توظيف الأسطورة في النص الشعري العربي المعاصر مسألة في غاية الأهمية، فما من شاعر عربي معاصر معروف إلا و استخدم الأسطورة في أعماله، و هناك حالات استثنائية و طفيفة لا يقاس عليها . إن الأسطورة تشكّل نظاماً خاصاً في بنية الخطاب الشعري العربي المعاصر، و قد يبدو هذا النظام عصيّاً على الضبط و التحديد، و ذلك لضبابية الرؤية المُراد طرحها في النص الشعري، و لكثافة الأسطورة نفسها غموضاً و تداخلاً مع حقول معرفيّة أخرى. فعندما نستحضر الأسطورة فإننا نستحضر التاريخ متداخلاً مع الميثولوجيا و الخرافة، و الحكاية الشعبية، و هنا يصعب علينا معرفة أوجهها كاملة، و ذلك لتناصّها مع هذه الحقول المعرفيّة الأخرى، فهل الأسطورة هي الخرافة أم هي التاريخ أم الفلكلور أم هي الحكاية الشعبية أم هي جزء مهم من اثنولوجيا وصفيّة، لاتزال بوصفها بنية معرفيّة عميقة، تتعلق بمعتقدات الشّعوب و روحانياتها و تقاليدها، تفعل فعلها في حياتنا المعاصرة ؟. إنّها مزيج من هذا و ذاك، و لذا فهي عصيّة على الضبط و التحديد. إنها رؤية متنامية متشعّبة في بنية الزمان التاريخي، و المكان الأثنوجرافي، و تصبح الأسطورة أحياناً تاريخاً و « كل أسطورة تروي تاريخاً ». على حد تعبير كلود ليفي شتراوس(1)

وتصبح خرافة، و تداخلها مع الخرافة يزيدها تعمية و غموضاً، و التاريخ نفسه يصبح لدى جيل من الأجيال أسطورة. فبغض النظر عن كون شخصيتيْ شهرزاد و شهريار من التاريخ أو الأسطورة، فإنهما يبقيان في بنيتهما العامة جزءاً من السحر و الأسطورة و الخرافة و التاريخ و الميثولوجيا و الفكر و الفن في آن .

 وتاريخياً كانت الأسطورة هي ملاذ الإنسان الأول، للانتصار على خيباته، و لتخطي فواجعه، وسياسياً كانت محاولة لخلق بديل جديد، أكثر إشراقاً وجمالاً، إنها النافذة التي يرى الإنسان العربي من خلالها النورَ و الفرح، لأنها تخلق له حالة توازن نفسي مع محيطه و مجتمعه، فبوساطتها تتمّ عملية الحلم و التخيّل، و الاستذكار، فإذا كان الواقع فاسداً ظالماً، و مرّاً، و الإنسان فيه غير قادر على تحقيق أبسط متطلباته، نتيجة لسلطة هذا الواقع المدمِّرة إنسانياً وأخلاقياً، فالحلم و الثورة هما الوسيلتان الوحيدتان لتخطي هذا الواقع.

المصدر/ حيفا لنا مجلة أدبية فكرية ثقافيه شهرية.الكاتب / د. محمد عبد الرحمن يونس.دكتور في الأدب والنقد اختصاصى اللغة العربية وآدابها.

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,013,758