د. سامح مهران

في حديث الأستاذ "محمد حسنين هيكل" إلى قناة الجزيرة،ذهب سيادته إلى أن الكاتب الكبير "توفيق الحكيم" دخل إلى مكتبه بعد حرب يونيو 67 ،وطلب منه ضرورة تحديد موعد يلتقي فيه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مع مجموعة من المثقفين (كتاب الأهرام) وذلك لأمر هام.وكان من الطبيعي أن يتساءل الأستاذ هيكل :

-مع من سيكون اللقاء؟

-وعن ماهية هذا الأمر الهام؟

أجاب "توفيق الحكيم" أنه موفد من قبل الدكتور طه حسين والدكتور حسين فوزي والدكتور لويس عوض فضلا عن نجيب محفوظ،أما عن ماهية الموضوع الهام،فقد ألمح الحكيم إلى أن الأسماء السابقة لديها تساؤلات يودون طرحها على القيادة السياسية .

المهم أن الاثنين –الحكيم وهيكل- اتفقا على أن يجلس هيكل مع هذه النخبة من الكتاب الكبار في جلسة استطلاعية على ظهر الباخرة "إيزيس" المواجهة لفندق "النيل هيلتون" في السادسة مساء نفس اليوم. وبالفعل تم اللقاء ولكن لم يحضره الدكتور طه حسين حيث إنه لم يعتد الخروج ليلا.

وكان السؤال المحير لدى هذه القمم هو :لماذا نعادي الغرب مع أنه من المفترض أن تنشأ علاقات تعاون وتشارك، على أساس أن مصر جزء من جنوب المتوسط، وبالتالي ليس لها كبير مصلحة في معاداة الدولة اليهودية؟!

وما يعنيني أنا بشكل شخصي،هو الجزء الأول من السؤال وهو العلاقة مع الغرب ،وبما أني أحمل المسرح على كتفي،فسأحاول الولوج إلى الموضوع بمدخل يتفق وميولي الفنية.

تقول أسطورة نرسيس (نرجس) اليونانية القديمة، أنه -أي نرسيس- كان دائم النظر إلى صورته المنعكسة على صفحة الماء،وكان يناجي هذه الصورة قائلا:"دعني أقبلك،دعني أضمك بين ذراعيي". ومن هنا تم تعريف النرجسية بأنها الانغلاق داخل الذات ،وعدم الالتفات إلى أي شئ عداها. والواقع إنه تم التجاهل من قبل الدارسين والمحللين للشق الثاني من الأسطورة وهو المتعلق بإخو اليونانية أو إكو Echo بالإنجليزية ،وهي عروس البحر الجميلة التي عشقت نرسيس ،ولكن حكمت عليها "هيرا" زوجة "زيوس" الجبار (كبير الآلهة اليونانية) بأن تردد المقطع الأخير من كل جملة تسمعها وبالتالي لم تستطع أن تجعل نرسيس يلتفت إليها إذ ظن أو أعتقد أنه يسمع صدى صوته

تريد الأسطورة أن تقول : إن الانغلاق على الذات يؤدي إلى الممات والزوال،كما أن التماهي في الآخر يؤدي إلى نفس النتيجة،إذ تحلل كل منهما وانهار وتفتت في مكانه،وذلك على مستويات عدة :مستوى النوع Gender ،والمستوى الثقافي العام عندما يتم توسيع قاعدة التحليل.إذ لا بد أن يتفاعل الرجل والمرأة،وأن تتفاعل الثقافات كذلك.فالثقافة التي تقتات على لحمها هي ثقافة مثلية تماما كالأفراد المثليين الذين لا يرجى من تفاعلهم أي عائد أو ناتج .

إن العالم العربي مطالب -في هذه الفترة بالذات -بانفتاح ثقافي يؤسس لمركب جديد في العقلية العربية ،ويتيح لها فرص الإضافة للمنجز الحضاري العالمي في كل المجالات ،وكذلك مواجهة المشكلات الناجمة عن الذوبان في الآخر،خاصة ونحن نعيش حاليا ما يمكن تسميته بالمفهوم الكلي للثقافة.فهذا المفهوم لا يشمل المفاهيم والأفكار العابرة للحدود والجغرافيا،إنما يتضمن –وهو الأهم- أجهزة الاستخدام اليومية مثل المحمول والكمبيوتر، وهي أجهزة على درجة من الخطورة لا يقدرها إلا المتابعين لمستويات الحراك الاجتماعي ودرجته ونوعيته،فعلى سبيل المثال،عندما أشتري لابنتي المراهقة جهاز المحمول،فقد اعترفت ضمنا بحريتها الشخصية،أي إنني قد استدعيت دون أن أدري إطارا من العلاقات الاجتماعية ليس وليد التربة،ولكنني ودون أن أدري أيضا استنبته في تربة مغايرة،فينفصل السلوك اليومي البرجماتي عن النظام القيمي الذي يتحول إلى أطر شكلية محضة في كثير من الأحوال،وهو ما يؤدي إلى سيكزوفرنيا اجتماعية نلمسها جميعا في حياتنا.

وإذا كان الأمر كذلك، فنحن أحوج ما نكون إلى مفهوم دينامي لموضوعة الهوية،ينبثق من فكرة الضرورة: أي ماذا يحتاج إلبه المجتمع المشروط بـ" هنا والآن" وهو مفهوم  سوسيولوجي يختلف عن المفهوم التاريخي الاستاتيكي للهوية،والذي لا يعني إلا الركون إلى الماضي النرجسي وهو الأمر الذي يسعد الغرب الذي صنف نفسه بنفسه كموضوع للسوسيولوجيا أي التاريخ الحي السيار والمتجدد،أما العرب أصحاب الثقافات المكتوبة (التراث)، فهم موضوع للاستشراق .كما أن الأفارقة،أصحاب الثقافات الشفهية موضوع للانثروبولوجيا،وكل من الاستشراق والانثروبولوجيا يمثلان التاريخ الجامد،بمعنى أن يظلا في التحليل الأخير "إكو" له أي رجع صدى ليس إلا. وهو ما يساعده على تمرير مشروعاته الاستعمارية التي لم يتخل عنها لحظة واحدة،حتى تحت سقف إدعاءاته بحوار الحضارات الذي يخلو من أي مردود في الواقع المعاش.

وللتدليل على كلامنا في انعدام أمانة الخطاب الغربي،فالإجراءات الحمائية الجمركية التي تفرضها دول الاتحاد الأوروبي في وجه صادرات الدول النامية تحرم هذه الدول من 700 مليار دولار،هي حجم هذه الصادرات.وهو ما يعادل تقريبا 14 مرة حجم المعونة الأجنبية التي تتلقاها الدول الفقيرة.وبعبارة أخرى استعاض الغرب عن الستار الحديدي للحرب الباردة بين الشرق والغرب،بستار جمركي بين الشمال والجنوب.فالغرب لا يقبل بالشراكة ولا بالتفاعل،ولا يقبل بما حبكه من مصطلحات وسياسات.ويريد لنا أن نبقى "نرسيس وإكو" مجتمعين،ولا يترك لنا من سبيل في المستقبل إلا إيلامه والتكشير عن أنيابنا في لحم مصالحه.

بقلم / د.سامح مهرانرئيس اكاديمية الفنونالمصدر / جريدة نهضة مصر 1838بتاريخ 31/1/2010

 

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,286,016