لا يمكن تعريف مصطلح الثقافة الشعبية، فالبعض يعرفه بأنه ثقافة الشخص العادي- العروض التليفزيونية والأفلام والتسجيلات والبرامج الإذاعية والأطعمة والموضة والمجلات والظواهر الأخرى التي تلعب أدوراً مهمة في حياتنا اليومية.

وهناك مقدار كبير من الخلاف حول ماهية الثقافة الشعبية وما ليس بثقافة شعبية وكيف ترتبط بالثقافة الممتازة.

وفي الماضي كانت الثقافة الشعبية ينبذها العديد من الأكاديميين على أنها غير جديرة بالاهتمام، ولقد نظر إلى نصوص الثقافة الشعبية على أنها شيء تافه وأن أولئك الذين يستهلكونها ينظر إليها على أنها مضيعة لوقتهم.

ومن الواضح من وجهة النظر الأدبية أن الكتاب الكوميدي لا يمكن مقارنته مع قصة كتبها هيمنجواي أو دوستوفيسكي، إلا أن هذه المقارنات غير عادلة،  ولا يهتم العلماء الذين درسوا الثقافة الشعبية بالأمور الجمالية. وبدلاً من ذلك فإنهم سيتهمون بالدور الذي تلعبه الثقافة الشعبية في المجتمع وهي نقل الرسائل الأيديولوجية المتضمنة في الثقافة الشعبية والأسلوب الذي تنشأ به الثقافة الشعبية والتأثير النفسي للثقافة الشعبية على الأفراد وتصويرها المرأة وأفراد الجماعات الأخرى (العرقية والعنصرية والاجتماعية والاقتصادية) في نصوص الثقافة الشعبية وهكذا.

ولا يمكن أن تتساوى الثقافة الشعبية مع وسائل الإعلام (على الرغم من أن معظم الثقافة الشعبية يتم بثها عبر وسائل الإعلام) أو بنوعيات شعبية على الرغم من أن الأدب النوعي والمنتجات الدرامية تعد عنصراً مهماً للثقافة الشعبية. ولقد اعتادت السينما أن ينظر إليها على أنها شيء تافه ولكن قد زاد نصيبها في السنوات الأخيرة لتأخذ وضع الوسيلة الأكثر أهمية والقادرة على تقديم أعمال فنية عظيمة (على الرغم من العديد من الأفلام ليست بأي حال من الأحوال بفنون عظيمة).

ويمكن أن يكون النص عملاً للثقافة الشعبية أو الممتازة وذلك بالاعتماد على كاتب الروايات، وفي بعض الحالات فإن أعمال الثقافة الممتازة تؤثر على أعمال الثقافة الشعبية (وعلى سبيل المثال فإن العديد من الأفلام تقوم على الأساطير) بينما سينعكس التأثير في الحالات الأخرى (وعلى سبيل المثال فإن الشخصية الكارتونية- القطة الشقية- كريزي كات) قد تم إدخالها في فن البالية وهو أحد أنواع الفنون الراقية. وينظر إلى بعض الأعمال على أنها ثقافة شعبية قد ارتفعت مؤخراً إلى الثقافة الراقية (مثل يورجي وبيس لـ جريش إن gersh in التي حصلت مؤخراً على مكانة راقية في الأوبرا بينما كانت تعتبر في الماضي كأوبرا شعبية أو مسرحية موسيقية).

متعلقات:

ماذا يقصد بالثقافة الشعبية؟

الثقافة الشعبية Popular culture (أو ثقافة الشعب) هي مجموع العناصر التي تشكل ثقافة المجتمع المسيطرة في أي بلد أو منطقة جغرافية محدودة، غالبا ياستخدام طرق إعلام شعبية، تنتج هذه الثقافة من التفاعلات اليومية بين عناصر المجتمع إضافة لحاجاته ورغباته التي تشكل الحياة اليومية للقطاع الغالب من المجتمع. هذه الثقافة تتضمن أي من الممارسات وعادات الطبخ و المأكولات و الثياب و الإعلام و نواحي التسلية المستخدمة، إضافة للرياضة والأدب. غالبا ما يستخدم مصطلح ثقافة شعبية كمصطلح مضاد ومخالف للثقافة العليا او النخبوية.

هل هناك ثقافة شعبية؟

تنسب ما بعد الحداثة، في شكلها العجول على الأقل, جملة من المفاهيم الى زمن مضى هو: "عصر النهضة" مثل: (الشعب, السياسة, المثقف, التقدم,...) يلتحق بهذه المفاهيم موضوع لا يعوزه الالتباس هو: الثقافة الشعبية، الذي إن لم يبدُ اليوم حقلاً يداعبه النسيان بدا شأناً أكاديمياً متقادماً, أو قريباً من ذلك. يصدر الالتباس الأكيد عن أكثر من اتجاه: فالثقافة الشعبية لم تظفر تاريخياً باستقلالها الذاتي, وهو شــرط وجودهـــا، إلا في مناســـبات قلــيلة, وهي, كما يرى أنصار الحداثة, فقدت اليوم المرجع الذي تحيل عليه أي الشعب, وهي فوق هذا وذاك مضطربة التعريف والموضوع.

فالقول لها قول بثقافة اخرى تغايرها هي: الثقافة الرسمية, وإحالة في الوقت ذاته على الثقافة الأكاديمية أو العالمة، تلك التي ينتجها مختصون يرون في الشعب مادة للدراسة ويعالجون ثقافته بمعايير كُتبيّة. غير أنها على رغم تشتتها في أقاليم مختلفة حاضرة في مجالات قريبة أو متاخمة مثل: الثقافة المحلية والثقافة القومية والوطنية والدين الشعبي... كأن في الثقافة الشعبية ما يعرّفها سلباً مانعاً عنها تعريفاً إيجابياً شاملاً, ورابطاً مصيرها الهش القلق بالمرجع "الشعبى" الذي تنتمي اليه.

في دراسة تتجاوز ثلاث مائة صفحة عنوانها: "أوراق في الثقافة الشعبية" يعطي الباحث المصري عبدالحميد حوّاس كتاباً متعدد الوجوه: فالكتاب مسكون بحنين صاخب عالي الصوت, يربط بين الثقافة الشعبية والذات الوطنية المستقلة، ويربط بين العلاقتين و"نخبة وطنية مستنيرة", رأت مرة في رفاعة الطهطاوي قدوة منيرة لها. والكتاب معزول ومعتزل يجتهد في إيقاظ موضوع مهجور تجتاحه "العولمة" من طرف وتكتسحه "التصورات" التي تنهر كلمة الشعب من طرف آخر. والكتاب أمين نزيه يسائل مواضيعه النظرية والتطبيقية بجدية عالية متنقلاً في فضاء ماضوي أو هكذا يبدو يحتضن الأغاني والأمثال والموالد والأعياد الشعبية والسير, ويتوقف أمام "الأراجوز" وصفحات جميلة من "ألف ليلة وليلة".

والتفاؤل هناك, صريح أم مقنع, يوحي به موضوع دافئ ولا يبخل به باحث يلامس موضوعه بحنان كبير, ويؤمن بآفاق الثقافة العربية. تستدعي هذه العناصر جميعاً موضوع "الثقافة الوطنية", التي عليها أن تنقّب تائهة عن: "الدولة الوطنية" التي طرحت عليها "العولمة" اسئلة قاسية سواء قبلت العولمة بـ"الوطني", أم صيّرته احتمالاً لا أكثر, فإن السؤال الصعب الأول هو: ما هي الثقافة الشعبية؟ والجواب المتوقع هو: "إنها الثقافة التي ينتجها الشعب ويستهلكها الشعب أيضاً".

غير ان في الجواب البسيط سؤالاً أكثر صعوبة هو: هل يوجد الشعب حراً كما يريد أن يكون, أم انه مقيّد أبداً الى سلطة تضع الحدود بين المسموح والممنوع؟ عندها يقع السؤال على إحدى الاجابتين التاليتين, تقول الأولى منها: يقمع النظام السياسي الذي اغتصب إرادة الشعب الثقافة الشعبية ويرى فيها ثقافة خفيضة متسفّلة لا تتفق مع الثقافة الرسمية الرفيعة, وتقول الثانية: تزدهر الثقافة الشعبية في أزمنة الأنظمة المعبّرة عن الإرادة الشعبية. غير ان الإجابة الثانية لا تسير بعيداً لأن النظام الوطني يُدرج الثقافة المقصودة في جهازه الايديولوجي ويحوّلها الى ثقافة سلطوية. بهذا المعنى فإن الثقافة الشعبية قائمة وغير قائمة في آن ينتجها الشعب ويستهلكها أحياناً أو ينتجها الشعب وتستهلكها السلطة كيفما تشاء، إنها ثقافة - احتمال لا أكثر. ولعل وَضْع الثقافة - الاحتمال هو الذي يشرح العلاقة بين الرواية والثقافة الشعبية, ذلك ان الطرفين ينقضان الواقع ويريان اليه بصيغة الجمع المتنوع وإن كان الروائي الملتف بالعزلة والمتخيل والمكر الروائي لا يهدد أحداً.

يخترق الاحتمال وجود الثقافة الشعبية من دون أن يخترق غاياتها. فهي ثقافة تتأسس على "الضدّ" وترى في السلطة الظالمة ضداً لها, سواء كانت سيطرة أجنبية مسلحة أم "سلطة محلية" ورثت ظلم الأجنبي ولم ترث قوته. وهي مشغولة بالقيم الانسانية الخالدة, ترنو الى العدالة وتحتقب في ثناياها "مهدياً منتظراً", وتتطلع الى المساواة وتضع غناء المرأة في مواجهة غناء الرجل وتحتفي بـ"المبروك" من دون أن تسأل عن طائفته. وهي ثقافة جماعية قوامها الحرية, فلا فواصل بين المفرد والمجموع, ولا بين فرق الإنشاد والجمهور, ولا بين مضمون القول والصوت الجماعي القائم فيه. غير ان ما يميز هذه الحرية هي اللغة التي لا تقتصد في "الإفحاش والإقذاع", كما يقول حوّاس, لا حبّاً في البذاءة ولا احتفالاً بالخليع المكشوف, بل رداً على السلطوي المتجهّم المترصّن الكاذب الذي يبارك اللغة المباركة ويمعن في الفحش والعبث في ضمائر البشر. انه انتقال من الرأس الجليل الزائف والذهن المترصّن المتعالي الى عالم الصوت الحر والجسد المتثنّي والأعضاء المستريحة, أو انه انتقال من العالي الشكلاني الى الدنيوي المتعدد في همومه وقضاياه وأفراحه الصغيرة. ولعل هذه المسافة بين المجرد اللغوي والمجسّد الدنيوي هي التي تقيم علاقة أخرى بين الرواية والثقافة الشعبية، وتُدرج تعددية الصوت في علاقات البنية الروائية. ففي اللغة الشعبية، كما في لغة الرواية، يختلط الشفهي بالمكتوب والعامي بالفصيح بعيداً من كل مركز لغوي مكتفٍ بذاته، ومن كل منظور يفاضل بين اللغات ويفاضل أكثر بين البشر.

ينوس وضع الثقافة الشعبية بين رفض سلطوي باتر لها وقبول "وطني" يعيد انتاجها علاقة ثقافية سلطوية أخرى. والعودة الى تاريخها القريب, في شكله العربي يضيء وجوهاً من أحوالها. فقد حرّضت على الاستعمار، كما يشير حوّاس في دراسة متميزة متكئة على تصورات التناظر والتعزيم والسخرية محوّلة حرق الدمية - المستعمِر الى احتفال طقسي جماعي يتوزع على اللهو والكفاح في آن واحد. وإذا كانت هذه الثقافة وجدت في فضاء الكفاح الشعبي - الوطني متنفساً وشرطاً ملائماً لها فإن دولة "الاستقلال الوطني" لوت عنق كثير من عناصرها مكتفية بأسطورة "البطل المخلص" الذي يحتاج اليه الشعب ولا يحتاج الى الشعب. وواقع الأمر أن مصير الثقافة الشعبية في الزمن الذي سبق الاستقلال يساوي كثيراً مصائر علاقات حداثية اخرى مثل: (المثقف والحزب والصحيفة والنقابة) التي اختصرها الاستقلال لاحقاً الى ذكريات بعيدة "غير وطنية".

 ومع تراجع الديموقراطية الذي اتسع بلا انقطاع منذ عام 1967 كما تزايد السيطرة السلطوية على الأجهزة الإعلامية المختلفة التراجع الشعبى سياساً وثقافياً الى حدود الانطفاء تاركاً المكان كله لـ: الجمهور الذين يصير الأغنية الشعبية الى سلعة مشوّهة ويستبدل بالدين الشعبي المتسامح ديناً متعصباً, ويختصر أبا زيد الهلالي الى فُرْجة بائسة المضمون, تنسب الحاضر الى الماضي وتضع في الزمنين بطولات لا حدود لها. ان هزيمة الشعبي المتسامح الطليق امام الجماهيري السلطوي المصنّع والمصطنع اثر للقمع السلطوي المتعدد ومتكأ استراتيجية التحريم الشاسعة, التي ترى في الغناء حراماً وفي الغناء الجماعي المختلط رجساً وفي اللغة العامية دنساً والأعياد الشعبية فسقاً... بهذا المعنى نقضت السلطة الشعب وهزمت ثقافتها الجماهيرية ثقافتَه, وكفرّ الجماهيري المقدس الموسّع الشعب والسلطة والثقافتين الشعبية والجماهيرية في آن.

كيف نتحكم في "الثقافة الشعبية"؟

هناك حديث يومي في الإعلام العربي عن "النخبة" و"الشارع" أو "العامة"، مع ربط النخبة عادة بالثقافة والحكمة والعمق، وربط العموم بالغوغائية والسطحية والجهل. لكن متابعة ما يحصل في عالمنا العربي تؤكد حقيقة أن دور النخبة يتضاءل في مجالات عديدة، ودور العموم يتزايد، وأسهم في ذلك تطور مجالات الترفيه التي ترتبط عادة بالجماهير، ونمو الإعلام الإلكتروني والتفاعلية في الإعلام التلفزيوني والذي سمح لكل إنسان عربي أن يكون له صوته ويشارك في صياغة المعلومات التي تتطاير من حولنا، كما أسهم في ذلك نمو الحس الفردي على المستوى الاجتماعي، ونمو الممارسات الديمقراطية التي تعطي لـ"الشعب" صوته والضعف المتزايد للثقافة النخبوية المرتبطة عادة بالأيدولوجيا أو الأفكار السياسية.

إننا بحاجة إلى الاعتراف بأن لدينا في العالم العربي "ثقافة شعبية" Popular culture تتنامى بشكل سريع في التأثير والتنوع، ورغم أن هناك عشرات الأقسام العلمية في الغرب لدراسة الثقافة الشعبية فإن العالم العربي ليس فيه, حسب ما أعرف, مؤسسة أكاديمية أو ثقافية واحدة تهتم بالثقافة الشعبية، مما تجعلها ككيان هلامي ينمو حولنا دون أن يذكر لنا أحد بأنه موجود!.

إن تجاهل النخبة لـ"الشارع" ورفضهم له خوفا من الطوفان الجارف خطأ فادح، لأن العوامل التي أسهمت في الظاهرة في نمو سريع ومتزايد، ولذا فإن على النخبة أن تعرف "حدودها" الجديدة وتلزم دوائر التأثير الخاصة بها، وتترك الجماهيرية والحظ و"السوبر ستار" للشعب، وعلى "النخبة" أن تعرف مسؤوليتها الجديدة وهي دراسة هذه الظواهر ومتابعة تفاصيلها ودراسة طرق التحكم فيها إيجابيا.

إن واقع التجربة الغربية يؤكد أنه يمكن "هندسة الثقافة الشعبية" والتحكم فيها وتوجيهها وتحويلها لعامل بناء بدلا من أن تكون عامل هدم، وهذا لا يتم بـ"الضغط"، وذلك لأن التجارب تثبت أن الضغط على الثقافة الشعبية لا يلغيها بل يدفعها للتخفي لتتحول لـ "ثقافة تحت الأرض"Underground culture، وهذا أخطر أنواع الثقافة الشعبية وأكثرها تدميرا، لأنها بعيدة عن كل توجيه، وملك لقيادة الشخصيات المؤثرة شديدة السلبية والرفض للمجتمع، ولأنها قد تتجمع شيئا فشيئا حتى تنفجر وتفسد في الأرض ويصبح من المستحيل محاصرتها أو التحكم فيها فضلا عن إصلاحها. هذا طبعا بالإضافة إلى أن التكنولوجيا جعلت من المستحيل التحكم في الثقافة الشعبية، ولذا فعندما تتحدث دراسات "هندسة الثقافة الشعبية" عن التأثير، فهي تتحدث دائما عن التغلغل في وسط دوائر الثقافة الشعبية وتحويلها إيجابيا من الداخل، تماما كما يتم تغيير الجينات وهندستها وراثيا.

فيما يلي بعض الحلول التي أقترحها لـ"هندسة الثقافة الشعبية":

مراعاة التنوع:

الثقافة الشعبية ليست ثقافة واحدة، بل هي مئات من دوائر الثقافات، تتقاطع مع بعضها وتنتشر بطول وعرض "المساحة الشعبية"، والتعامل مع هذه الدوائر بطريقة واحدة دلالة جهل، ولا بد من بناء استراتيجيات متنوعة بتنوع هذه الدوائر، وبتنوع الصفات الديمغرافية للأشخاص الذين ينتمون لهذه الدوائر.

تحويل دوائر الثقافة الشعبية إلى مؤسسات:

تنادي الدراسات بالسماح لدوائر الثقافة الشعبية للتحول لمؤسسات وجمعيات ومجموعات أنشطة. إن التجارب تثبت أن التعامل مع المؤسسة أسهل من التعامل مع الأفراد، والتعامل مع المؤسسة يمكن من إصلاحها ويصلح بذلك معظم أعضاء المؤسسة المخلصين، بينما التعامل مع الفرد صعب ومضيع للوقت. أكثر من ذلك، أثبتت كثير من التجارب التي ركزت على إصلاح مجموعات الثقافة الشعبية السلبية مثل المجموعات العنصرية أن تحويل هذه المجموعات إلى مؤسسات يضعها في الضوء الذي يضطرها لتبرير فلسفتها والدفاع عنها والرد على حجج الرافضين لها، وهذا يؤدي في الغالب إلى سيطرة العناصر الجيدة وموت العناصر البكتيرية في ضوء الشمس وفتح أبواب المؤسسة للإصلاح. وعلى كل حال، فإن أي متخصص في الثقافة الشعبية لن يرضى بإمكانية إصلاح "الشعب" أو "العامة" ما لم تكن لهم أنشطة ثقافية واجتماعية وفكرية بأشكال عديدة تنهك القوى السلبية وتستهلك القوى الحائرة وتترك للقوى الإيجابية عجلة القيادة.

استخدام وسائل الثقافة الشعبية: إنني لا أفهم بأي شكل من الأشكال كيف تتشدق التيارات النخبوية الإيجابية بالرغبة في إصلاح العموم وهي لا تملك قناة فضائية ناجحة، وكيف تدعي الإصلاح وهي لا تملك مجلة مقروءة شعبيا ولا جريدة يومية، ولا حتى تواصلا معقولا مع الدوائر الشعبية. إن هذا حاصل في كثير من الأحيان لأن النخبة لا ترى إلا النخب، وتظن أن وسائل التأثير النخبوية ستصل للعامة، أو أن عصا سحرية ستلامس العامة فتحولهم إلى مستهلكين للوسائل النخبوية.

دراسة الثقافة الشعبية:

دعونا هذه المرة نقف ونرفض أي جهود ليست قائمة على تخطيط ولا دراسات. دراسة الثقافة الشعبية من خلال مراكز أبحاث منظمة أمر لا مهرب منه إذا كنا نريد "هندسة الثقافة الشعبية". أقسام الجامعات الأكاديمية من خلال أقسام الإعلام والاجتماع واللغة وغيرها يمكنها أن تسهم بشكل هائل في هذا الدور. أيضا نحتاج مجلات متخصصة في الثقافة الشعبية، بحيث تقدم تقارير صحافية ودراسات جادة عن الظواهر الشعبية على تنوعها.

التعليم الراقي والتربية الصارمة: تتميز التجربة الآسيوية بأنها تعاملت مع خوفها من "التفاهات الغربية" من خلال نشر روح الجدية في أبنائها ورفع مستوى نظم التعليم إلى حدود نسمع عنها ولا نصدقها. التعليم الراقي جدا والتربية الصارمة القائمة على المبادئ التي ترتفع بالذات وليست القائمة على الضغط والاضطهاد هو في رأيي الشخصي الحل الذي يمكن أن ننطلق منه في استغلال جموع الثقافة الشعبية لتتحول إلى جموع منتجة ذكية جادة تنطلق بمسيرة البناء والتحدي وترفعنا من وحل الحضيض.

الأطفال هم الحل:

موضوع الأطفال العرب وما يلاقونه من ازدراء نخبوي عام موضوع كتبت فيه مئات الصفحات، فالحقيقة الثابتة الباقية أن الأطفال العرب يكبرون دون نظرة رحمة أو عطف ثقافية. الأطفال هم نواة الجيل القادم، والعناية بهم يعني العناية بالبذور بدلا من إصلاح الأشجار الفاسدة.

فتش عن المرأة:

الكثيرون يظنون أن عملية الإصلاح يمكن أن تكتمل من دون المرأة، وهؤلاء سواء كانوا من الغربيين أو الآسيويين أو العرب كما تشير التجارب العالمية فشلوا لأنهم تجاهلوا عنصرا رهيبا في تأثيره القوي والخفي في الوقت نفسه. المرأة في عالمنا العربي لا تنتمي إلى النخبة إلا نادرا، ولا تلقى من نصيب المشاركة الثقافية إلا النزر اليسير، وإن كانت دائما هي من يربي ويشارك النخبة حياتهم في بيوتهم وتجاهلها أدى في كثير من الأحيان لنتائج وخيمة يندم الجميع عليها رجالا ونساء.

نحو الانفتاح على الثقافة الشعبية:

لقد اتسعت مساحة مفهوم الثقافة. إذ لم يعد المفهوم مرتبطا بالفكر في علاقته بالكتاب وإنما اتسع ليشمل مختلف الأشكال الثقافية كثقافة الصورة  وأيضا السلوك الاجتماعي. وهذا يجعلنا نعيد النظر في الأشكال التعبيرية الاجتماعية- الشعبية التي لا يتم- في غالب الأحيان- التعرض لها بشكل حداثي وإبداعي على أساس أنها خطابات ثقافية تقدم تصورات حول العالم، وتعبر عن الوجدان المحلي.

ولعل هذا المفهوم الذي يدمج – في إطاره- السلوك الإنتاجي-الاجتماعي للإنسان لا يعد جديدا، بقدر ما يعتبر عودة – بطريقة إبداعية وفق موقف تدعو إليه بعض إكراهات التحدي العالمي- إلى تصورات الحضارات القديمة لمفهوم الثقافة، بل يتم تقليصها إلى مفهوم محدد وفق السياسة الاستعمارية.

ولعل هذه الرؤية المتجددة للثقافة من شأنها أن تجعلنا ننتبه إلى شبه المسكوت عنه في التفكير الثقافي وهو الثقافة المحلية أو الشعبية.

إن انفتاح المثقف على الثقافة الشعبية (المحلية) أو ما يسميه المفكر المغربي عبد الله العروي بالثقافة العضوية، هوا انفتاح على الشعور الجماعي، وهو إدراك لخصوصية تجارب المستويات التعبيرية، وفي هذا إغناء نوعي للثقافة

إن المثقف باعتباره يشتغل على إعادة إنتاج الخطابات عبر الكلمة والصورة والإشارة واللغة والإيقاع، ومختلف أشكال التعبير، فإنه يعيد إنتاج إدراك جديد بهذه الثقافة التي ينتجها أفراد المجتمع بناءا على وضعيتهم وتفكيرهم. والمثقف بانفتاحه هذا يرقى بهذه التبليغات الاجتماعية إلى مستوى الخطاب الذي يشخص أشكال الوعي المجتمعي، كما يشكل إدراك الإنسان لعلاقته مع الكون والعالم. ولهذا، اعتبرت هذه التبليغات فنا وإبداعا عند مجموعة من الحضارات الإنسانية مثل الحضارة الإفريقية في تصورها القديم. إذ يؤكد الكاتب الإفريقي المالي "HAMADOU HAMBATE BA" على الدور الجوهري الذي لعبته مجموعة من الإنتاجات الاجتماعية مثل الصناعة التقليدية ( من نسيج وحدادة وتشكيل..) في خلق وعي بجوهر الحياة وعمقها، وذلك انطلاقا من اعتباره أن كل الأشياء هي لغة . وبالتالي يستدعي الأمر تعلم الإصغاء إلى كل هذا الكلام وهذه اللغة .. كما يعتبر هذا الكاتب الإفريقي أن تعدد الصناعات والحرف اليدوية هي وليدة التعدد نفسه للعلاقات الممكنة بين الإنسان والعالم. ونظرا، لأهمية هذه الإنتاجات الاجتماعية وعلاقتها بضمان امتداد الشعوب في تاريخها، وفق مبدأ تواصل الأجيال عبر استمرارية الثقافات الاجتماعية، فإن السياسة الاستعمارية قد وعت هذا البعد الفلسفي لهذه الإنتاجات، فعملت –كما يؤكد الباحث HAMBAT BA - على خلق نظرية سلبية حول هذه الإنتاجات ، وربطها بالهامشي، وإخراجها من مفهوم الثقافة، بالإضافة إلى ضرب مراكزها ومؤسساتها. وفرضت هذه السياسة بالمقابل أنماطا مغايرة من القيم والثقافة تتماشى ومنطقها في عملية التصرف في العقل البشري.

ومن هنا يمكننا فهم هذا الاهتمام المتزايد للمشاريع الأمريكية في العالم العربي بالثقافة الشعبية والحكايات الشفهية، وهذا الانخراط في الفئات الاجتماعية في مناطق قلما يصل إليها البحث العلمي العربي. أليس لأن هذه الثقافة تمثل تصور المجتمع للعالم والذات، وتعبر عن الوجدان المشترك. ولهذا يشكل اهتمام الدرس السوسيولوجي الأمريكي بهذه الثقافة آلية من آليات التحكم في الشعوب وفي فهم حاجياتها الوجدانية قصد السيطرة وتمرير الثقافة البديلة.

و المثقف بهذا التوجه نحو تعبيرات المجتمع يعزز الموقف ضد سياسة تعطيل الوجدان الشعبي من خلال الإعلاء من تبليغاته الرمزية. فالتعامل مع الثقافة الشعبية بكل تجلياتها ، وتحليلها يساهم في تفكيك عناصر الشخصية الوطنية، ويقترح تشخيصا لعالمها النفسي. وهذا الوضع من شأنه أن يغير رؤية الناس لذواتهم وواقعهم.

لقد بدا في المغرب هذا الاهتمام بهذه الثقافة، نقديا وأكاديميا من خلال اهتمام بعض النقاد بالثقافة الشعبية(السير والحكاية) والاشتغال المعرفي عليها برؤى متعددة بعدما اهتم بها ـ بشكل خاصـ الدرس السوسيولوجي بأدواته وأسئلته. غير أن الدرس الأدبي والنقدي من شأنه أن يبرز جوانب جديدة من خطاب هذه الثقافة كما فعل كل من الناقد ين الباحثين د سعيد يقطين ود مصطفى يعلى في دراساتهما حول السيرة والحكاية الشعبية. كما أن الدرس الجامعي بدأ يهتم بهذا التوجه المعرفي خاصة مع انفتاح أقسام اللغة العربية وآدابها على هذه الثقافات، بعدما كانت مدرجة في إطار الدرس الأنتروبولوجي والسوسيولوجي والنفساني الخ...

إن انفتاح الثقافة على تنوعاتها الذاتية، هو انفتاح على مكان خصب للإبداعية الاجتماعية. كما أن الفعل الانفتاحي من شأنه أن يغير مستويات عديدة من العلاقة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع كأصوات تعبيرية. لأن الاعتراف بالتنوع فيه احترام للخصوصية. وفي هذا احترام للمنتج لهذه الخصوصية. يستتبع ذلك احترام تعبيراته، وتمكينه من سياق موضوعي يؤهله أكثر لإنتاج ثقافته في إطار شروط تضمن حقه في الإبلاغ والتوصيل. وينتج عن هذا فسح المجال أمام بناء مظاهر الديمقراطية كشكل من أشكال تأمين حقوق الإنسان.

إن الانفتاح على هذه الثقافة يجعل المجتمع يتحول بكل فئاته إلى مكونات فاعلة في تسيير شأن الوطن ، وفي تدبير شؤونه. وبهذا الشكل أيضا يمكن للشعوب مقاومة مختلف أشكال الاختراق التي تهدف إلى سلب وجدان الشعوب من خصوصياتها في معنى الحياة.

ثقــافة التغييـر!

الثقافة في اللغة العربية: يتحرك هذا المفهوم معجمياً عبر دلالتين مترابطتين:

الدلالة الأولى: القوة والإدراك والظفر، كما في الآية القرآنية «واقتلوهم حيث ثقفتموهم..) البقرة191.

الدلالة الثانية: الحَذَق والفِطْنة والذكاء، ففي لسان العرب: رجل ثقف: أي حذق، وفي المنجد: ثقف الرجل: أي صار حاذقاً. أما في اللغات الأخرى فيتم النظر إلى الثقافة إما باعتبارها مظهراً للسلوك الإنساني المكتسب بالتعلم، أي أن الإنسان نتاج ثقافته؛ أو باعتبارها منظِّمة لمجمل المشاعر والأفكار وأنماط السلوك، أو كما ذهب «هيرسكوفيتش» الذي أحصى أكثر من مائة وستين تعريفاً للثقافة إلى اعتبارها كل ما أضافه الإنسان للطبيعة، أي كل ما يعارض الأصل، أي كل ما ليس اصطناعياً، ويعتبر تعريف عالم الاجتماع الإنجليزي «إدوارد تايلور» 1832-1917 أكثر التعريفات شمولية، حيث يعرفها بأنها:

ذلك المجموع المعقد الذي يشمل المعارف والعقائد والفن والأخلاق والقانون والأعراف وكل مهارة أو عادة أخرى اكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في مجتمع ما.

ولكن آخر تعريف للثقافة وفق الأكاديمية الفرنسية بتاريخ 29حزيران 1972 كان كالتالي: «تحدد الثقافة في المعنى المجازي العام بالرجوع إلى الطبيعة، حيث تضاف العبقرية البشرية إلى الطبيعة لتعديل مواهبها وعطاءاتها وإنمائها»1.

ويشير تقرير التنمية السياسية العربية لعام 2003 إلى «أنه يمكن النظر إلى الثقافة العربية من وجهتين: الثقافة العالمة من وجه أول، والثقافة الشعبية من وجه ثان. ويقصد بالثقافة العالمة: جملة الأدوات الفكرية والمفاهيم والنظم الشاملة والقيم التي تحكم منظومة الفكر والفعل أو النظر والممارسة في الواقع المشخص للفرد والمجتمع. بهذا التحديد نقول: في سياق الثقافة العربية، يعتبر التراث الفكري مكوناً أساسياً من مكونات الثقافة، وأن اللغة هي الحامل الأداتي لها، وأن الدين هو المنظومة الاعتقادية الرئيسية الشاملة التي توجه حياة هذه الثقافة، أما القيم الأخلاقية والاجتماعية والسياسية فهي التي تحكم الفعل وتوجهه في منظومة الثقافة العربية.

لكن هذا لا يعني أنه ليس ثمة عناصر ثقافية أو معرفية أو علمية أو مفاهيمية أخرى، منحدرة أو آتية من مصادر أخرى تضاف إليها، أو تجاورها، أو تتفاعل معها؛ لكن تلك العناصر (التراث الفكري واللغة والدين والقيم) تظل هي الأكثر حسماً وتحديداً وتوجيهاً للثقافة العربية العالمة، وهي التي ينبغي أخذها قبل غيرها في الحسبان في سياق مشروع إنتاج المعرفة، لمجتمع المعرفة في البلدان العربية.

أما الثقافة الشعبية التي ينظر إليها الكثير من مثقفينا على أنها صنو التخلف، وقرينة دالة عليه، والتي لم تول الأهمية المطلوبة حيث تعيش مقتصرة على إضاءات الإعلام والسياحة وفي جانبها الفلكلوري أكثر منه المعرفي. وتشمل هذه الثقافة كل ما أنتجه الخيال الشعبي من فن وحكايا وصور، مرتبطة بشكل أو بآخر بنسق الحياة والمعيشة، وهي (تشكل مستودعاً ضخماً من الخبرة، ومن الاجتهادات الإبداعية التي أسهمت وتسهم في إثراء الحياة العقلية والوجدانية والسلوكية للناس جميعاً، وهي غنية بمركباتها إذ تشتمل على المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعادات والمعارف الصناعية، وهي من صنع عامة الناس الذين أنتجوا هذه الثقافة دون أن ينتسبوا إلى مؤسسات ومعاهد تعليمية نظامية رسمية، لكنها تمتد إلى جميع الفئات والشرائح الاجتماعية على اختلاف مستوياتها الثقافية ودرجاتها العلمية، وهي كذلك تمتد في التاريخ المنقضي للوجود العربي، وفي أعماق الامتداد المكاني، ومع تنوع مظاهرها ومكوناتها في المجتمعات العربية المختلفة، فإن هذا التنوع لا ينفي عناصر التماثل والوحدة فيها برغم التفاوت الزماني والمكاني.

لقد اعتمدت الثقافة الشعبية في نقل المعرفة ونشرها على مقوّمين أساسيين: الجماعية والشفهية فكان الإنتاج مرتهناً بموافقة متطلبات الجماعة، وكان التناقل الشفهي سبيلاً إلى نشر المعرفة وإعادة إنتاج هذه المعرفة بفضل عملية التغيير، وإعادة التكوين الذي تتلبسه. وتشير القرائن إلى أن هذه العملية تتم بكفاية، وأنها ليست مضادة لاكتساب المعرفة الرشيدة على ما يتوهمه كثيرون.

هل الثقافة الأميركية "أميركية" بالفعل؟

خليط ثقافة "البوب" الشعبية:

تَظهر أوضح رؤية للعلاقة التبادلية بين أميركا وبقية أنحاء العالم في الثقافة الشعبية. هناك أسباب عديدة لتفوق الثقافة الشعبية الأميركية. ومن المؤكد أن قدرة شركات وسائل الإعلام المتعددة النشطات الأميركية المنشأ، في السيطرة على إنتاج وتوزيع منتجاتها شكلت دافعاً رئيسياً للانتشار العالمي لأنماط الترفيه الأميركية. لكن قوة الرأسمالية الأميركية لا تفسر، بمفردها، الشعبية العالمية للأفلام السينمائية والعروض التلفزيونية الأميركية، ولا هي حتى التفسير الأهم لذلك.

كانت فعالية اللغة الإنجليزية، كلغة اتصال جماهيرية، جوهرية لقبول الثقافة الأميركية. فبعكس اللغات الألمانية أو الروسية أو الصينية، كانت البنية الأبسط والنحو الأسهل للغة الإنجليزية، بالترافق مع ميلها لاستعمال كلمات اقصر واقل تجريداً، وجمل أكثر إيجازاً، مؤاتية لمؤلفي كلمات الأغاني، لمبتكري الشعارات الإعلانية، لتعليقات الصور الكاريكاتورية، لعناوين الصحف، ولحوارات الأفلام السينمائية والتلفزيونية. وهكذا، كانت اللغة الإنجليزية لغة ملائمة استثنائياً لاحتياجات وانتشار ثقافة "البوب" الشعبية الأميركية.

كما شكلت السحنة الدولية للمشاهدين الأميركيين عاملاً مؤاتياً أخر. فَرضَ التغاير في مزايا سكان أميركا، أي تنوعهم الإقليمي، الاثني، الديني، والعرقي، على وسائل الإعلام، منذ السنوات المبكرة للقرن العشرين، إجراء التجارب حول الرسائل، والصور، وأنواع القصص التي يمكنها اجتذاب جمهور واسع متعدد الثقافات. كان على استوديوهات هوليوود، والمجلات الواسعة الانتشار، والشبكات التلفزيونية التعلّم كيفية التحدث إلى مجموعات وفئات متنوعة من الناس في عقر دورهم. وفّرت لهم هذه التجارب التعرّف على الأساليب الفنية اللازمة لاجتذاب المشاهدين من خارج البلاد المتنوعين كذلك.

تمثلت إحدى الطرق الهامة لنجاح وسائل الإعلام الأميركية في تجاوزها للانقسامات الاجتماعية الداخلية، وللحدود الدولية، وحواجز اللغة، عبر مزجها للأنماط الثقافية. اتبع الموسيقيون ومؤلفو الموسيقى الأميركيون المثال الذي توفّر من الفنانين المحدثين، مثل بيكاسو وبراك، لاستخلاص عناصر مشتركة بين كل من الثقافة النخبوية والثقافة الشعبية. وقد أدمج ألان كوبلاند، وجورج غرشوين، وليونارد برنشتاين الألحان الشعبية، والتراتيل الدينية، وموسيقى البلوز، وأناشيد الأناجيل، وإيقاعات الجاز في موسيقاهم السيمفونية، وفي المقطوعات الموسيقية الأخرى كالكونشرتو، والأوبرا، والباليه. والواقع أنه تم تطوير أشكال فنية أميركية كاملة خلال القرن العشرين بدءاً من موسيقى الجاز، ووصولاً إلى ذلك المزيج من الموسيقى الأفريقية، والكاريبية، واللاتينية، والأوروبية المحدثة. عزز هذا الدمج الأشكال المتنوعة ضمن الثقافة الشعبية الأميركية جاذبيتها لدى المشاهدين والمستمعين متعددي الاثنيات، المحليين والدوليين، من خلال التقاطها لتجاربهم وأذواقهم المختلفة.

العرب المحدثون وتراثهم الثقافي الشعبي!

تجددت عناية العرب المحدثين بتراث شعوبهم الشفوي، بارتباط وتلازم مع بروز وتنامي ظاهرة الغزو الاستعماري الحديث، وما سبقه أو تخلله من غزو ذي طبيعة ثقافية مثل الاستشراق والمستشرقون طليعتها. وقد تم ذلك قبيل الغزو الفرنسي لمصر خصوصا (1798) عن طريق بعض البعثات الفرنسية المختصة في دراسة وتجميع ورصد ظواهر اللغة والثقافة الشعبية العربية. وتحضرنا في هذا الصدد أسماء شهيرة وعديدة لمستشرقين رحالة، ربما كان من أبرزهم أشخاص، ما كان للحملة الفرنسية أن تقع بالشكل الذي وقعت به لولا تمهيداتهم على ذلك الصعيد، نذكر من بينهم: ســفاري (1776) وفولن   ( 83-1785) وماسبيرو (1881 - 1886) من الفرنسيين. وروز نمللر وفلوجل من الألمان وكارلايل وشولتز الأب من الهولنديين... الخ.

ومنذ بداية الحملة وخلالها، نقد اشتغل عشرات المستشرقين في نفس الميدان ولنفس الأهداف، وكان من أبرز نتائج ذلك كتاب "وصف مصر" في ستة وعشرين مجلدا، الكثير من موادها يتصل برصد وبحث ظواهر الثقافة الشعبية بمصر. ويعتبر من أهم باحثي الحملة وما تلاها المستشرق بيرسيفال الذي وضع "غراماتيق اللغة العامية" والذي يعد من بواكير كتب التقعيد لتلك اللغة وتيسير تعليمها في مدارس الاستشراق الفرنسية وهو أيضا يعتبر من أوائل ما أصدرته المطبعة الفرنسية التي استقدمتها الحملة معها الى مصر.

وإثر انسحاب الحملة (1801) أخذ الفرنسيون معهم بعضا ممن تعاملوا معهم من المواطنين الأغرار غالبا، فكانوا من أوائل المهتمين والدارسين لثقافة شعوبهم، وإن حصل ذلك في اتجاه خدمة مصالح الأجنبي طبعا.

من أوائل هؤلاء كان: إلياس بن بقطر السيوطي (1784- 1821) أخذ وهو في سن الخامسة عشرة من عمره ليعين مترجما للكتابات العربية بالإدارة الحربية الفرنسية، ثم محاضرا في اللغة العامية بمدرسة اللغات الشرقية الحية بباريس وأثناء ذلك ألف معجما لغويا مزدوجا للغتين العامية العربية والفرنسية.

وبرفقته اشتغل أيضا زميله في الهجرة والعمل: ميخائيل بن نيقولا الصباغ (1784- 1816) الذي ألف سنة 1812 بحثا حول قواعد اللغة العامية بمصر والشام تحت عنوان الرسالة التامة في كلام العامة.

أما ثالثهم فكان: ج.أ جوب (1795) وعائلته. الذي اشتغل بمراكز الدراسات الشرقية الفرنسية وألف كتاب "مزيج من الأدب الشرقي والفرنسي" أورد فيه العديد من المواويل المصرية مترجما الى اللغة الفرنسية.

عقب هذا النمط من المستشرقين العرب والذين كانوا عموما من الأقباط المسيحيين، وقع احتضانهم، إن لم نقل اغتصابهم وهم بعد أغرار، ستبدأ مرحلة جديدة تميزت هذه المرة باستقدام بعض شيوخ الأزهر نفسه الى أوروبا للاستفادة منهم على صعيد التعليم والترجمة أولا ثم التأليف لاحقا فيما كان يهم الغرب معرفته من تراث شعوبهم الثقافي. من أوائل هؤلاء كان الشيخ محمد عياد الطنطاوي (1810) وقد شغل منصب استاذ اللغة العربية بمعهد الدراسات الشرقية بسان بطرسبورج لمدة أربعة عشر عاما (1847-1861) وكان من نتائج رحلته تأليفه لمؤلفات تتصل بموضوعنا: "الحكايات العامية المصرية" و "بحث في اللغة العامية" وقد نال تقديرا استثنائيا من قبل دوائر الاستشراق. ثم "أحسن النخب في معرفة لسان العرب" وبه مختارات من الموال المصري.

وهنالك من بين الباحثين العرب الرواد في هذا الميدان من لم يقيموا في الغرب، غير أنهم استكتبوا من طرفه وذلك من خلال الاستدعاء والحضور الى مؤتمرات الاستشراق نذكر منهم خاصة: الاستاذ محمد عمر الباجوري الذي قدم بحثا في موضوع "أمثال المتكلمين من عوام المصريين الى المؤتمر العلمي الثامن بالسويد سنة (1879). والباحث الشهير: حفني ناصف، والذي قدم من جهته الى مؤتمر العلوم الشرقية بفيينا سنة (1885) بحثا بعنوان "مميزات لغة العرب، وتخريج ما يمكن من اللغات العامية عليها".

وحتى هذه المرحلة. فمن الواضح أن بحوث العرب الرواد، لم تكن خالصة لوجه الثقافة الشعبية ممثلة أساسا في لغتها. فبالنسبة للأوائل كان الهم تقديم خدمة في إطار عمل وظيفي مأجور للأجنبي. وبالنسبة للأخيرين فإن هم الفصيحة في الغالب، ومقارنة العامية بها، هو الأوكد والأهم في أبحاثهما.

إن ما يمكن اعتباره مرحلة التأسيس الحقيقية للاهتمام والبحث في هذا الحقل بالنسبة للعرب المحدثين سيبدأ بالذات مع الباحث البارز الاستاذ أحمد تيمور باشا (1871-1930) وهو الذي وضع جملة من التأليف في الآداب العامية، لم يقدر لأغلبها الصدور سوى لاحقا وبعد وفاته من قبل لجنة مختصة. ونذكر من بين أهمها كتاب: "الأمثال العامية" مشروحة ومرتبة على الحرف الأول من المثل"  و " الكتابات العامية" وهما يجريان مجرى المقارنة مع الفصيحة. ثم كتابه: "تراجم أعيان القرن الثالث عشر وأوائل الرابع عشر" الهجري طبعا، وقد عرض فيه لنخبة من محترفي رواية الطرف والنكات ورواية الآداب العامية كعبد الله النديم وأحمد أبي الفرج الدمنهوري وحسن عبدالباسط وعلي الليثي وأحمد وهبة. كما أنجز جملة أبحاث في موضوعات خاصة ودقيقة مثل: "خيال الظل" و "اللعب والتماثيل والصور عند العرب" و "الموسيقى والغناء عند العرب". أما أهم أعماله في الموضوع فهو دون شك معجمه الكبير حول "الألفاظ العامية" والذي صدره بمقدمة ضافية حول خصائص اللغة العامية المصرية وعلاقاتها المتينة بالعربية الفصيحة.

ويعتبر الباحث العالم الاستاذ أحمد أمين (1887-1954) ممن لم يتأخر عطاؤهم الغزير على هذا الصعيد أيضا، ففضلا عن كتاباته وأبحاثه في مجال الفكر والحضارة الاسلاميين فقد ألف أيضا في موضوع التراث الشعبي قاموسا يعد رائدا في بابه حول "العادات والتقاليد والتعابير المصرية" يتحدث في مقدمته له عن منهجه فيه قائلا: "بدأت بحرف الألف، بالإبرة أذكر على الأخص عقائد المصريين فيها والأمثال التي قيلت فيها (...) واستغرق ذلك مني أربع سنوات. ورأيت صعوبات كثيرة في هذا الموضوع. فلم أكن أعتمد إلا على الذاكرة غالبا، وقد ساعدني أني تربيت في حارة بلدية تكثر فيها العادات والتقاليد" (معجم يونس )

محاولات التأسيس تلك انطبعت عموما بانجازها خارج النطاق الأكاديمي والذي توفره شروط الجامعة. فانطبعت لذلك بما ينطبع به كل عمل بحثي غير متخصص ويندرج ضمن اهتمامات الهواية لا المهنة. وإضافة الى ذلك فقد استمر فيها الانشداد الى اللغة العربية الفصحى مرجعا ومقياسا لابراز مدى البعد أو القرب، وبالتالي مقدار المقبولية والمشروعية لها. وكل ذلك طبعا ينبني على مفهوم للتراث الشعبي وللغته يعتبرهما انحرافا أو في أحسن الأحوال تتميما للتراث العربي الفصيح ولتقاليد الاسلام وأعرافه السنية.

الراجح، وحسب الأستاذ أحمد رشدي صالح، أن البحث المتخصص، الدقيق. والعلمي، لم يبدأ سوى مع الدكتور فؤاد حسنين علي، الأستاذ الجامعي المختص، والذي نشر جملة مقالات متفرقة في مجلة "الثقافة" المصرية، ثم ألف بينها لاحقا في كتاب أصدره سنة 1947 تحت عنوان "قصصنا الشعبي" ومن خلال تقويم الأستاذ أحمد صالح للكتاب فهو: ينم عن اطلاع واسع فيما كتبه المستشرقون والألمان بخاصة (...) وخير ما قرأنا للمصريين .

ومن المعالم البارزة لهذه المرحلة، رسالة الدكتوراة التي تقدمت بها سنة 1943 ونشرت في السنة التالية الأستاذة سهير القلعاوي في موضوع "الف ليلة وليلة". وبالرغم، وربما بسبب أنها مثلت باكورة الأبحاث العلمية الجامعية في الوطن العربي في موضوع التراث الشعبي، فإن د. فؤاد حسنين علي يعلق على العمل بأنه محض "عرض وتلخيص لأبحاث بعض العلماء الأجانب... لم يخل من الاضطراب وتنقصه الدقة ويعوزه التحقيق... ويقف عندما وقفت عنده أبحاث الأوربيين من عشرات السنين.. ومرجع ذلك النقص، عدم المران على البحث الدقيق من ناحية وقلة وسائل الفحص من ناحية أخرى" .

لم يقتصر الأمر على الانجاز في مستوى التأليف، بل إن هنالك من الباحثين غير المختصين، من ساهم في لحظات التأسيس هاته عن طريق كتابة المقالات فحسب، ومن أهم أولئك نذكر أسماء علماء أفاضل أمثال: الدكتور أحمد ضيف، الذي كان له فضل السبق الى التنبيه على أهمية دراسات الآداب الشعبية العامية ولغاتها، في مقالة متميزة له تحت عنوان: الأدب المصري في القرن التاسع عشر" ونفس المساهمة كانت للدكتور شوقي ضيف الذي كتب في هذه المرحلة مقالتين هامتين في الموضوع: "الفكاهة في الشعر المصري" و "أدبنا العامي" وذلك طبعا قبل أن يصدر كتابه الموسوم بـ: "الشعر وطوابعه الشعبية على مر العصور" ويقصد الأدب العربي الفصيح غالبا.

كانت تلك مرة أخرى، البداية التأسيسية والأولية، وهي تتسم طبعا بكل ما يميز البدايات من ظواهر الضعف والنقص الضرورية و "الطبيعية". وفي تقويم الأستاذ أحمد رشدي صالح للمرحلة يعتبر كتاباتها "مستعجلة سطحية.. الكثير منها لا غناء فيها.. ولا يتميز بالجد والاستقصاء والدقة. باستثناء عدد قليل للغاية، مثل الدراسات الجامعية، أو كتاب "قصصنا الشعبي" أو بعض مقالات ظهرت متفرقة في المجلات بغير رابطة أو وجهة محددة...".

غير أنه مع بداية الخمسينات، وبارتباط مع التحولات التي بدأت تشهدها المجتمعات العربية والمتمثلة أساسا في انطلاق حركات التحرر الوطني الاستقلالية من الاستعمار وكذا بوادر التحولات الاجتماعية و

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

7,542,308