين باللغة العربية والعامية المصرية إلا انه واجه بعض الصعوبات في ترجمة إلف ليلة وليلة لكونها مكتوبة بلغة عربية وسطى وبمزيج مثير من العناصر الكلاسيكية القديمة و العامية المعاصرة وقتها ، وقد وجد ادوارد لين العودة المطلوب من خلال صديقه الشيخ محمد الطنطاوي الذي قام بتبسيط النص وتذليل مصاعبه على هوامش الكتاب العربي الذي كان ادوارد لين يترجمه للانجليزية في نسخة تخص لين عن مطبعة بولاق وهى مازالت موجودة فى مكتبة جامعة كامبريدج تنتظر ان تعين الباحثين من دارسي اللغة العربية هناك..وقد طبعت الليالي في نسختها الانجليزية بترجمة ادوارد لين بين مايو 1838 وديسمبر 1840.

كانت مراجعات ادوارد لين على النص العربي لألف ليلة أثناء ترجمته إلى الانجليزية تجنح إلى التحسين للأفضل ويذكر الكاتب جيسون تومسون في كتابه عن ادوارد ويليام لين الصادر عن مطبعة الجامعة الأمريكية بالقاهرة أن لين كان أحيانا يتصرف بحكمة إزاء ترجمة بعض التعبيرات الروائية فعلى سبيل المثال في قصة صيد السمك والجني يتكلم الأول عن ولده بقوله انه " روح كبدي " وذلك في المسودة الأولى لليالي لكن لين تدارك التعبير بأخر مناسب وأفضل هو " الروح الحية لقلبي " في مزيج من لغة ذات روح لاتينية انجليلية تناسب قراء عصره حتى أن احد القراء قال معلقا ان مستر لين حفظ غرائب الطابع الشرقي ويمكننا أن نتخيل أن شرقيا يحدثنا باللغة الانجليزية بدلا من العربية.

ولاعتنائه بالنسق والشكل أيضا ... قام ادوارد لين ببعض التغييرات التي رآها ضرورية ففي نهاية كل ليلة من الليالي الألف وعادة في منتصف الحكاية تتوقف شهرزاد عند مطلع الفجر ويقول الراوي : وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح وقد أضاف لين سطورا أخرى جاء فيها : وبذلك واصلت شهرزاد إثارة اهتمام لملك شهريار بحكاياتها لتحثه ليلة بعد ليلة على تأجيل قتلها في توقع لان ينفد رصيدها من الحكايات المسلية عن قريب ولم يكن هدف ادوارد لين من ترجمة إلف ليلة وليلة هو تحقيق التميز الادبى ، وحتى في البداية لم يكن مكترثا بتقديمها كعمل مهم إلى العامة من القراء الانجليز بل رأى الليالي لمدى ابعد من ذلك فقد كان مقتنعا بتقديم صور محببة للسلوك والعادات العربية وخصوصا المصريين وأراد ان يقدم ترجمة تعرض هذه الصور بوضوح بقدر الإمكان.

عاش ادوارد لين حياة المصريين وارتدى زيهم وجاور عمائرهم الأثرية حتى انه كان يقيم في احدي المقابر الأثرية بجوار منطقة الأهرامات وأبو الهول والتي كانت تعرف بالأمس مثل اليوم " نزلة السمان " ، يصف لين المكان يوم 17 ديسمبر 1825 حيث ذهب بصحبة خادميه محمد وحسن منبهرا ومشدوها بعظمة الأهرامات الثلاثة التي أطلت على السهل الخصيب أسفلها وقد غمرته مياه الفيضان وكان لين قد عزم على البدء في مخطوط كتابه القيم وصف مصر ويصف لين المقبرة الأثرية التي عاش فيها بأنها كانت مقبضه بعض الشيء ثم بعد كنس الأرضية وفرشها بسجادة ومرتبة وعلى ضوء شمعة بدا المكان أكثر حميمية مع وجود البايب الخاص بى واشيائى الخاصة معلقة على مشاجب في الحائط وخارج الباب صنعت لي مساحة أمامية متسعة شرفة ظليلة كانت تحيد عنها الشمس فاجلس فيها ( يوم الكريسماس ) لأدخن واشرب قهوتي الصباحية.

أما مظهره في تلك الفترة فكان ملائما لمزاجه وحالته المعيشية حيث فضل أن يرتدى ملابس البدو الفضفاضة التي أتاحت له سهولة الحركة داخل الأهرامات والمقابر كما فضل أن يسير حافي القدمين حيث وجد ذلك أفضل فى الأرض الرملية التي تملا مدخل الهرم الأكبر وبعد أيام قليلة وجروح سطحية في قدمه أصبحت قدماه محصنتين ضد أقسى الحجار ، وقد عزل لين نفسه بسهولة من حياة المدينة القاهرية وتحصن بالمؤن والأغذية كالبيض واللبن والزبد ولحم الجمال وهى الأشياء التي اشتراها من القرى المجاورة والتي كان أقربها يبعد عن مقره التاريخي بنحو ميل واحد وكان إذا احتاج للخبز يؤجر من يخبزه له وكان بمقدوره ان يحصل على الأشياء الرفاهية ولكنه خشي أن تلهيه الرفاهية عن عمله.

وقد قام ادوار لين باستئجار اثنين من رجال البدو من اقرب قرية كى يناما عند باب المقبرة التي يعيش فيها تحسبا لهجوم بدو آخرين عليه.

وقد اطلع لين على سيرة أبو زيد الهلالي أو السيرة الهلالية من بعض رواتها على مقاهي القاهرة ومن احد الجنود الفارين من جيش محمد على باشا والذي لجأ طالبا الإقامة معه في المقبرة الأثرية حيث كان لين يسمعه كل مساء ينشد مقاطع من السيرة الهلالية التي اعتبرها لين ذات ميزة أدبية معتبرة وهى برأيه سجل للسلوك والعادات البدوية وقد كتب لين فصلا كاملا عن السيرة الهلالية في كتابه " المصريون المعاصرون " ألا أن بقاءه في المقبرة الأثرية وطوافه اليومي المتجدد بمنطقة الأهرامات وما يحيطها من مصاطب ومقابر مكنت ادوارد لين خلال أسبوعين من العمل المكثف من رسم خريطة لكل الموقع ورسم لوحات عديدة أكثرها شديدة الجودة ، كما قام بقياس دقيق لكثير من الآثار وقام بتجهيز وصف تفصيلي للأهرامات الثلاثة الكبرى الأساسية وأبو الهول واختبر عدة مصاطب مهمة في الجبانة الشرقية والغربية والمقابر المنحوتة من الحجر خلف أبو الهول وقد جاءت نتيجة متفوقة على ما سبقها من تجارب غربية في مجال علم الآثار المصرية وبالتحديد الموسوعة الفرنسية التي تحمل وصف مصر أيضا.

وكان ادوارد لين معنيا جدا بالآثار المصرية القديمة وكان عند بداية قدومه إلى مصر يكرس أكثر من نصف وقته للآثار الفرعونية ولانجاز كتابه الثرى وصف مصر إلى جانب اهتمامه أيضا بالمجتمع العربي المعاصر وباللغة العربية التي مكنته من انجاز ألف ليلة وليلة .

وقد كان لين مولعا بالحضرة المهيبة لمشهد الأهرامات فوق التل الشامخ وكان يذهب مع بزوغ الفجر قبل انفراج الضوء وتوهجهه إلى الهرم الأكبر بصحبة خادمه ليشهد غروب القمر وشروق الشمس على الجسد المهيب للهرم الأكبر حيث تكون الرياح قوية والصقيع شديدا لكنه يصمد لأجل سحر اللحظة.

من القاهرة إلى النوبة .... من مصر الفرعونية إلى القاهرة الشعبية ... فتح ادوارد وليام لين عقله وقلبه للحضارة السخية بمعابدها وأهراماتها ومآذنها وكنائسها ليضع أكثر كتبه أهمية عنها بعين عاشق مبهور يسكب السحر في قلمه ليسبى الأفئدة وينقل فضل الثقافة الشرقية بترجمة رفيعة للنص العالمي الأبهى : ألف ليلة وليلة حيث در الحكى والقه البراق .... ولتكون انجازاته جسرا للتواصل بين الحضارة الشرقية و الغربية بوعي و تنوير.

 

بقلم/أمل فؤاد

 المصدر/ مجلة أخر ساعة

30 يونيو 2010

 

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,077,220