عدنان مدانات
 

 

لا توجد صياغات وتقنيات محددة ودقيقة لشكل كتابة وصياغة الحكاية يمكن تعليمها لكي يسترشد هواة صنع الأفلام بها، وذلك على العكس من السيناريو السينمائي (للفيلم الروائي تحديداً)، الذي يمكن تعليم كيفية صياغته عن طريق تقطيع أحداثه إلى لقطات متفاوتة الحجم وزاوية الرؤية (لقطة قريبة، متوسطة أو بعيدة)، ومشاهد يتم تحديد زمن ومكان الحدث فيها (نهاري خارجي)، ووصف أِشكال حركة الكاميرا (ثابتة، استعراضية)، وكيفية تحديد الانتقال من لقطة إلى أخرى (قطع، مزج)، هذا بالإضافة إلى وصف العلاقة بين الصور والأصوات على أنواعها.

يتعلم الكثيرون في العالم العربي، محترفون وهواة، كيفية التعامل مع تقنيات كتابة السيناريو، من خلال المعاهد أو ورشات العمل أو حتى الجرأة الشخصية على الكتابة، وهناك العديد من كتاب السيناريو في العالم العربي إضافة إلى المخرجين الذين يكتبون بأنفسهم سيناريوهات أفلامهم، ولكن، بالرغم من هذا الخير الوفير كله، فثمة إقرار عام بأن ضعف السيناريوهات من الأسباب البنيوية التي تشكل أحد أهم جوانب أزمة السينما العربية المعاصرة، ليس فقط سينما الهواة أو المبتدئين، بل أيضا سينما المحترفين.

يوجد في هذا الإقرار بعض الصواب ولكن ليس كله، فأزمة السيناريوهات لا تكمن في طريقة كتابتها، فالجميع صاروا يعرفون كيف يكتب السيناريو، بالمعنى التقني أو الحرفي، بقدر ما تكمن في الأصل الذي يرتكز عليه السيناريو، أي الحكاية، والحكاية تنتمي إلى عالم الأدب قبل أن تنتمي إلى عالم السينما التي وجدت نفسها غير قادرة على التخلص من ضرورة رواية الحكايات، إذ على الرغم من أن السينما وسيلة تعبير بصرية في جوهرها، وهي بهذا تختلف عن الأدب الروائي، إلا أن الأفلام تظل، مع ذلك، تروي حكايات.

يمكن تصنيف مشكلة السينما العربية المتعلقة بضعف السيناريوهات في خانتين، الأولى ترتبط بالسينما التجارية التي غالباً ما ينطلق كتاب سيناريوهات أفلامها من قوالب أو نماذج سائدة ولا يكون همهم الإبداع، على الرغم من أن بعضهم جاءوا إلى السينما من الأدب الروائي الذي سبق لهم أن حققوا فيه انجازات، وترتبط الخانة الثانية بكتاب السيناريو الذين يعتبرون أنفسهم سينمائيين والذين لم يمارس معظمهم كتابة النصوص القصصية أو الروائية سابقا، والذين يتجاهلون القيمة الأدبية ويعطون الأولوية لما يعتبرونه نصا سينمائيا انطلاقا من القناعة بان السينما فن بصري وليست أدباً، ومعظم كتاب هذه الخانة الثانية هم من المخرجين الذين باتوا يكتبون نصوص أفلامهم بأنفسهم فيكتبونها وهم يتصورون في مخيلتهم شكلها الإخراجي، أي يخرجون على الورق ويفكرون بالحلول البصرية والسمعية ولا يجهدون أنفسهم كثيرا بالبحث عن الحلول السردية والدرامية المناسبة لتطور الأحداث وتشابك العلاقات ونمو الشخصيات.

لا تكفي دراسة تقنيات السينما وكتابة السيناريو للأفلام وحدها لتأهيل الكاتب أو المخرج لإبداع نص روائي سردي أو حكاية تصلح لأن تكون أساساً لسيناريو لفيلم روائي، ذلك لأن كتابة الحكاية، من حيث المبدأ، تحتاج إلى ثقافة وخبرة أدبيتين، هذا إضافة إلى الموهبة الربانية المتعلقة بالقدرة على رواية القصص سواء منها المستمدة من الواقع أو المستمدة من الخيال، وليس كل كتاب السيناريوهات ينطلقون من هذه الأرضية، خاصة منهم المخرجين الذين يكتبون نصوص أفلامهم بأنفسهم ويصنعونها من خارج أطر السينما التجارية السائدة. يستطيع أي كاتب للسيناريو أن يكتب المشهد بطريقة حرفية سليمة، وقد يجد حلولا بصرية مبدعة للمشهد، لكن هذا لن ينقذ الفيلم إن كان مبنياً على أرضية حكاية ضعيفة، غير متماسكة وغير مشوقة، ناهيك، طبعا، عن سطحية الفكرة أو عدم وضوحها أو افتقارها للمصداقية، والأمر كذلك فيما يخص شخصيات الفيلم سواء الرئيسية أو الثانوية.

وفي واقع الحال، يمكن أن نكتشف في أساس كل سيناريو ضعيف ضعفا في الحكاية المروية نتيجة افتقار كاتبه للخبرة أو الموهبة الروائية، كما يمكن أن نكتشف في كل سيناريو سينمائي ضعيف معد أو مقتبس عن رواية جيدة أو محبوكة جيدا ضعفا من كاتب السيناريو المعد أو المقتبس للرواية في فهمها وقصورا في الاقتباس منها، ولا يهم في مثل هذه الأحوال أن يكون الضعف في اقتباس رواية جيدة البناء ناتجا عن ضعف في الفهم والثقافة الأدبية، أو عن ادعاء أن الرؤية الشخصية هي الأهم وليس الالتزام بنص الروائي، أو التبرير بأن وسيلة التعبير في السينما تختلف عنها في الأدب، ففي كل هذه الأحوال يظل ضعف السيناريو ظاهراً في الشكل النهائي للفيلم.

 

المصدر :

http://www.alkhaleej.ae/portal/f4bea1dc-cee6-4f19-bbf3-b3a58b872a32.aspx

  • Currently 272/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
93 تصويتات / 3176 مشاهدة
نشرت فى 6 أغسطس 2009 بواسطة egyptartsacademy

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,288,836