أصبحت البرامج الحاوية للقتل والتدمير والضرب والسطو والهجوم على الشرطة وشتى أنواع العنف ظاهرة خطيرة ومريبة في التلفزيون، وغيره من وسائل الإعلام، وانتشرت هذه البرامج انتشاراً سريعاً وكبيراً، وصار كثير من المخرجين لا يقبلون عملاً إلا إذا حوى هذه المشاهد المثيرة، وكذلك أيضاً صارت بعض المحطات التلفزيونية ترفض الأعمال الدرامية إذا خلت من مواقف العنف، ولم يكن كل ذلك إلا طمعاً في الربح المادي، أو طمعاً في أمور أخرى أفضلها كسب المال بأي طريق كان.

ومما لا ريب فيه أن هذه المشاهد كان لها أثرها الخطير في تربية الشباب، فتأثيرها ثبت من خلال دراسات كثيرة، وخاصة عند التعرض المنتظم لها، حيث كانت عاملاً مهماً في نشوء السلوك العدواني عند الأطفال.

"وقد نشرت منظمة (الائتلاف الدولي ضد العنف التلفزيوني) بحثاً استغرق إجراؤه (22) عاماً، أظهر الأثر التراكمي للتلفزيون الذي يمتد حتى عشرين سنة لتظهر نتائجه.

قال البحث: هناك علاقة مباشرة بين أفلام العنف التلفزيوني في الستينات، وارتفاع الجريمة في السبعينات والثمانينات، وقالت المنظمة إن ما يتراوح بين (25% و50%) من أعمال العنف في سائر أنحاء العالم سببها مشاهد العنف في التلفزيون والسينما.. وأن العروض التلفزيونية الأمريكية العنيفة التي تُعرض في أنحاء العالم، ساعدت على انتشار الجريمة. ويقول الدكتور (رويل هيوزمان): إن ذلك يجعل الأطفال يكتسبون عادات عدوانية، بحيث يصبحون عندما تتقدم بهم السن، أكثر ميلاً إلى الأعمال الإجرامية." (مروان كجك، الأسرة المسلمة أمام الفيديو والتلفزيون، الرياض، دار طيبة، ط2، 1408هـ/1988م، ص129).

وهناك بحوث كثيرة تؤكد أن رؤية هذه المشاهد العنيفة في التلفزيون لها تأثير طويل المدى على الطفل، وربما صارت له صفة ملازمة لا يستطيع التخلي عنها. (انظر: أمل دكاك، الإعلام العلمي والجمهور، تونس، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1994م، عنوان المقال: وسائل الاتصال الجماهيري والتنشئة العلمية للطفل العربي، ص151).

مما جعل بعض العلماء الإعلاميين يقول: "إذا كان السجن هو المدرسة الإعدادية للجريمة، فإن التلفزيون هو المدرسة الثانوية لها، إن لم يكن جامعة الجريمة أيضاً.. ومعنى ذلك أن وسائل الإعلام قد تقوي من الرغبات المنحرفة والميول المريضة بين الأطفال والمراهقين والشباب." (محمد منير سعد الدين، الإعلام قراءة في الإعلام المعاصر والإسلامي، بيروت، دار بيروت المحروسة، ط2، 1418هـ/1998م، ص182).

ونظراً لهذه الخطورة الظاهرة "شَنَّ مسؤولون بريطانيون حملة للحدّ من برامج العنف في وسائل الإعلام، وخاصة برامج التلفزيون، وذلك لحماية الأطفال من تأثيرها السيئ على نفسياتهم وسلوكهم." (مروان كجك، الأسرة المسلمة أمام الفيديو والتلفزيون، (مرجع سابق)، ص132).

وحسبنا كي نعرف مدى انتشار هذه الأفلام أن نجلس يوماً من الأيام أمام التلفزيون، ونقلب في محطاته العربية والأجنبية، فلا تكاد تخلو قناة من الأفلام الأمريكية، التي تُعْتَبَر مَشاهِد العنف والإثارة من أولى صفاتها.

"ويرى مراقبون كثر أن التلفزة الفرنسية تأتي في الدرجة الثانية بين الدول ناشرة العنف، بعد الولايات المتحدة الأمريكية. وفي إحصائية خلال أسبوع واحد للتلفزيون الفرنسي تبين أنه ورد فيه: (67) حالة قتل، و(15) حالة اغتصاب، و(848) اشتباكاً بالأيدي، و(419) اشتباكاً بالبنادق أو انفجاراً، و(14) عملية اختطاف، و(11) عملية سلب، و(8) انتحارات، و(32) عملية أخذ رهائن، و(27) مشهد تعذيب جسدي، و(18) حالة إدمان على المخدرات، و(9) حالات خلع وكسر، و(13) محاولة خنق، و(11) مشهداً حربياً، و(111) حالة من التعري الكامل، و(20) مشهداً غرامياً مبالغاً فيه. ويتعرض الناشئ الجالس أمام التلفزة الفرنسية على مدى ساعتين أسبوعياً إلى ارتشاف مائة ألف من أعمال العنف قبل قبوله سن الرشد.

والطفل الأمريكي لا يكاد يبلغ سن الثانية عشرة حتى يكون قد استهلك (12000) حالة قتل متلفزة، أي بمعدل ست حالات قتل كل ساعة، وقد أحصيت هذه الأرقام كمعدل لدراسة (15000) أسرة." (نزها الخوري، أثر التلفزيون في تربية المراهقين، بيروت، دار الفكر اللبناني، ط1، 1997م، ص194).

والأطفال بعد هذه المشاهدة يقومون من بين يدي هذا الجهاز المعلِّم ليطبقوا ما تعلموه من أبطال الأفلام، وذلك عن طريق التقليد والمحاكاة.

والحوادث التي تقع نتيجة لذلك كثيرة، وتحدث في كل البلاد، فمن هذه الحوادث أنه "كثرت في حي معين في إحدى المدن الأمريكية حوادث إصابة الأطفال بجروح وكسور في مؤخرة الرأس، وحوِّلت حالات متتابعة إلى المستشفى القريب، واسترعى هذا نظر الجهاز الطبي فيها، وأجرى بحثاً عاجلاً لمعرفة السبب، فظهر أن فيلماً معيناً شاهده الأطفال وتأثروا به، وفيه مشهد شاب قوي الجسم، تَعَوَّد أن ينتصر على زملائه بأن يطرح أحدهم أرضاً، ثم يضرب مؤخرة الرأس في حافة رصيف الطريق." (مروان كجك، الأسرة المسلمة أمام الفيديو والتلفزيون، (مرجع سابق)، ص134).

ومن هذه الحوادث أيضاً "ما جرى في مدينة القاهرة، وتحديداً في منطقة (حلوان) جنوب القاهرة، حيث تعرضت سبع مدارس فيها لأعمال تخريبية وحرائق في أيام متباينة، خلال ساعات الليل، وكان الجناة يكتبون بعض الكلمات على لوحات المدارس، مما جعل أطباء النفس والأمنيين يتفقون على صفتها أنها أعمال صبيانية، جاءت تقليداً لشخصيات إجرامية.

وبعد أربعة أسابيع كُشفت حقيقة الخبر، وتبين أن أربعة تلاميذ وغلامين آخرين كانوا وراء الجريمة، واعترفوا أنهم ارتكبوا هذه الحوادث مقلدين بها المسلسل التلفزيوني الذي كان يعرض حينها." (المرجع نفسه، (بتصرف)، ص138- 141).

وقد أجرى علماء النفس بعض التجارب على الأطفال ليشاهدوا تأثير برامج العنف عليهم، كان منها أنهم "عرضوا واحداً من الأفلام العنيفة على مجموعة من الأطفال، ثم قدمت لهم دمىً تشبه تلك التي عرضت في الفيلم، فعاملوها كما عاملها الممثلون، فمزقوها إرباً إرباً، وأعطيت نسخ أخرى من هذه الدمى لأطفال لم يشاهدوا الفيلم، فلم يعاملوها بعنف." (المرجع نفسه، ص132).

ومن الأمور المدهشة أن هذه الأفلام لم تؤثِّر فقط في عنصر الذكور، لأن بعضهم يرون أن هذه الأفلام تناسب الذكور، الذين يحبون العنف واستعراض القوة، حيث يجدون ضالتهم فيها، وتغذي عندهم الميول العدوانية.. ولكنها أثرت في عنصر النساء، واستطاعت هذه الأفلام أن تعبث بفطرة المرأة وعقلها ونفسيتها، وأصبحنا نسمع أخبار عصابات من النساء، تحمل السلاح، وتقوم بالقتل، أو الإيذاء الجسدي.

ففي بريطانيا مثلاً "نرى أن عصابات المراهقات والنساء تهدد أمن لندن، وأن نسبة الجرائم التي ترتكبها الفتيات أكثر من الجرائم التي يرتكبها الفتيان، ويرجع السبب في ذلك- حسب قولهم- إلى الحرية الفردية التي يتمتعن بها، ولبرامج التلفزيون الشاذة، ولأماكن اللهو والخمر." (إعداد دار طويق للنشر، المسلمون في مواجهة البث المباشر، الرياض، دار طويق للنشر، ط1، 1417هـ/1996م، ص67).

ومن هذه الأخبار أن "عصابة مسلحة مؤلفة من ثماني نسوة سطت على عشرة منازل في قرية (بانيرا) بولاية البنغال الغربية في الهند، وسلبت ما فيها، ونقلت وكالة الأنباء الهندية عن مصادر للشرطة قولها: إن هذه العصابة اصطدمت بأصحاب البيوت المنهوبة، مما أدى إلى جرح خمسة رجال، وأضافت المصادر أن هؤلاء النساء اصطدمن في طريق عودتهن وهن يحملن المسروقات بدورية مسلحة للشرطة، حيث جرى تبادل إطلاق النار بين الطرفين، وانتهى بإلقاء القبض على العصابة.

وتشير الدراسات التي أجريت في البنغال، وفي كثير من الدول الغربية أن ظاهرة العنف تفشت مؤخراً في المجتمعات الحديثة، نظراً لانتشار موجة أفلام العنف والرعب، واعتماد أفراد الأسرة على التلفزيون والفيديو إلى حدٍّ كبير في تمضية وقت الفراغ، بدلاً من اللجوء إلى الهوايات والقراءات المفيدة، مثلما كان يحدث في الماضي." (مروان كجك، الأسرة المسلمة أمام الفيديو والتلفزيون، (مرجع سابق)، ص143).

والمشكلة في هذا اللون من الأفلام والمسلسلات أن المفاهيم فيها مقلوبة، فهي تصور المجرمين "أذكياء أشداء نشطين، ويحصلون على المال بأقل الجهود، ويناورون رجال الشرطة، بل يغلبونهم في كثير من الأحيان، ولولا المصادفة أحياناً، أو الاستعانة بمخبر سري، أو انفراط عقد العصابة لما تمكنت الأجهزة الأمنية من القبض أو القضاء عليهم،" (المرجع نفسه، ص137) وتصور أيضاً الشرطة بالأغبياء الذين يمكن مكرهم والتحايل عليهم، كما توهم المشاهد أنه لا يوجد قضاء ولا حكومة، وأن قانون الحياة هو قانون الغابة والسمك.

وقد أطلق اسم جامعة الجريمة على التلفزيون، لما فيه من خطر يهدد البشرية.

أما الدراسات في هذا الموضوع فقد خرجت بنتائج تتلخص فيما يلي: (محمد بن عبد الرحمن الحضيف، كيف تؤثر وسائل الإعلام، الرياض، مكتبة العبيكان، ط1، 1415هـ/1994م، ص72)

1_ إن الأطفال يتعلمون العنف من خلال ملاحظة أشخاص يقومون به في وسائل الإعلام.

2_ إن الجمهور الذي يتعرض لوسائل الإعلام غالباً ما يقلد العنف الواقعي، وليس العنف الخيالي، فالعنف الذي يمكن أن يقع في حياة الناس اليومية، كالمشاجرات واستخدام الأسلحة مثل الآلات الحادة والمسدسات، إضافة إلى المطاردات التي تستخدم فيها السيارات وغيرها من أنواع العنف الواقعي، هو الذي أثبتت الدراسات أن النسبة الكبرى من الجمهور تتعلمه، وتميل إلى تقليده، أما العنف الذي تعرضه بعض قصص الخيال العلمي وحرب النجوم، وغيره من أنواع العنف الذي هو من صنع خيال الإنسان، ولم يشاهد مثله في الواقع، فإن نسبة من يعمد إلى تقليده من الجمهور قليلة جداً.

3_ إن الفرد يتعلم العنف من وسائل الإعلام، لكنه لا يعمد إلى محاكاته وتقليده إلا في حالات الإحباط النفسي، وحينما تستثار عواطفه ومشاعر السخط والغضب لديه؛ أي أن الإنسان لا يعمد إلى تطبيق السلوك العدواني الذي لاحظه في وسائل الإعلام تلقائياً وبشكل مباشر، إن الذي يحدث أن الإنسان في حالة الهياج العاطفي، كالغضب والتوترات النفسية التي تحدث له لأي سبب من الأسباب، يسترجع ما لاحظه واستوعبه في ذاكرته من مشاهد العنف التي عرضتها وسائل الإعلام، وسائل الإعلام هنا قد لا يكون دورها دفع الفرد إلى ممارسة العنف، وإنما مثلت مرجعية لذلك الفرد في نوع العنف الذي يمكن أن يقوم به في مثل هذه الحالات، وكيف يقوم به، وربما كيف يفلت من العواقب التي تترتب على ممارسة سلوك عنيف مثل هذا الذي قام به.

4_ إن تكرار التعرض لمشاهد العنف في وسائل الإعلام يؤدي إلى تبلد أحاسيس الناس تجاه العنف والسلوك العدواني.

وعدم المبالاة وانعدام الإحساس تجاه السلوك العنيف الذي تعرضه وسائل الإعلام يجعل الناس أكثر ميلاً إلى التسامح مع العنف بكل أنواعه، وبخاصة ذلك الذي يحدث في الواقع المعيش، كما أن مداومة التعرض للسلوكيات العنيفة التي تقدمها وسائل الإعلام يولد لدى الناس الاستعداد لارتكاب أعمال عنف، فمثلاً يؤدي الاستمرار في مشاهدة الأفلام التي تعرض الجريمة بكافة أشكالها العنيفة إلى وصول الفرد إلى حالة يهون فيها من شأن الجريمة، فلا يعود يثير لديه أي اهتمام تصاعد مستوى الجريمة في المجتمع، بسبب تبلد إحساسه، إضافة إلى أن بعض الأفراد قد يتأثرون بقدرات وذكاء المجرم، كما تعرضه الوسيلة الإعلامية فيتقمصون شخصيته، وقد يحاكون نتيجة لذلك بعض السلوكيات العنيفة.

5_ إنه لم يثبت كما تقول إحدى الفرضيات أن مشاهدة مناظر العنف في وسائل الإعلام تؤدي إلى التنفيس عن مشاعر العنف والعدوانية التي تكون مختزنة داخل نفس الإنسان، لقد كان الظن من قبل أن الإنسان ذا النزعة العدوانية والميل إلى العنف يجد متنفساً في التعرض لوسائل الإعلام التي تعرض الممارسات العنيفة، لكن الدراسات أثبتت أن مثل هذا التعرض لا يُنَفِّس عن الفرد بقدر ما يدفعه ويحرضه على ممارسة السلوك العنيف

المصدر: المصدر : الدكتور احمد كناكر www.kanaker.com

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,646,281