**نص العرض تنازل عن عناصره التقليدية فحقق المتعة البصرية والسمعية

 

أسس هانز – تيز ليمان عند نشر كتابه " مسرح ما بعد الدرامي " بالألمانية لأول مرة عام 1999 المفهوم المسرح مابعد الدرامي كما قام بتلخيص عدد من الخصائص والسمات الأسلوبية التي امتاز بها المسرح الطليعي منذ أواخر الستينيات من القرن الفائت هذا المسرح الذي أطلق عليه ليمان المسرح مابعد الدرامي لا يركز علي الدراما نفسها ، لكنه يركز علي تطور الجماليات الأدائية التي تخنق علاقة خاصة بين النص الدرامي وموقف الأداء المادي وخشبة المسرح ، وبالتالي يهدف المسرح مابعد الدرامي إلي خلق المسرح ، وبالتالي يهدف المسرح مابعد الدرامي إلي خلق تأثير لدي المشاهدين أكثر من التزامه بالنص .بل إن هذا المسرح في أكثر أشكاله أو صوره راديكالية تختفي فيه الحبكة تماما ويركز كلية علي التفاعل بين الممثلين والجمهور

" هانز – تيز ليمان : المسرح مابعد الدرامي عرض : علاء الدين محمود ، فصول العدد 73 الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة صيف 2008 وانظر : هانز تيز ليمان : بانوراما المسرح ما بعد الدرامي : الاحتفال ، والأصوات البشرية في الفضاء والمنظر الطبيعي ، ت : علاء الدين محمود فصول المرجع السابق ص " 30-71 " في ضوء مصطلح المسرح الدرامي

نقرأ العرض المسرحي الغنائي " حباك عوضين تامر " تأليف سامح مهران وإخراج جلال عثمان الحان علي سعد ومصمم الرقصات مجدي الزقازيقي وديكور عبد المنعم مبارك وتمثيل محمد رياض ، سماح السعيد والفنانة القديرة ليلي طاهر ويوسف داوود ، مجدي صبحي ، خالد النجدي وجميل عزيز يسعي سامح مهران في مسرحياته إلي إثارة الدهشة لدي الجمهور وذلك بما يبدعه من تراكيب درامية صادمة " حدث ، شخصيات مسرحية ، حوار ، وأفكار " لأنها تخرج علي المألوف في الصيغ المسرحية الشائعة ، فتحدث صدمة للعقلية والذوق العربيين التقليديين فالعمل يخلو من الحكاية ذات البداية والوسط والنهاية ويعتمد علي المشاهدالجروتسكية التي تدعوا المشاهد إلي إعمال العقل لهذا فإن المشاهد يستفزه في مسرحية " حباك عوضين تامر " العنوان الذي مثلما يحدث في باقي مسرحيات سامح مهران يجبره علي تفسيره ويبحث عن صداه في سياق المسرحية وشخصياتها : حباك هو الشخصية المحورية الفاعلة ومن خلال علاقتها بالشخصيات الاخري وبالسياق الدرامي فالاسم علي وزن فعال وهو صيغة مبالغة للفعل " حب " فالشخصية محبوبة من النساء ومحب لهن وبخاصة الفتاة الجميلة " مهرة " سماح السعيد وقد يرجع الاسم إلي قدرة الشخصية علي خلق الحبكات فهو ممثل مثقف ونصاب يستطيع بقدرته علي التشخيص أن يبهر مهرة وان يضرب الظالمين بالظالمين فيلقن العمدة " يوسف داوود " وشيخ الخفراء " جميل عزيز " درسا قاسيا مرتين الأولي بادعائه أن لديه بقرة تتبرز ذهبا وماسا أنها بقرة لا نظير لها وكأنها البقرة المقدسة المذكورة في القران الكريم ولها قدسيتها في التراث اليهودي ويكتشف العمدة الأكذوبة والمرة الثانية بادعائه امتلاكه القدرة علي أعادة المنوفي إلي الحياة بواسطة ذيل البقرة .

إن المجون والروح الديونيسية تشمل العرض المسرحي وذلك منذ المشهد الافتتاحي

الاحتفالي ذي الطابع الجروتسكي وتدور احداثه في المقابر بعد دفن عوضين تامر وتلقي حباك وأجب العزاء وهي مناسبة حزينة كما هو معروف لكن الإطار المادي للمشهد يتناقض مع الحزن المفترض أن يكون فالستائر الملونة بباليته ألوان تحقق الاحتفالية وذلك مع الأغنية المصاحبة الماجنة وأداء محمد رياض " حباك " الواعي بأهمية تشويه اللحظة ليؤكد علي معاناته الوجودية بغربته عن مجتمعه وضياعه ولجوءه مع المشيعين إلي الجوزة لتدخين الحشيش وغياب العقل وهكذا يتم تكسير طقس الدفن وتأكيد علي النشوة وتدعيم المجون والنشوة . إنني لا أبالغ إذا قلت إن هذا المشهد قد وصل إبداع جميع المشاركين فيه بقيادة المخرج جلال عثمان حد الكمال الفني إن حباك مثل الإبطال الرومانسيين متمرد وغير متصالح مع المجتمع ويشعر بالتفرد وبالغربة ويهجر الناس إلي الأماكن المهجورة ولا يخش المواجهة مع الخصوم سواء كانوا إرهابيين يسعون إلي تجنيده لقتل الكفرة نظير مبالغ مالية كبيرة هو في حاجة إليها أو بمواجهة الشيطان وقد ساوي العرض بين الإرهابيين والشيطان فهم يفشلون في السيطرة علي حباك وإقناعه وفي المقابل توافق الأم رشا أم حباك علي البيع نظير الذهب وانثراء والالتحاق بملية القوم إن المجون يتخلل مشهد السجن عندما ينتقل الشيطان إلي احدي الزنازين المسجون بها احد اللصوص الشواذ واسمه سياسي وطني عبد الدايم وهي شخصية مبتذلة يعري الكاتب زيف وطنيتها وقيمها المتفسحة أخلاقيا وقد أداها خالد النجدي برعي وقد تلاعب الشخصيتان حباك وسياسي وطني بكلمة الاحتكاك ودلالاتها الايروسية ويرفض حباك إغواء سياسي له . إن ملامح تأثر المسرحية بفاوست الذي باع روحه للشيطان بإرادته تبدو لكن بطريقة معارضة حيث رفض حباك أن يقع في براثن الغوية ويفقد حريته بل يتلاعب بالشيطان زعبل " مجدي صبحي " بأغاني لمها مسحة دينية أو بذكر آيات قرآنية كريمة فيظهر ضعف الشيطان الذي بدا قويا بهدوء وحيله . لقد صاغ المؤلف الحوار باللهجة الصعيدية التي يعرف كنهها وأسرارها ودلالاتها وموسيقيتها فأكسب ذلك مسرحيته درجة عالية من التميز والواقعية وتتغير اللغة إلي لهجة أهل القاهرة مع شخصية الشيطان وشخصية سياسي وطني أن الحوار درامي يكشف عن معاناة الشخصيات وما يدور داخلها وتناقضاتها وفعلها وردود أفعالها وقد استطاع الشاعر محمود جمعة صياغة الأغاني بكلمات تجسد الحالة الدرامية وتدعم الجروتسكية وتحقق الاحتفالية واستطاع الموسيقار علي سعد أن يقدم ألحانا مبهجة شعبية وبخاصة اللحن الافتتاحي ولحن زفاف حباب ومهرة وقد ساعد الأداء الحركي التعبيري دورا كبيرا في تحقيق الاحتفالية وذلك بتصميم حركات راقصة ترتبط بالحدث الدرامي في المشهد الافتتاحي عندما استخدم المؤدون الجوزة وحركات المساطيل وعدم ثبات حركة أقدامهم وكذلك مشهد مهرة مع مجموعة الفتيات ليعبرون عما يدور في مخيلة حباك والإرهابيين .

إن العرض اعتمد علي نص خرج علي الحداثة وتنازل عن عناصره التقليدية في سبيل المسرح والأداء فتحققت المتعة البصرية السمعية في عرض الاحتفالي شعبي به الكثير من التحرر .

  

بقلم /د. مصطفي يوسف منصورالمصدر/جريدة مسرحنا23 أغسطس 2010

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,013,697