**والدها أصيب بالشلل لأنها أخفت عنه دخولها عالم الفن

 بصفته رئيس قسم الترجمة بوزارة الخارجية راح والدها يحلم بأن تدخل ابنته السلك الدبلوماسي لكن الصدفة هى ما أوقعتها في هوي الفن وناسه الذين اكتشفوا فيها موهبة كبيرة راحت تتفجر تارة علي مسرح المدرسة وأخري أمام العملاق علي الكسار حتي أصبحت نجمة منطلقة في سماء الفن وهي لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها.. إنها كاملة محمد شاكر الشهيرة باسم"عقيلة راتب" التي ضحت بعطف الأب ودعم الأسرة والوظيفة المرموقة في سبيل الفن بعد أن عشقته غناء وتمثيلاً ووهبته في المسرح والسينما والتليفزيون عطاء امتد لأكثر من نصف قرن لدرجة أنها ظلت تمثل حتي بعد أن كف بصرها.

عن هذا المشوار الآسر دار هذا الحوار مع ابنتها أميمة التي كانت ثمرة زواجها بالفنان حامد مرسي المعروف باسم "بلبل مصر الوحيد".

حدثينا عن عقيلة راتب الإنسانة، أسمها الحقيقي "كاملة محمد شاكر " من مواليد 22 مارس 1916 بحي الجمالية، كان والدها رئيساً لقسم الترجمة بوزارة الخارجية وطالما حلم بأن تصبح ابنته دبلوماسية ولكنها أحبت الفن.. أمي كانت صاحبة موهبة كبيرة وصوت جذاب وشكل جميل وقوام رقيق .. ومع كل هذا كانت صاحبة شخصية قوية .. بدأت العمل في الفن عام 1930 وكان عمرها 14 عاماًُ فقط.

كيف دخلت عقيلة راتب عالم الفن؟

بدأت في نهاية العام الأول من دراستها الأبتدائية عندما حضرت الحفل الختامي الذي كانت تقيمه المدرسة وانبهرت بزملائها وهم علي المسرح .. ومنذ ذلك اليوم أصبحت تلميذة مدرسة التوفيقية القبطية عاشقة للفن، وقررت أن يكون مجالها في المستقبل .. وعند انتقالها للصف الثاني اقتربت من فريق التمثيل وكانت تتابعهم في البروفات وطلبت من مدرس الفريق الأنضمام للفريق فطلب منها ورقة مكتوبة بيد والدها تتضمن الموافقة علي الأنضمام لفريق التمثيل فأصابها اليأس .. وعندما عرضت علي والدها الأمر أخذت علقة ساخنة. وبرغم هذا لم تكف عن متابعة زملائها وهو يقومون بالتمثيل مع حفظ كل أدوارهم .. إلي أن جاءت الصدفة لتتيح لها أن تقف علي المسرح المدرسي في نهاية العام الدراسي لظروف حدثت لزميلتها بطلة الفرقة وبكل الحب عرضت علي المدرس أن تقوم هي بالدور بدلاً من زميلتها الغائبة، فوافق ووقفت تؤدي الدور بكل نجاح وكان من بين الحاضرين ابن عمها الذي ذهب لوالدها ليخبره.. وعندما عادت إلي المنزل وجدت اجتماعاً عائلياً لعقابها .. ولكن الطفلة صاحبة الصوت الجميل أصبحت منذ ذلك اليوم نجمة المدرسة.

بعيداً عن حفلات المدرسة .. كيف احترفت "عقيلة راتب" الفن؟

كان من بين الحاضرين في إحدي حفلات المدرسة الفنان زكي عكاشة أحد أصحاب فرقة "عكاشة المسرحية" فأعجب بها وظل يتابعها حتي في المدرسة الثانوية حيث اشتهرت بصوتها الجميل وعرض عليها أن تنضم إلي فرقة عكاشة فذهبت تسأل والدها عن رآيه فغضب بشدة وكاد يقذفها بكل أثاث المنزل فخرجت إلي بيت عمتها "فاطمة" وعاشت هناك وذات مرة ذهبت عمتها لتسحب أوراقها من المدرسة فوجدت زكي عكاشة يسأل عنها كل يوم فقررت عمتها أن تختار لها طريق الفن مهما كانت التضحيات، وذهب فعلاً لمقابلة عمتها حاملاً معه نص أوبريت "هدي" وتم تدريبها علي الألحان في منزل عمتها وكانت تذهب إلي البروفات متخفية. وقبل عرض الأوبريت ظهرت مشكلة الأسم الذي سوف تظهر به للجمهور فاختارت اسم "عقيلة" صديقتها المقربة والأسم الثاني لأخيها"راتب" الذي مات في أول أيام حياته ليصبح اسمها "عقيلة راتب" وخرجت الأفيشات تحمل اسم النجمة الجديدة بطلة أوبريت "هدي" بالأشتراك مع زكي عكاشة وحقق هذا الأوبريت نجاحاً منقطع النظير وأصبحت عقيلة نجمة في سماء الفن في عام 1930 وهي في الرابعة عشرة من عمرها ورغم كل هذا النجاح فإنها تعيش في خوف من أن يعلم والدها الذي لم يكن يعرف أن ابنته دخلت عالم الفن وأصيب بالشلل عندما عرف وأخفت عمتها عن باقي الأسرة سبب مرض أبيهم حتي لا يكرهوا "عقيلة" وفي مسرح عكاشة حققت "عقيلة" نجاحاً كبيراً حتي أصبحت فرقة عكاشة من أفضل الفرق الموجودة في شارع عماد الدين، ولفت النجاح الكبير الذي حققته في "أوبريت هدي" أنظار إسماعيل باشا صدقي رئيس الوزراء في ذلك الوقت فذهب مع كل أعضاء وزارته ليشاهدوها لكن نجاحها خلق لها أعداء كثيرين وتسبب لها في مقالب كبيرة لم تستطع أن تحتملها وفضلت أن تترك الفرقة وتتفرغ لرعاية والدها المريض الذي طلب أن يراها يوماً وعندما شاهدها عادت المياه إلي مجاريها.

وهل توقفت حياتها عند فرقة عكاشة؟

لا لم تجلس "عقيلة" في المنزل كثيراً فقد طلبها "حامدالسيد" لتعمل مع فرقة "علي الكسار" لإنقاذ الفرقة من الحالة التي تعانيها وأعد لها خصيصاً مسرحية غنائية بعنوان "ملكة الغابة" وفي ذلك الوقت كان الكسار يعاني من أزمة بسبب خلافه مع مؤلفه "أمين صدقي" وانضمت عقيلة لفرقة علي الكسار مع نجوم كبار امثال المطرب"حامد مرسي" الذي انبهر بجمالها وموهبتها فقرر أن يتزوجها.

وماذا عن خطواتها في السينما؟

في بداية طريقها رفضت الكثير من الأعمال السينمائية خوفاً من أن تغامر بسمعتها الفنية لأن السينما مازالت وليدة في ذلك الوقت كانت "عقيلة" تعيش نجاحها في مسرحية "البكاشة" وهي المسرحية الوحيدة التي ظهر فيها "علي الكسار" بلونه الطبيعي"دون صبغة سوداء" وشجعها وجود المطرب "حامد مرسي" بجوارها، وبالفعل قدمت أول أفلامها "اليد السوداء" معه عام1936 وبعدها توالت الأفلام وبدأت من فيلم "خلف الحبايب" وهو الفيلم الوحيد الذي كتبه "فكري اباظة " وبعدها فيلم " محطة الانس "للمخرج عبد الفتاح حسن وغنت فيه عدة اغنيات .

كيف كان الاب المطرب " حامد مرسي" ؟

ابي من مواليد إيتاي البارود محافظة البحيرة عام 1904 حفظ القرأن الكريم في كتاب القرية ثم التحق بالمعهد الاحمدي بطنطا وتعلم فيه انشاد القصائد والمدائح وبدأ يغني بين اهله واصدقائه حتي عرف بحلاوة صوته واول مرة غنى فيها كان في منزل مأمور المركز " بدرخان بك " وهو والد المخرج الراحل احمد بدرخان وجد المخرج علي بدرخان، وكون بطانة من ثلاثة فقهاء واخد يتجول بين القري وحصل له تحول كبير في حياته عندما زار جورج ابيض إيتاي البارود عام 1918 وبعد انتهائه من تقديم الفصل الاول طلب منه مأمور المركز ان يستمع إلي حامد مرسي وقام بغناء اغنية للشيخ سلامة حجازي وفي تلك الليلة اتفق مع جورج ابيض علي العمل معه في فرقته نظير راتب شهري قيمته 25 جنيها ذهبيا بعدها بدأ يعمل في القاهرة ثم سافر إلي الاسكندرية وسمع موسيقي سيد درويش واعطاه احد الحانه فكان أول من غني الأغنية الشهيرة "زوروني كل سنة مرة" وظل في رفقته عامين كاملين يغني كل ألحانه وسافر معه رحلة إلي الشام لمدة 7 أشهر كاملة وطوال هذه الرحلة ظل ملتصقاً بـ"سيد درويش"، وبعد عودته إلي مصر بدأ يعمل في فرقة "علي الكسار" وكان أبي دونجوان تسعي إليه كل سيدات المجتمع الراقي وتزوج بإحداهن "منيرة هانم كمال" التي هددته بتشويه وجهه بماء النار إذا لم يتزوجها وبالفعل تزوجها وبسبب غيرتها الشديدة طلقها ثلاث مرات، إلي أن جاءت "عقيلة راتب" إلي فرقة الكسار وأعجب بها ودق قلبه لها وأخذ يحبها سراً خوفاً من أن تصده ولم تعرف أمي بحبه لها إلا حين جاء أحد الباشوات المترددين علي مسرح الكسار ليخطبها في المسرح من الفنان علي الكسار الذي كان بمثابة الأب لها، وعلم "أبي" بهذا الخبر فصرخ في وجه "علي الكسار" وقال له " أنا بحبها يا أستاذ علي" 

هل صحيح أن والدك كان المنافس الأول لعبد الوهاب؟

أبي كان المنافس الأول لمحمد عبد الوهاب وأطلق عليه " بلبل مصر" ثم كروان الأمة العربية وكون مع أمي "دويتو غنائياً" ضمن فرقة الكسار لمدة سبع سنوات من خلال ألحان "زكريا أحمد" وتم الزواج بينهم وكان الفرح علي المسرح.

وماذا عن ظروف طلاقهما؟

أبي في بداية حياته بعد الزواج كان منطلقاً وهذا كان يغضب أمي لكنها كانت تعيش معه في استقرار وفي يوم قالت له أمي: "إيه رأيك ننفصل" فقال لها بهدوء "فكرة كويسة" وتم الطلاق وانتقل للعيش في شقة أخري ولكنه لم ينقطع عن زيارتنا وفي مرة غاب عن زيارتنا فذهبنا إليه ووجدناه مريضاً فعرضت عليه أمي أن يتزوج واحدة تقوم برعايته وبعدها فعلاً تزوج.

وماذا عن ظروف وفاته؟

كان يزورنا في يوم وتعب جداً وكان في ذلك الوقت وحيداً بعد وفاة زوجته.. فقالت أمي: " سوف يظل معنا لأنه متعب جداً وأحضرنا له الطبيب الذي أمر بالذهاب إلي مستشفي الشبراويشي وقبل رمضان بيوم توفي في المستشفي.

وماذا عن تحولها للتليفزيون؟

أمي كانت من الفنانات اللائي تعاملن مع التليفزيون في بداية إرساله من خلال مسلسل "عادات وتقاليد" وقدمت فيه 338 حلقة عام 1960 وكانت تؤدي فيها دور "حفيظة هانم" وعندما توقفت حلقاته عام 1976 شعرت أمي بضيق وحزن لأن هذا المسلسل يعالج مشكلات الأسرة المصرية ... وقدمت في مسرح التليفزيون أعمالاً ناجحة منها "حلمك يا شيخ علام" و "الزوجة آخر من يعلم" و "خلف البنات" و" حرم جناب الوزير" و "الزوج العاشر".

هل صحيح أنها أول امرأة تناقش قضية حق المرأة في العمل؟

هذا حقيقي فهي قدمت في فيلم "قضية اليوم" المرأة التي تعمل محامية وتنشغل بعملها وهذا أول فيلم يناقش قضية حق المرأة في العمل ... وهذا الفيلم كان قبل فيلم " الأفوكاتو مديحة" لمديحة يسري و "الأستاذة فاطمة" لفاتن حمامة.

عقيلة راتب اكتشفت نجوماً كبار ماذا عنهم؟

في فيلمها الأول "السوق السوداء" الذي كان يعالج قضية استغلال التجار لحاجة الناس، قدمت "عماد حمدي" لأول مرة كبطل سينمائي، وكذلك قدمت

" أنور وجدي" وأعطته البطولة في أول فيلم بطولة مطلقة "قضية اليوم"وكذلك المطرب "فوزي الحو" الذي أقنعت به يوسف وهبي الذي كان يستعد لإخراج فيلم "سيف الجلاد" فكانت بداية الشاب الذي حمل بعد ذلك لقب "محمد فوزي" وأصبح بعدها علامة بارزة في تاريخ الموسيقي والسينما.

وماذا عن الموقف الذي تعرضت له عقيلة راتب مع الكسار في الشام؟

قالت لي أمي إنها عندما سافرت مع فرقة "علي الكسار" إلي الشام كان معهم عدد من الروايات فإذا بالجمهور يصر علي رواية "ورد شاه" مع أنها لم تكن في البرنامج وكان الموقف صعباً لأن الرواية نفسها لم تكن موجودة معهم ومعظم الممثلين نسوا أدوارهم فاتفقت أمي مع الكسار والملقن "إبراهيم حلمي" علي محاولة كتابة الرواية من جديد وفعلاً نجحوا وخرجوا من المأزق.

عقيلة راتب هي أول من أشركت بطلاً رياضياً في التمثيل ... كيف ذلك؟

هي أول من أشركت نجوم الرياضة في التمثيل مثل بطل الملاكمة البورسعيدي "عرفه السيد" الذي لعب دوراً مهماً في فيلمها "الجولة الأخيرة" وبعدها توالي دخول نجوم الرياضة إلي السينما أمثال صالح سليم، عادل هيكل، طاهر الشيخ.

لماذا أطلق عليها "معونة الشتاء" ؟

أطلقوا عليها "معونة الشتاء" لأنها كانت تساعد العديد من الأسر بمرتبات شهرية.

وماذا عن فيلمها "المنحوس" الذي كان نحسلاً عليها فعلاً ؟

أثناء تصويره ارتفع ضغط عينيها وأجرت عملية جراحية إلا أنها فقدت مع ذلك بصرها تماماً وظلت تستكمل التصوير وهي لا تري.

وماذا عن الجوائز التي حصلت عليها؟

شهادة تقدير من الملك فاروق، وكرمها الزعيم جمال عبد الناصر في عيد العلم عام 1963 وحصلت علي جائزة أحسن ممثلة في عام 63 عن دورها في فيلم  " لا تطفيء الشمس" وجائزة الدولة في المسرح عام63 عن دورها في مسرحية "حلمك يا شيخ علام"، وحصلت علي جائزة الجدارة عام 78، وكرمها الرئيس أنور السادات أكثر من مرة ومنحها وسام الدولة عام 1978 ومنحتها وزارة الثقافة جائزة الجدارة، ودرع المسرح في عام 1992 ، وجائزة الريادة من جمعية الفيلم وحصلت علي ميدالية طلعت حرب بمناسبة مرور نصف قرن علي صناعة السينما وحصلت علي جائزة من الرئيس محمد حسني مبارك عام 1998 قبل وفاتها.

من الذين كانوا يسألون عنها وهي مريضة؟

لم يكن أحدا يسأل عنها إلا شخصاً واحد هو نبيل العشري موظف في بنك مصر.

المصدر/مجلة الاذاعة و التلفزيون

المصدر: مجلة الإذاعة والتليفزيون- العدد 3914 - بتاريخ / السبت 20 مارس 2010

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,670,086