غنائيات صلاح جاهين

 

احتل الفنان العبقري المتعدد المواهب صلاح جاهين (1930-1986) مكانة فريدة في تاريخ الفن المصري فقد كان رحمه الله رساما بارعا للكاريكاتير ينتظر القراء رسومه اليومية بجريدة الأهرام بشغف شديد كما كان شاعرا للعامية لا يشق له غبار، بدأ نشر إبداعه في الشعر الشعبي عام 1955 وبعد ذلك توالى إبداعه لكلمات مئات الاغانى العاطفية والوطنية والتأملية ، وقد صدر له ستة دواوين هي على التوالي ( كلمة سلام ، موال عشان القنال ، عن القمر والطين ، قصاقيص من ورق ، أنغام سبتمبرية ، رباعيات صلاح جاهين ) والأخير هو أشهر وأقربها إلى قلبه والتي غنى المطرب على الحجار بعضا منا بأنغام سيد مكاوي وتوزيع منير الوسيمى واشترك صلاح جاهين في إلقاء بعضها.

وفى السينما اشترك صلاح جاهين في أفلام ( لا وقت للحب – رابعة العدوية – اللص والكلاب) ومن أشهر أعماله للمسرح ( الليلة الكبيرة ) التي قدمها مسرح العرائس والتي تعاون فيها مع توأم روحه الملحن الكبير سيد مكاوي فكان عرضا رائعا لم يتكرر حتى ألان.

لقد جاءت كلمات صلاح جاهين التي ملك ناصيتها سهلة سلسة بين يدي الملحنين الذين لحنوها وهم ( رياض السنباطى – منير مراد – كمال الطويل – محمد الموحى – سيد مكاوي ) ، لقد جاءت كلمات صلاح جاهين معبرة في كثير من الأحيان عن الأحداث الجارية في بلاده ففي عام 1961 نجد أم كلثوم تغنى من كلماته والحان العملاق رياض السنباطى اللحن الوطني ( ثوار ) والذي يقول مطلع كلماته:

ثوار ولأخر مدى ثوار مطرح ما نمشى يفتح النوار

ننهض في كل صباح بحلم جديد ثوار

 نعيدك يا انتصار ونزيد

وطول ما أيد شعب العرب في الايد

الثورة قايمة والكفاح دوار

من أرضنا هل الأيمان والدين

عيسى ومحمد ثورتين خالدين

والعلم ثورة ومن هنا قامت

والفن والحرية والتمدين

ثوار نهزك يا تاريخ تنطلق

نحكم عليك يا مستحيل تنخلق

وبعد هزيمة الخامس من يونيه عام 1967 وبعد استيعاب الصدمة ظهرت روح الصمود والمقاومة فكتب صلاح جاهين نشيد ( راجعين بقوة السلاح ) وغنته ام كلثوم من تلحين رياض السنباطى ويقول مطلعه:

راجعين بقوة السلاح

راجعين نحرر الحمى

راجعين كما رجع الصباح

من بعد ليلة مظلمة

جيش العروبة يا بطل الله معك

ما أعظمك ما أروعك ما أشجعك

وفى السادس من أكتوبر عام 1973 تحققت نبوءة صلاح جاهين وإذا تابعنا الحديث عن الأعمال الغنائية ذات الطابع الوطني والتي كتب كلماتها صلاح جاهين ولحنها الملحن الكبير كمال الطويل ( 1922- 2003 ) ونبدأ أيضا مع كوكب الشرق أم كلثوم ونشيد ( والله زمان يا سلاحي ) الذي غنته أثناء العدوان الثلاثي الذي وقع على مصر يوم ( 29/10/1956) وعن ظروف ظهور هذا النشيد قال كمال الطويل في برنامج ( شاهد على العصر )على مدى حلقتين أذيعتا يومي ( 22/12/1996) و(29/12/1966) مع الاعلامى الكبير عمر بطيشه، انه كان يجلس وحيدا في منزله بحي المنيل بالقاهرة وفى جو الإظلام الذي كان يسود المكان جلس إلى البيانو وانسابت أصابعه لتعزف نغمات على البيانو ووجد نفسه يتصل بالفنان صلاح جاهين تليفونيا ويسمعه النغمات التي عزفها وبعد أن سمع الفنان صلاح جاهين النغمات طلب منه أن يغلق التليفون ويمهله بعض الوقت وبعد قليل اتصل جاهين به ليملى عليه كلمات نشيد ( والله زمان يا سلاحي ) التي يقول مطلعها:

والله زمان يا سلاحي اشتقت لك في كفاحي

انطق وقول إنا صاحي يا حرب والله زمان

والله زمان على الجنود زاحفة بترعد رعود

حالفة تروح لم تعود ألا بنصر الزمان

هموا وضموا الصفوف شيلوا الحياة ع الكفوف

ياما العدو راح يشوف منكم في نار الميدان

وهكذا وجدنا كيف اوحت تلك النغمات ذات الطابع الحماسي إلى صلاح جاهين عبر التليفون بكتابة هذه الكلمات الرائعة والتي كان لها وقعها الكبير على المصريين أثناء معاركهم ، وخاصة ا نام كلثوم عندما ذهبت للإذاعة في شارع الشريفين بالقاهرة معرض للقصف من الطائرات وطلبوا من أم كلثوم أن تنتقل مع فرقتها إلى أستوديو مصر لتسجيل النشيد ولكنها رفضت بقوة أن تغادر الإذاعة وقالت ( أموت هنا ولا أغادر المكان )

وتم تسجيل النشيد في هذا الجو المتوتر وأذيع عبر أثير الإذاعة المصرية فأحدث أثره في كل من سمعه.

وغنى المطرب الكبير عبد الحليم حافظ العديد من الاغانى الوطنية من كلمات صلاح جاهين وتلحين كمال الطويل وأول تلك اللقاءات كان في أغنية ( أحنا الشعب ) التي غناها عبد الحليم يوم 24/7/1956 بمناسبة اختيار الشعب المصري لجمال عبد الناصر رئيسا للجمهورية المصرية ويقول مطلع هذه الأغنية :

أحنا الشعب أحنا الشعب

اخترناك من قلب الشعب

يا فاتح باب الحرية

يا ريس يا كبير القلب

وجاء اللقاء الثاني الذى جمع الثلاثي صلاح جاهين وكمال الطويل وعبد الحليم حافظ في الأغنية الوطنية ( بالأحضان ) والتى غناها عبد الحليم بعد عودته من الخارج في الاحتفال بالعيد التاسع للثورة يوم 23/7/1961 ويقول مطلعها : بالأحضان ... بالأحضان.... بالأحضان يا بلادنا يا حلوة بالأحضان.

في ميعادك يتلمو ولادك .... يا بلادنا وتعود أعيادك والغايب ما يطقش بعادك ...يرجع ياخدك بالأحضان

بالأحضان يا حبيبتي يا امى ... يا بلادي يا غنوه في دمى.

ثم جاء اللقاء الثالث الذي جمع بين صلاح جاهين وكمال الطويل وعبد الحليم حافظ في أغنية ( المسئولية )التي غناها عبد الحليم في عيد الثورة الحادي عشر عام 1963 وكانت تتحدث عن ( الاتحاد الاشتراكي ) الذي كان مسيطرا على الحياة السياسية في مصر آنذاك ويقول مطلع الأغنية :

أديك اهه خدت العضوية وصبحت في اللجنة الأساسية

أبو زيد زمانك وحصانك الكلمة والخدمة الوطنية

هلا هالله هلا هاالله.... الف ما شا الله

ورينا يالا حتعمل ايه ...دى مسئولية .....دى مسئولية.

ويجيء اللقاء الرابع الذي جمع بين الثلاثة فى اغنية ( يا أهلا بالمعارك) والتي غناها عبد الحليم في عيد الثورة الثالث عشر عام 1965 ونلاحظ هنا ان صلاح جاهين كان يعبر عن الأحداث فى وقتها ، كل حدث بما أحاط به من مشاعر وانفعالات في حينه وهذا بالطبع يختلف كل الاختلاف عن مشاعرنا تجاه تلك الأحداث ألان، ويقول مطلع الأغنية:

يا أهلا بالمعارك يا بخت مين يشارك

بنارها نستبارك ونطلع منصورين

ملايين الشعب تدق الكعب ...تقول كلنا جاهزين

يا أهلا بالمعارك

ثم يأتي اللقاء الخامس الذي جمع بين صلاح جاهين وكمال الطويل وعبد الحليم حافظ في الصورة الموسيقية الغنائية الرائعة التي تحمل عنوان ( صورة ) وهى بالفعل صورة بكل ما تعنى الكلمة من معنى ويغنيها عبد الحليم بمصاحبة كورس من النساء والرجال وكورس الأطفال والاوركسترا ، وفى هذا العمل يجمع صلاح جاهين بين كل طوائف الشعب ويضمهم جميعا فى صورة واحدة يجسدها لنا من خلال كلماته والحان كمال الطويل والتي يقول مطلعها :

صورة ...صورة صورة ...كلنا كده عايزين صورة

صورة... صورة صورة تحت الراية المنصورة

كورس: صورة الشعب الرفحان تحت الراية المنصورة

كورس الاطفال: يا زمان صورنا يا زمان ...ح نقرب من بعض كمان

كورس : واللى ح يبعد من الميدان ...عمره ما ح يبان فى الصورة

ودار اللقاء السادس بين الفنانين الثلاثة عن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وحملت الاغنية عنوان ( ناصر يا حرية ) وعبرت عما كان يتمتع به الزعيم الراحل من حب الجماهير ، ويقول مطلع الاغنية :

ناصر ناصر يا حرية ... ناصر ناصر يا وطنية

يا حرية يا وطنية .... يا روح الأمة العربية

يا ناصر

ومن كلمات صلاح جاهين والحان كمال الطويل غنت الفنانة القديرة سعاد حسنى في فيلم ( خلى بالك من زوزو ) اغنيتى ( يا واد يا تقيل – الدنيا ربيع ) كما غنت اغنية ( الام ) واغنية ( يا واد يا تقيل ) لها قصة طريفة فقد تصادف ان توقفت سيارتا كمال الطويل وسعاد حسنى في الشارة مرور فقالت له سعاد " أنت مش ح تلحن لي بقى " فرد عليها قائلا " ايوه " وفتحت أشارة المرور وانطلق كلا منهما إلى حال سبيله وبعدما وصل كمال الطويل إلى منزله فوجئ بصلاح جاهين يتصل به تليفونيا وقال له " سعاد بتقول انك حتلحن لها ...صحيح الكلام ده ؟ فقال له كمال الطويل " صحيح " فقال له " طيب تعال لي البيت " فذهب أليه فأعطاه كلمات الأغنية وخلال نصف ساعة انتهى كمال الطويل من تلحينها وترك لهم مهمة التنفيذ، وسافر إلى الإسكندرية وبعد أيام سأله السيدة زوجته عما تم في أغنية سعاد حسنى فقال أنهم ينفذونها في القاهرة فقالت له : ده كلام.... انزل شوف حصل أيه" وبالفعل عاد كمال الطويل إلى القاهرة وعلم أن التسجيل يتم في استديو مصر فذهب الى الاستديو وفوجئ بأن احد كبار الموسيقيين المصريين قام بتوزيع لحن الأغنية توزيعا اوركستراليا ضخما يتنافى مع طبيعة كلمات الأغنية والمقصود منها في الفيلم ، فانتظر حتى انتهى التسجيل وشكر الموسيقى الكبير ثم قال لأعضاء الفرقة الموسيقية انتظروا يا أساتذة انا عايزكم في شغل تانى.

وقال لهم ان " زوزو" التي ستغنى الأغنية في الفيلم هي بنت عالمة ( راقصة ) وعايشه في شارع محمد على وأوضح لهم الأسلوب الذي يريد أن تخرج به الأغنية وهكذا تم تسجيل أغنية ( يا واد يا تقيل ) بالصورة التي سمعناها بها .

أما أغنية ( الدنيا ربيع ....والجو بديع )                      

فكلماتها متفائلة ويشيع فيها المرح وهو ما رأيناه في فيلم ( خلى بالك من زوزو ) حيث أديت الأغنية في حديقة واسعة وجاءت أغنية ( الام ) مصورة مشاعر الحب والحنان ولعل الجميع عند الحديث عن الام يتذكرون فورا أغنية ( ست الحبايب ) التي غناها الموسيقار محمد عبد الوهاب من كلمات حسين السيد ، ثم غنتها المطربة فايزة احمد ولكنت أغنية ( الام ) لسعاد حسنى تمثل لونا مغايرا وروحا جديدة للتعبير عن نفس الموضوع.

ولا تفوتني هنا الإشارة إلى الاغانى الرائعة التي غنتها سعاد حسنى في المسلسل التليفزيوني الشهير ( هو وهى ) والذي قامت ببطولته مع الفنان احمد زكى والتي كتب كلماتها صلاح جاهين ولحنها كمال الطويل وعمار الشريعي والاغانى هي ( هو وهى – الشيكولاته – خالي البيه – محلا العروسة – سوتى الهندية – يا ترى أنت فين يا حبيبي – اثبت وغناها احمد زكى – البنات البنات – جرس الفسحة – بابا زمانه جاى – حلقاتك برجلاتك – عيد ميلاد سعيد يا نسمة – جلابية بارتى – تمت بحمد الله ) ومن كلمات صلاح جاهين والحان كمال الطويل غنت المطربة الكبيرة نجاة أغنية ( عيون الحليوة )

حدث تعاون في عدة أعمال بين صلاح جاهين والملحن الكبير محمد الموجى ( 1923 – 1995) فبعد تأميم قناة السويس في 26/7/1956 ووقوع العدوان الثلاثي على مصر في 29/10/1956 وبعد مؤامرة انسحاب المرشدين الأجانب من القيام بعملهم في أرشاد السفن لعبور قناة السويس ولكن صمود المرشدين المصريين والمرشدين من الدول الصديقة افشل المؤامرة وغنت ام كلثوم عام 1957 في لقائها الثاني مع محمد الموجى من كلمات صلاح جاهين أغنية ( فرحة القنال ) التي يقول مطلعها:

محلاك يا مصري وأنت ع الدفة

والنصرة عاملة فى القنال زفة

يا اهل مصر تعالوا ع الضفة شاوروا لهم

وغنوا وقولوا لهم

ريسنا قال مافياش محال ...راح الدخيل

وابن البلد كفى

وغنى عبد الحليم حافظ مع الكورس والاوركسترا من كلمات صلاح جاهين والحان محمد الموجى أغنية ( بستان الاشتراكية ) والتي يقول مطلعها :

الكورس : افتح ....افتح ....افتح ....اقفل....اقفل....اقفلحول حول حول

نقعد نرتاح لا ح نكمل ....ده السد العالى شهل

عبد الحليم: على رأس بستان الاشتراكية

واقفين بنهزر على المية

امة أبطال علما وعمال....ومعانا جمال

بنغنى غنوة فرايحية

ننده كلنا ندهة فلاح....لإخوانه ساعة الري

حاكم أرضنا ملكنا كلنا م السد العالي

وجاى ننده ندهة قوية

وواضح من بداية كلمات الاغنية تصويرها للحركة المتنوعة ( افتح – اقفل – حول )

ومن كلمات صلاح جاهين وتلحين محمد الموجى غنت اميرة سالم اغنية ( خلاص بقيتوا طولى ) وغنت فايدة كامل أغنية ( السعادة )

ومن كلمات صلاح جاهين والحان منير مراد غنت كل من شادية ( امنا الحلوة ) وهدى فريد ( لاه لاه )

ثم جاء اللقاء التالي الذي تلاقت فيه روحا صلاح جاهين وسيد مكاوي ( 1926- 1997) فكونا ثنائيا رائعا قدم العديد من الأعمال الناجحة والباقية ولا يفوتني الشارة غالى عملهما الرائع لمسرح العرائس ( الليلة الكبيرة ) وكذلك رباعيات صلاح جاهين التي لحنها سيد مكاوي وغناها على الحجار وشاركه صلاح جاهين بإلقاء بعض رباعياته.

وفيما يلي بيان بالمطربين والمطربات الذين غنوا كلمات صلاح جاهين والحان سيد مكاوي :

أولا المطربون

-        الثلاثي المرح : لا ولع

-        سمير الاسكندرانى : امسك القلم

-        محمد ثروت ونيللى : الشارع

-        محمد قنديل : حدوتة ، واه يا نجف

-        وغنى سيد مكاوي من الحان وكلمات صلاح جاهين

-        اكمن جبينك عالي .......وفى صوتك خفية

-         لو كنت ست الحسن والجمال....يكون ابو زيد الهلالي انا

-        يا ضحكة حبيبي يا نور النهار

-        ثانيا المطربات :

-        أحلام : حانروح فين

-        أميرة سالم : أوصيك بيه ، وأنت جميل كده ليه

-        سعاد محمد : أحسن

-        شهرزاد : غيرك أنت ماليش ، وأنت مالك ، ألا فكرة

-        فايدة كامل : يا معجبانى

-        ليلى جمال : يا جوابنا

-        هدى سلطان : أرخى الستاير

-        وهكذا نجد ان كلمات صلاح جاهين المتميزة السلسة التي رسم بها الصور المتنوعة التي تظهر مدى العلاقة بين موهبته كشاعر وموهبته كرسام ، هذه الكلمات كانت خير معين للملحنين العظام الذين تعامل معهم فقدموا معا أروع الأعمال الغنائية التي ستبقى في تاريخ الغناء العربي وتحتل المكانة التي تستحقها عن جدارة.

 

المصدر / مجلة الفنون العدد 94

بقلم/ د. زين نصار

أستاذ المعهد العالي للنقد الفني

أكاديمية الفنون

 

التحميلات المرفقة

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

7,036,912