يعتمد منهج الناقد الكبير الراحل فاروق عبد القادر (1939-2010) علي تقنية إعادة السرد – أى عرض وقائع العمل الفني بأحداثه وشخوصه وعلاقته بالبنية الاجتماعية السياسية، وألتزم بمنهجه القائم علي الشفافية والالتزام في تناوله للأعمال الإبداعية المسرحية، والقائم علي أرضية أيديولوجية تنحو نحو اليسار، وتمسك بهذه الأرضية في كتاباته النقدية .. ففي كتابه "ازدهار وسقوط المسرح المصري" (دار الفكر المعاصر -1979) – علي سيبل المثال- يشير إلى أن المسرح المصري بدأ في القرن التاسع عشر بعيداَ عن احتياجاتهم، وظل المسرح كذلك حتي ثلاثينيات القرن العشرين حين قدم اعمالا تلفت الانتباه إلى أن في تاريخ مصر لحظات مجيدة في الماضي – لكنه كان – يعني كذلك صرف الأنتباه عن (الواقع) وقضاياه، وهو ما كان يعني الناقد الجاد – إلى أن ظهر ثلاثة مسرحيين هم: (علي الكسار، ونجيب الريحاني، ويوسف وهبي) .. إلى أن يتوقف عند توفيق الحكيم – ليؤكد هنا إلى أنه مازال بحاجة لدراسة (أيديولوجية)- هذه (الدراسة الأيديولوجية)التي ألتزم بها وتناول بها أعمال الحكيم ومن جاءوا بعد (الحكيم) بعدة أجيال بالتحليل والنقد، ولم يسمح لنفسه – يوما ما – أن يكتب نقداَ انطباعياَ أو متابعة متعجلة، وأشار إلى أن الحكيم كان لديه القدرة علي (التكيف) كما بدا في أعماله الاجتماعية بعد عام 1952، وإنه لم يتخل عن القواعد الرئيسية التي أقام عليها عالمه – الذي كان قد أكتمل تماما قبل 1952 – حيث كان قد أختار أن يجعل الحياة والفن علي طرفي نقيض، والإنسان والفنان علي طرفي نقيض، وأنه قد فشل كرومانتيكي متمرد- في أن يرفض المجتمع الذي يحتقر الفن الحقيقي، والذي كان لا يري في (التشخيص) غير المهانة..

ونلاحظ ان الناقد الكبير يتوقف طويلا عند أحداث ما بعد حركة الجيش في 23 يوليو 1952 – حيث يري أن ( مجموعة عبد الناصر) قد نجحت داخل مجلس قيادة الثورة وخارجه- أن تقصي اليسار واليمين مع آواخر 1954، وبدأت تمسك أعنة السلطة بأيد قوية، وتحاول أن تعيد صياغة أسس الواقع المصري سياسيا واقتصاديا، ويتعرض لأعمال (نعمان عاشور، وألفريد فرج، ولطفي الخولي، وسعد وهبه، وعبد الرحمن الشرقاوي، وميخائيل رومان) في بداباتهم، وفي الوقت نفسه يقدم المسرح الحر مسرحية "الفرشة" لرشاد رشدي، ويري أن الذي كان يجمع هؤلاء هو أنهم أبناء الجيل الذي تفتح وعيه أثناء السنوات من 1945 حتي 1952، وأنهم التحموا في حركة ثقافية شاملة تمثلت في وجوه الإبداع المتعددة، وأن المسرح (قد أفاد من الظروف المواتية بعد يوليو 1952 – وهي تلك (السماحة) التي ميزت النظام الناصري في سنواته الأولي، وكذا الطابع النقدي الذي طبع الثقافة المصرية حتي أوائل الستينيات – والناقد الكبير – هنا – لم ينتبه إلى أن تلك (السماحة) كانت بهدف توظيف المسرح في الترويج لشعارات النظام والتبرير لكا إجراءاته التي يتخذها، لذا يري ناقدنا أن مسرح هؤلاء، مسرح أمن، لا يدعو لشئ ولا يبشر بشئ، وأن نبئوته بالمستقبل قد أصبح حاضراَ بالفعل، وأن هؤلاء قد بدأوا واقعيين فيما عدا (ألفريد فرج)الذي بدأ بمسرحية "سقوط فرعون"، وأن مقومات مسرحياته الأساسية فيما بعد – هي الابتعاد من أجل الأقتراب، ومفارقة الواقع وتجريده مما هو عابر ومباشر من أجل العودة إلية أصفي وأكثر تركيزاَ، وطرح قضاياه الأساسية من ولاء قناع عصر آخر – ورغم إعجاب الناقد بألفريد فرج وخاصة بمسرحيته "سليمان الحلبي" لأنها عمل متقن البناء رائع الحوار. وقد ظل ناقدنا الكبير فاروق عبد القادر يركز نقده علي الواقع السياسي الاقتصادي وتحوله، ويسترجع في كتاباته حملة النظام الناصري الواسعة النطاق في يناير 1959 والتي شنها ضد الماركسيين واليساريين والتقدميين – الذين كانوا – بما يكتبون – يشيعون – ملمحا هاما من ملامح الثقافة في المرحلة السابقة، وتلي ذلك عودة شرائح البرجوازية الكبيرة التي أضرت بمصالحها قرارات التأميم في يوليو 1961 – في فترة منتصف الستينيات – مستفيدة من الصراعات بين أجنحة النظام المتعددة ، مع اتفاقها جميعا – علي الخوف من حركة الجماهير واللجوء إلى الأجهزة ووسائل القمع لإسكات الأصوات المعارضة، وانضمت إلى تلك الشرائح القديمة قطاعات جديدة فيما يمكن أن نسميه (الفئات العليا) في المجتمع الجديد، وانضم إليهم أغنياء الريف والعاملون في القطاع الخاص بأنشطته المختلفة – إلى جانب كبار الموظفين والتكنوقراط .. ولكن هؤلاء جميعاَ لا يشكلون (طبقة) بالمعني المحدد للتعريف – لكنهم (يمثلون مجموعة فئات غير متجانسة، جماعات ذات امتيازات .. محددة الأفق والذكاء، غليظة الذوق والحس، شرهة إلى مظاهر الترف والاستهلاك اليومي – بلا ثقافة ولا عظمة)، وهذه الفئات هي – السيد الجديد وكان من الطبيعي أن تتسع – كيميا – أدوات الثقافة، وحفل الكثير منها بأفكار وآراء دراسات ضد الفكر التقدمي .. سواء في مجال النشر والصحافة والسينما، و(المسرح) الذي أصابه التوسع الكمي المفاجئ في القطاع الخاص والعام .. فخلق طبقة من الطفيليين الذين لا يربطهم بالفن أى رابط في التأليف والترجمة والتمثيل والإعداد والتنفيذ، ورغم هذه الظروف فإنه يحتفي بظهور (محمود دياب)، وصلاح عبد الصبور، وشوقي عبد الحكيم، ونجيب سرور، لكنه يتحفظ علي (علي سالم) – الذي بدت في مسرحياته تمييع الصراع وخلط الأوراق بالإضافة إلى مساهمته في تدعيم المسرح التجاري، وفي هذه المرحلة يشير إلى صعود كل من (هب ودب) إلى المسرح.

ففي تلك السنوات ظهرالكثير من الصحفيين والكتاب وأصحاب الأركان وكل من يستطيع تسويد الصفحات، والعاملين في مؤسسة المسرح ومدرسي الأدب بالجامعة وغيرهم – إلى أن تنزل بنا هزيمة يونيو 1967 كالصاعقة فيتخذ المسرح مظهرين مترابطين: الأول هو ازدهار المسرح التجاري، والثاني: هو ما يمكن أن ندعوه بـ " مسرحيات السلطة" حتي أوائل السبعينيات حين سيطر علي الأعمال المسرحية افتقاد العلاقة بقضايا الواقع، والدوران حول موضوع الصراع الطبقي، ومحاولة الخلط بين أطرافه وإزاحة العدو الحقيقي لحساب طرف من الأطراف هو: جمهور القطاع الأكبر من الطبقة الوسطي في العاصمة، واعتماد – الصدفة – وسيلة لحل مشاكل الحياة، ومشروعية كل الوسائل لتحقيق هدف الصعود، وذر بعض النقدات الجزئية حول بعض مظاهر الفساد في الواقع، وهي سمات ذلك النشاط المسرحي التجاري الذي يكاد ينفرد بالساحة ذي الطابع الرأسمالي والطفيلي حتي أصبح يعمل فوق (11) خشبة مسرح من (14) خشبة مسرح كانت تملكها الدولة، وهي المسارح التي كانت تتسلق المشاكل التي طرحها واقع ما بعد هزيمة 1967، يتسلقها كي يميعها ويزيح مركز الثقل عنها إلى قضايا جانبية..

وفي هذا المناخ – مناخ آواخر الستينيات وأوائل السبعينيات – نلمح تناول فاروق عبد القادر – للمسرح عندما ضرب مثالا بمسرحية "بلدي يا بلدي" 1968 لرشاد رشدي – فيكشف عن وجه المؤلف الذي يحتقر جماهير الناس في حركتهم اليومية، ولا يري فيهم إلا غوغاء تسعي إلى إشباع البطن والفرج، ويتعرض لمسرحية يوسف إدريس "الجنس الثالث" 1971 – فيري أن من الصعب أن نلم نثارها وسط أكوام الكلمات التي لا تبني موقفا أو تدمع حدثا إلى الأمام .. لكننا نشير هنا إلى احتفائه ببعض الأعمال المسرحية التي قدمت بعد هزيمة 1967 مثل :"العرضحالجي" لميخائيل رومان ، و"المسامير" لسعد وهبه، والنار والزيتون" لألفريد فرج، ورغم منهجه الأيديولوجي القائم علي تحليل الأداء السياسي للأعمال الإبداعية التي يتناولها – إلا أنه – في تصوري – لم يفطن إلى أن هذه الأعمال قدمت كنوع من التنفيس وانفشاء ما يمكن أن يعتمل في الصدور من الغضب بسبب هزيمة يونيو المفكرة .. لكنه ألتفت جيدا إلى المسرحيات التي قدمت في احتفالات انتصار أكتوبر إذ يشير إلى أنه كانت هناك حساسية مفرطة تجاه أن يقدم خلال قنوات التوصيل فكر غير الفكر الرسمي فتصدي لكتابتها من يجلسون علي قمة السلطة الثقافية، ويضرب مثالا علي ذلك بمسرحية "شهرزاد" 1976 لرشاد رشدي – بأنها تشير بوضوح إلى أن شهرزاد  - أي (مصر) ظلت عشرين عاما أسيرة في قبضة الطاغية (شهريار) أي (عبد الناصر) لا هي تحبه، ولا هو يطلق سراحها حتي جاء حبيبها الشاطر حسن!..

أما في السبعينيات والثمانينيات وما تلي ذلك فقد واصل تناوله للأعمال المسرحية بنفس منهجة الأيديولجي في الأعمال التي قدمتها الأجيال التالية مثل أعمال الفرسان الثلاثة تلاميذه د.رشاد رشدي – الدكاتره (سمير سرحان، عبد العزيز حمودة، محمد عناني) وبالإضافة إلى الدكتور فوزي فهمي – في سلسلة من المقالات بعنوان (هؤلاء الكتاب ومسرحهم الزائف) نشرها في مجلة "المنار" وأكملها في مجلة "الكرمل" الفلسطينية _ إلى أن نشرها في كتاب بعنوان "رؤية الواقع وهموم الثورة المحاصرة" (بيروت 1990)

وفيها يكشف دور أعمالهم المسرحية في التكريس للسلطة الجديدة، وأن هذه الأعمال لا تهدف إلا إلى تزييف الواقع .. ومن ثم تغييب الوعي، وأن هذه الأعمال هي جزء من سلبية الثقافة ..

لذا كان ناقدنا الكبير فاروق عبد القادر متفردا في منهجه النقدي – الذي اتسم بالجدة والجرأة دون حسابات شخصية .. حريصاَ علي شفافيته والتزامه حتي ولو كان المنهج الذي اتبعه لم يكن ليتيح له (الحيادية) المرتبطة – دائما بالشفافية ..

 

 

بقلم / عبد الغني داود

المصدر / جريدة مسرحنا. العدد / 156

5 من يوليو 2010

 

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,689,784