اعتدنا منذ عقود طوال أن نتحدث عن أزمة المسرح فى مصر ، وأن كان لكل زمان أزمته مع المسرح ، ففى ستينيات القرن الماضى المنتعشة بالكتاب والمخرجين ونجوم المسرح ، دار الحديث عن أزمة الهوية فى المسرح المصرى ، وما تبعها من قضايا التأصيل والبحث عن صيغ مصرية / عربية تحمل مضامين ورسائل ثورية ، وذلك اتساقا مع انشغال وطن يبحث عن هويته المجتمعية ، بعد تحرره السياسى والفعلى من المحتل الأجنبى وجيشه القابع على الأرض ، وبعد نصف قرن سابقة من الخلافات الفكرية بين فرعونية وعربية ومتوسطية عقل هذا الوطن تحررا من الهيمنة العثمانية ذات الرداء الدينى ، وفى أتون سعيه لتحديث بنية المجتمع المدنى وتحقيق العدل الاجتماعى فى المجتمع ، وصراعه مع قوى اليمين الرجعى ، وبلورة رؤيته للمسرح كأحد أبرز فنون التعبير والاتصال المحققة للوعى ، والرافعة لشعارات الأنفع والأرفع والمسرح الملتزم بهموم شعبه ، والمهتمة بالرسالة التقدمية المتفائلة فى العرض المسرحى ، والواقف فى موقف المعارضة للنظام ، والقائم بدور المتحاور فى برلمان المجتمع 0

وفى السبعينيات والثمانينيات المجاهدة ضد انحراف السلطة وانقلابها باقتصاد المجتمع من الاقتصاد فى نظام يتحول للاشتراكية إلى اقتصاد السوق بنظام شبه رأسمالى ، وما ترافق معه من فتح النوافذ لأهل الكهف - بتعبير الكاتب "محمود دياب" - ودعم تيار اليمين الملتحف بالدين لإسقاط التيار التقدمى ، وخلخلة الثقافة الجادة لصالحج ثقافة العشوائيات ، مما أدى لهجرة الكثيرين من كتاب ومبدعى المسرح الملتزمين بقضايا المجتمع المصيرية لخارج الوطن ، وبرز الحديث عن قيمة المسرح التسويقية ، وعن أزمة المسرح الجاد فى مواجهة المسرح الهزلى الذى حمل اسما دالا هو (المسرح السياحى) ، وحملت الفرق الخاصة العديدة مهمة ترويجه ، ونجحت فى تسييد مفهومه وسط الجماهير العريضة بالسيطرة الكاملة على البث التليفزيونى الحكومى وقتها ، فضلا عن شرائط الفيديو التى النتشرت بقوة زمنذاك ، والتى حملت بدورها تسجيلات ما عرف بالمسرح المعلب ، الذى ينتج فى استوديوهات مغلقة ، ويضاف إليه تصفيقا وضحكات مسجلة ، ليبدو وكـان جمهورا حاضرا أثناء تسجيله 0

منذ نهاية الثمانينيات وطوال التسعينيات والعقد الأول من القرن الحالى ، وهوية المجتمع الثقافية تناضل كى لا تستلب وتدغم عناصرها وملامحها فى ثقافة أمريكية / غربية تتجاوز الثقافات الوطنية ، خاصة والهوية الثقافية هى أهم ركائز الهوية القومية ، ولذا لم يستطع تيار المسرح التجارى التقليدى ، والقائم على القفشات العابرة دون تجديد فى بنية العرض المرئى ، لم يستطع الصمود خلال العقدين الماضيين ، رغم مغازلته للأشقاء العرب والشرائح الصاعدة من التكنوقراط ورجال الأعمال ، وانتهى تماما اليوم ، رغم جهاد البعض النادر ، لتضاؤل حجم السياحة العربية ، وظهور وسائط ترفيهية تفوق المسرح هزلا وسقوطا 0 بينما راح المسرح الجاد يبحث عن فضاءات له بالجامعة حتى حوصر فى ليال عابرة ، وتكلس فى العروض الإقليمية مع انحسار دوره فى الهيئة العامة لقصور الثقافة ، وفقد نشاطه فى مراكز الشباب مع المجلس الأعلى للشباب ، وتلقفه ما تبقى من كتاب وصناع المسرح فى هيئة المسرح ، التى حولت لمجرد بيت حكومى غير قادر على الإنفاق على عروضه ، مع مجموعة من الفرق المستقلة ، التى تحول شبابها من الهواية إلى شبه الاحتراف ، واستطاع أن يدعم وجوده بميزانيات من جهات متعددة مصرية ، فيما بدأ يعرف بالمجتمع المدنى ، وأكثرها من مؤسسات ومراكز ثقافية أجنبية ، فصارت العروض أسيرة ما يأتيها من موارد مالية 0

غير أن هذا المسرح الجاد فى مجمله لم يعد قادرا على جذب شرائح الطبقة المتوسطة المختلفة ، والتى دعمت وجوده فى ستينيات وأوائل سبعينيات القرن الماضى ، فاكتفى ببعض من شرائحها المثقفة ، متقوقعا بها داخل القاعات الصغيرة يخاطب نخبها بينما الشارع خارج القاعات يمور بهمةم مغايرة ، وملتقطا ما قدمه له مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى من فتات العروض الأوربية ، ومرصعا الحديث عن عروضه بمصطلحات حداثية وفرتها له مطبوعات هذه المهرجان بترجماتها الملتبسة ، ومرتكزا على مقولة أن المخرج هو مؤلف العرض المسرحى ، واعتمادا على قيام المخرج نفسه أو من يراه بعملية إعداد النص المعد للعرض الواحد العابر زمنيا ، سواء تأليفا أو إعادة صياغة لنص مكتوب ، بذريعة (الدراماتورجية) التى أفسدت النصوص المعروفة وغيرت من معالمها ، وأدخلت تاريخ المسرح عناوين جديدة لنصوص قديمة ، توقع الباحث والمؤرخ فى الالتباس ، مما أدى فى النهاية إلى عدم إفساح البيئة الملائمة لنضج المؤلف المسرحى ، وقللت من حجم تواجده ، ولم يعد فضاء المسرح ذاته جاذبا لكتاب القصة والرواية والشعر لصياغة نصوص مسرحية ، كما كان الأمر من قبل ، وتم فصم العلاقة بين العروض المقدمة والنصوص المنشورة بالهيئة العامة لقصور الثقافة والهيئة المصرية العامة للكتاب ، وحتى فى مسابقات النصوص المختلفة بالمركز القومى للمسرح ومؤسسة ساويريس الثقافية وغيرهما من المسابقات المختلفة ، باعتبار هذه النصوص أدبية ولا يعرف أصحابها - كما يشاع - فن المسرح المرئى ، والعروض المقدمة بفضاء المسرح ، والتى صار أغلبها من إعداد مخرجيها الذين يعرفون وحدهم - كما يشاع أيضا - هذا الفن المتحول إلى كهنوت لا يدرك أسراره غيرهم 0

الهوية ليست ميراثا

جاء العقد الثانى من القرن العشرين لتتداخل على صفحته كل الأزمات السابقة ، فأزمة كل زمن لا تنتهى بانتهاء مرحلتها الزمنية ، بل تظل هذه الأزمة قابعة فى عمق الأزمة الجديدة ، حتى مع تغير أمزجه الجمهور وذائقته الجمالية ورؤيته لفن العرض المسرحى ، وتغير بنية المجتمع بخلخلة بنية الطبقة المتوسطة ، وتزييف عقلها بمفاهيم متخلفة هزت قيمها الاجتماعية وانحرفت بمسارها الحداثى ، فأزمة الهوية الثقافية مازالت قائمة ، بل وأقيمت لها ندوة عربية بدايات هذا الشهر فى ملتقى الشارقة العاشر للمسرح العربى ، كما تجدد الحديث قبلها عن الهوية بصورة جزئية فى مؤتمر المسرح المصرى المصغر الذى أقامه البيت الفنى للمسرح العام الماضى ، وبخاصة حول هوية فرق هذه البيوت ، أى أن يكون لكل فرقة هويتها ، ولا تقدم فرقة المسرح القومى ما تقدمه فرقة مسرح الشباب ، ولا تحمل فرقة الغد وحدها لافتة (العروض المصرية) ، وكأنه ليس من المطلوب أن تقدم فرق الطليعة والكوميدى والحديث وغيرها عروضا مصرية !! 0 غير أن الحديث الأشمل قد بدأ يعاود الحضور حول هوية المسرح المصرى كله ، كجزء من الهوية الثقافية وبعضؤ من تحققها على أرض الواقع ، ولا يعنى هذا أن يستخدم المسرح اللغة العربية ويعيد إنتاج الأشكال الماقبل مسرحية القديمة من خيال الظل والأراجوز والزار وما شابه ليكون ذى هوية عربية خالصة له ، لأنه فى هذه الحالة سيكون منفصلا عن زمنه ومقصرا فى حق جمهوره الذى يعيش زمنه الراهن ، ولا تعرف أجياله الجديدة ، ولا تمارس ، ولا تعايش هذه الأشكال التى ابتدعها زمن سابق ، والمسرح ككافة الأنشطة الإنسانية ابن زمنه والوجه الحقيقى لهوية مجتمعه ، وعندما صار هزليا فقد قدرته على مخاطبة العقل المجتمعى ، وعندما أغترب بأشكاله التجريبية والتجريدية عجز عن أن يلعب دوره الثقافى الواعى فى وطنه ، وضاع منه الطريق اتساقا مع المقدمات التى أدت لذلك ، وتوافقا مع ضياع الطريق نحو الغد من الأنظمة التى حكمت وتحكم مجتمعه ، وزيفت وعى جمهوره 0

والهوية كما نقول دائما ليست ميراثا نرثه مع متاع الآباء والأجداد ، نعيد به إنتاج مفاهيم الأمس ، بل هى صناعة مجتمعية ، تنصهر داخل حركة المجتمع الفاعلة ميراث الماضى بفاعلية الحاضر ، والهوية الثقافية تصنعها عقول الوطن بكل شرائحه وطوائفه ومعتقداته ، فهى هوية كلية وليست طبقية أو دينية أو عرقية ، وان قامت كليتها على منطق تنوعها المبهر ، لذا فهى هوية يشارك فى صنعها القاهرى والنوبى والسيناوى والواحاتى والصعيدى والبحراوى ، ويؤسس وجودها على أرضية فرعونية وقبطية وعربية إسلامية وإنسانية حداثية ، ولهذا فللهوية وضعها المتفرد المتمركز حول ذاته ، ولها فى ذات الوقت وشائج تربطها ببقية العناصر المشكلة والصانعة لها ، مما يجعل للمسرح - كأحد أبرز تجليات هذه الهوية الثقافية والمعبر عنها – سماته المصرية الخاصة به ، دون أن ينفصل لحظة عن هوية المسرح العربى وعن حداثة المسرح الدولى ، وعليه بالتالى أن يعبر بعمق عن هوية مجتمعه الثقافية ، ويخاطب جماهيرها المتعددة ، دون أن يتقوقع داخل الفهم الضيق للهوية ، فيرتد بالمسرح لأزمنة خلت بادعاء أنها نتاج ثقافته الخاصة ، ودون أن يذوب فى نفس الوقت فى هوية عولمية تفصل القطرة عن بحرها ، ففى مداه - كما يقول الخيام - منتهى أمرها ، وغاية دورها فى مجتمعها 0 

أزمة عدم الثقة

والمتابع الدقيق للسنوات الثلاث الأولى من العقد الحالى ، سوف يدرك حجم الخطر الذى يهدد مسرحنا ، فى ضوء أزماته ومشاكله السابقة على امتداد القرن الماضى بأكمله وحتى الآن ، والإجابة التقليدية بأننا لدينا مسرح بعروضه وكتابه وصناعه ستكون أشبه بالقول أننا نعيش استقرارا فكريا واقتصاديا واجتماعيا هائلا ، مادمنا نفكر ونتناقش ونعتصم ونسير فى الطرقات ونعلن على المنابر المختلفة بأن مصر بخير ، وبالتالى فالمسرح بخير ، ألا ننتج عروضا ونقدمها فى فضاءات المسارح ؟ ، دونما اهتمام بحجم من شاهدها وتأثر بها وفعل وجوده فى المجتمع بعد مشاهدتها ، وألا يكتب الكتاب نصوصا درامية أو ما يتصوره البعض كذلك ، يشاركون بها فى المسابقات العامة والخاصة ، المصرية والعربية ، والتى تستلزم دائما اختيار الفائزين بجوائزها المادية المقدرة ، وحتى لا تعود قيمة الجائزة لخزانة الدولة أو ترجع لجيوب من تبرع بها كمكرمة منه على الفائزين ، وذلك بغض النظر عن القيمة الفكرية والجمالية للنصوص الفائزة ، والاختيار المحسوب لها ، ثم يذهب الفرحون بنصوصهم (الفائزة) للمؤسسات والفرق المنتجة ، ليجدوا المخرجين ينافسونهم بما يعدونها (سيناريوهات) لعروضهم ، تمزق نصا عالميا بحجة التعميم والتمصير، أو تعتمد على قصيدة لشاعر كبير دونما صياغة درامية ومسرحة لها ، نظرا لرفض أسرته إى إعداد درامى للقصيدة ، أو يكتب خليطا ملتبسا من المسرح والسينما دون قدرة على المزج الدقيق بين فنين مختلفين فى الطبيعة والتقنية والجمهور ، يظن مدير الفرقة أنه نص (عالمى) يدافع عنه دفاعا مستميتا 0 وفى الأغلب تعتمد هذه الكتابات غير المكتملة على نظرية التجربة والخطأ ، فينمو العرض فى أى اتجاه اعتمادا على قدرة الممثلين على تطويره فى بروفات العرض وخلال العرض نفسه ، وعندما ترفض هذه الأعمال من النقاد قبل إنتاجها يهدد مدير إحدى الفرق بغلق مسرحه والاعتصام ، وعندما ترفض بعد إنتاجها وإهدار المال العام فيها وحجب المتميز عن الظهور بسببها ، يقال أن ثمة أزمة قائمة بين المبدع والنقاد ، وأن النقاد لا يتابعون هذه العروض الباردة ، وإذا تابعوها فهم أشرار لا يرحمون صناعها ولا يعرفون ظروف الإنتاج الصعبة 0

تضاف أزمة عدم الثقة بين المبدع والناقد المستمرة من مائة عام ، إلى حديث الأزمات حول المسرح المصرى الآن ، خاصة بعد غياب النقد الجاد بصورة أساسية فى كل الصحف القومية والحزبية والمستقلة ، وانتهاء زمن المجلات المسرحية الشهرية المتابعة بتأنى العروض المسرحية ، ولم يعد بمصر الرائدة والقائدة والمنتظمة فى مواسم عروضها الكبيرة فى العاصمة والأقاليم غير جريدة (مسرحنا) المثابرة ، التى تتجاور فيها المنهجية بالانطباعية ، وأن ظلت بوتقة لصناعة الناقد الجاد يحسب لها 0 يضاف إلى هذا ظهور الترويج الإعلامى الضخم للبضائع المسرحية الفاسدة فى الصحف وصفحات النت ، وكذب صناعها على المسئولين ، والمشاركة السيئة للوطن فى المهرجانات الدولية ، مع وجود صفحات فنية ، ورقية وإليكترونية تنشر ما يصل إليها من أخبار كتبها أصحابها ، دون تدقيق فى مصداقية الموضوع الخبرى ، كما انقطعت تماما ونهائيا علاقة الصحفى بمصدر خبره ، فالموبايل هو الوسيلة الأثيرة للحصول على الآراء فى التحقيقات الصحفية ،  حتى فى جريدة (مسرحنا) الجادة ، وللإيميل القدح المعلى فى الحصول على المادة الخبرية ، فاختلط الرأى بالخبر ، وحل المحرر الفنى محل الناقد المسرحى ، وغامت العلاقة البناءة بين المبدع والناقد ، مما انعكس بالسلب على فن المسرح ذاته 0

 

 

التهريج السياسى

لا أحد ينكر أن لدينا موهوبين فى كافة حقول الإبداع المسرحى ، من كتاب ومخرجين وممثلين وسينوجرافين ومؤلفين موسيقيين ، لكن الموهبة وحدها لا تكفى ، فالثقافة أمر هام ، والوعى بدور المسرح فى المجتمع أمر أكثر أهمية ، والمثقف فى مجتمعنا أصبح اليوم صناعة ثقيلة تهملها الدولة ، فهى لا تهيئ له سبل التعليم الصحيح منذ البداية وحتى المرحلة الجامعية ، وهى لا تتيح له الحياة الكريمة التى يستطيع معها التعمق فى الثقافة والتفرغ للإبداع ، وهى تقف منه موقف المتشكك فى إبداعه ووجوده ذاته ، ومن ثم يحمل مسرحنا أعباء فكرية كثيرة فوق أعبائه التقنية ، فهو يواجه مجتمع اختل مبناه ، وزيف عقله ، وأبعد عن التصدى لحقائق حياته ، وتم ترييف وعيه المدنى ، وتهجيره عن صالات عروضه المسرحية ، وإفساد ذائقته الجمالية ، وتمييع علاقته بفنون المسرحية الثورية ، بادعاء التهريج السياسى بديلا عن التعمق فى جوهر ما يحدث ، للقبض على القوانين الموضوعية التى تحكم حركة الواقع ، وتختبئ فى ثنايا حركة المجتمع الظاهرة 0 ولهذا فالقضية اليوم ليست مجرد إنارة المسارح ، لإثبات الوجود ، بل تثوير المسرح ليشارك فى تثوير الواقع الذى تمرد شبابه وهب هبته الثورية ، ثم سرعان ما انتبه إلى أن هبته هذه لم تحقق بعد أهدافها فى تغيير بناء المجتمع لصالح شرائحه المتعلقة بحلم العدل الاجتماعى ، ومن أجل تحديث عقله ووطنه ، وصارت ميادين التحرير فضاءات الرفض ، بينما نحن فى أشد الحاجة لأن تكون المسارح فضاءات الحوار الثقافى الخلاق ، المدافع عن هوية المجتمع الثقافية ، والمحرك لقوى المجتمع لكى تعرف طريقها الحقيقى ، بتجاوز الوقوف العاجز عند عتبة طرح الأسئلة ، أو الصراخ بشعارات طنانة ، ليلعب دوره الفاعل بتقديم رؤيته لما يحدث ويجرى على أرض الوطن 0         

 

 

 بقلم / د.  حسن عطية

 

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,646,269