أوبرا مافرا هى أوبرا كوميدية من فصل واحد للمؤلف الموسيقي الروسي أيجور سترافنسكي وإخراج الروسي تيموراز أباشيدزى، سبق لدار الأوبرا المصرية أن قدمتها فى فبراير 2001 على مسرح الجمهورية.

وتأتى اهمية تلك الأوبرا:

 أولا: من كون مؤلفها يمثل بأعماله حلقة مهمة فى تاريخ التطور الموسيقي الأوبرالي، حيث ساهم بقدر كبير فى تغيير معالم الموسيقي الغربية فى القرن العشرين.

وثانيا: كونها أول أوبرا روسية قدمت على خشبة مسرح الأوبرا المصرية باللغة الروسية بمغنين مصريين.

أما إشكاليتها: فتأتى من كونها شديدة الخصوصية شديدة القومية، من حيث الشكل والمضمون، إذ تشكل فيها الصورة المرئية عنصراَ مهماَ ورئيسياَ فى مد جسور التلاقى والتعارف والإندماج من خلال المسرح, وبإعتبار أن النص الموسيقي هو المرجع الأول والأساسى الذى يرتكز عليه مصمم المناظر فى تشكيله للعرض الأوبرالي فإنه يجدر بنا التعرف على أسلوب المؤلف الموسيقي وتقنياته الفنية، مرورا بما عاصره من اتجاهات تشكيلية موازية لإبداعاته الموسيقية، ووصولا إلى الرؤية التشكيلية التي انتهى إليها العرض فى صورته المرئية كمعادل للنص الموسيقي المؤلف.

المؤلف الموسيقي أيجور سترافنسكى (1882-1971) هو المؤلف الروسي صاحب التأثير الأكبر فى الحياة الموسيقية المعاصرة, فقد أعطي زخما وقوة هائلة للموسيقي المعاصرة لأكثر من نصف قرن من الزمان وتعد موسيقاه بمختلف أتجاهاتها أصدق تعبير عن الموسيقى الغربية فى القرن العشرين.

ولد سترافنسكى فى مدينة اورينيادم بالقرب من سانت بطرسبورغ وكان والده مغني أوبرا  مما اتاح له التعرف علي المسرح عن قرب، بدأ دراسة الموسيقى فى سن التاسعة على سبيل الهواية، وفى أثناء دراسته للقانون بالجامعة, درس سترافنسكى التأليف مع رمسكى كور ساكوف لمدة ثلاث سنوات. وكانت نقطة التحول فى حياته عندما تعرف عام 1908 على سيرجى ديا جليف (1872-1929) الذى اثمر التعاون بينهما إنتاج عدد من الباليهات أهمها "العصفورة النارية" (1910) و"بتروشكا" (1911) و"طقوس الربيع" (1913) وهى الأعمال النى تمثل المرحلة القومية الروسية عند سترافنسكى والتى أستطاع من خلالها أن يغير من شكل الموسيقي الغربية بجرأة أسلوبه واكتشافه لطاقات تعبيرية جديدة. فى أثناء الحرب العالمية الأولى استقر سترافنسكى فى سويسرا ثم انتقل إلى باريس 1920، حتى عام 1939 الذى قرر فيه الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وحصل على الجنسية الامريكية 1945.

واهم مايميز موسيقى سترافنسكى ما حققه بها من أيقاعات جديدة يلاحظها فى موسيقى باليه عصور النار وبتروشكا، حيث يتجلى الإيقاع كقيمة وقوة تعبيرية مذهلة.

والإيقاع عنده مغاير كلية للنبض الإيقاعى المتكرر فى انتظام، والذي ساد الموسيقي الاوربية طوال عصورها السابقة فقد طور الاساس الإيقاعى جوهريا بإستخدام الموازين المتغيرة والمتراكمة وغيرها بحيث أصبح الأيقاع عنده من اوقع وسائل التعبير، وتجسم هارمونياته الخشنة هذا الشعور بالتدفق الإيقاعى المتغير.

أما الألحان فهي ليست ألحانا حقيقية مكتملة الاستدارة بل مجرد شذرات أو ومضات قصيرة مستمدة من الموسيقى الروسية الشعبية ويكاد يخفيها عمدا فى طيات النسيج الموسيقي.

وتؤكد د. سميحة الخولى فى كتابها "القومية في موسيقي القرن العشرين" أن اهم مايلفت المحلل لأعمال سترافنسكى القومية هو تمسكة بأبعاد لحنية خاصة تميز مقامات الموسيقي الشعبية الروسية أبرزها بعد – الرابعة الزائدة – كما فى "عصفور النار" (وصورته المقلوبة وهي الخامسة الناقصة) وهذا البعد مألوف لنا نحن الشرقيين، ولكنه غريب علي الأذن الاوربية، ونحن نجد هذا البعد متغلغلا في نسيجه الموسيقي : أفقيا فى مسار لحنى, ورأسيا فى التكوينات الهارمونية ، وهذه الأبعاد المميزة هى التى قادته إلى أبتكاراته الهارمونية والتى يعتبر "ازدواج المقامات" وتعددها – كما فى بتروشكا- من أبعدها أثرا، فهى التي اضفت على موسيقاه رنينها الخاص الجديد المغاير لما ألفته الاذن الغربية، ومن خصائصه الهارمونية كذلك الإفراط فى أستخدام "باص الارضية " المتكرر أى " الأوستيناتو" الذى يخلق ركيزة هارمونية منخفضة شبه ثابتة. تتحرك الأصوات العليا فى مسارات هارمونية متحررة لا تتقيد بها وهو كثيرا ما يطعم تآليفاته بنوتات متنافرة حريفة، غريبة عن التآلف كالثنائيات والسابعات وهو ما أضفى علي اسلوبه طابعاَ حاداَ أطلق عليه بعض المحللين اسم هارمونيات النوتة الخاطئة.

وتتجلى عبقريتة فيما حققه فى موسيقاه من دينامية تعبيرية من خلال الإيقاع، حتى قيل ان البطل الحقيقى فى باليه "طقوس الربيع" هو الإيقاع بكل ظواهره : مثل تعدد الايقاعات(البوليونمية) وتغيير الموازين، وقلق الضغوط (السنكوب) والإيقاعات الأحادية العرجاء وكلها تهدف إلى القضاء على الرتابة الإيقاعية القديمة، وهويستخدم الإيقاع كقوة تعبيرية جديدة فى بناء القيم النفسية بالتكرار الملح لاوستيناتو إيقاعى بما يخلق تأثيرا مغناطيسيا عنيفا.

وسترافنسكى ملون واسع الخيال نجح فى أجواء وإيحاءات شائقه بالكتابة فى مناطق غير مطروحة فى الآلات الاوركسترالية ، وبآلات ذات مناطق خاصة لا تستخدم فى كثير من الأوركسترا، أما أسلوبه فى مزج الالوان الصوتية فهو من أعظم وسائلة التعبيرية التى وسعت نطاق التلوين فى هذا القرن وهو لا يقتصر على الاوركسترا التقليدي، بل يبتكر لنفسه مجموعات طريفة من الآلات ، كما فى – الزفاف- تقضيها طبيعة الموضوع كما يتمثله.

ويعتبر بعض المؤرخين أن باليه "الزفاف" هو آخر اعماله القومية الروسية، يري البعض الآخر أن أوبرا مافرا هى آخرها.

ومع أن سترافنسكى قد عرف بتحولاته العديدة فى اسلوبه، إلا ان آخر تحولاته الاسلوبيه جاء مفاجأة كبيرة – كما تقول الدكتورة سميحة الخولى – ومنذ عام 1951 بدأ يطرح الأسلوب الدياتونى- وتبنى نظام صفوف الأصوات أى السريالية SERIALISM، وكتب بهذا الاسلوب مؤلفات عديدة نذكر منها الأوبرا التليفزيونية "الطوفان" وموسيقى لباليه "آخون وأناشيد جنائزية" ... وغيرها، وبهذه الجولة الفذة أتم سترافنسكى دورته الكاملة عبر أهم مذاهب القرن العشرين الفنية ، بل إنه رجع إلى التاريخ مستمدا منه الابهام.

عكف سترافنسكى على العمل فى وضع بصماته الفنية غير المتكررة مبتدعاَ مؤلفات صوتية بديعة، معتمداَ فى ذلك علي التكوينات الأوركسترالية الصغيرة وعلى موسيقى الحجرة.

وقد كتب سترافنسكى اربع أوبرات هى "البلبل" عن قصة اندرسون، "والملك اوديب" عن تراجيديا سوفوكليس, و"مافرا" عن أشعار لبوشكين، و"مغامرات الشاب الطائش" من لوحات الفنان الإنجليزي هوجرت، وتنسب هذه الأوبرات إلى تحف الطراز المودرن، وأخذت بالتدرج تستقر فى ريبرتوار كثير من المسارح الرائدة فى روسيا وأمريكا وأوربا.

إن موسيقى أيجور سترافنسكى لمليئة بكل ماهو غريب وغير عادى ، وقد عاش وأحرز نجاحات فى كل من روسيا وفرنسا وأيضا فى الولايات المتحدة الأمريكية، جمع مراحل إبداعية مختلفة ومتباينة فولدت فى كل مرحلة من المراحل مؤلفات كبيرة وكثيرة ومتنوعة وفريدة من نوعها دخل معظمها ضمن ذخائر موسيقي القرن العشرين.

ألف موسيقى أوبرا مافرا ذات الفصل الواحد فى باريس عام 1922, أراد سترافنسكى فى هذه الأوبرا أن يعبر عن رغبته فى التجريب والتجديد، وعلى الرغم من مرور ثمانين عاما على حفل افتتاحها (3 يونيو عام 1922) فانها مازالت تحتفظ بعبق التجديد من حيث ألوان الموسيقى والمؤثرات الصوتية، والألحان الشعبية الروسية.

وعن أوبرا مافرا تقول د . حنان أبو المجد : هى أوبرا كوميدية من فصل واحد كتبها سترافنسكى عام 1922، وكتب لها النص بعنوان "يوريس كوشنو" عن قصيدة لبوشكين كتبها عام 1830 بعنوان "المنزل الصغير فى كولومنا" وقد أهدى سترافنسكى هذه الأوبرا لذكرى كل من بوشكين وجيلينكا وتشايكوفسكى .

تدور احداث الأوبرا فى قرية روسية فى أوائل القرن التاسع عشر حيث يتنكر شاب فى زى خادمة ليعمل فى منزل حبيبته، وينال الوظيفة إلى أن تراه والده الفتاة وهو يحلق ذقنه فتدرك الأمر وتنتهى الأوبرا بمطاردة الشاب العاشق، وعلى الرغم من سذاجة موضوع الأوبرا وبساطة الموسيقي: فإن أوبرا مافرا تمثل بداية أول تحول فى اتجاه سترافنسكى الموسيقي ودخولة إلى مرحلة جديدة من مراحل تطور ابداعه الموسيقي.

فقد مهدت الطريق الى اخصب مراحل أبداع سترافنسكى، وهى مرحلة الكلاسيكية الحديثة، وتعد بداية الاوبرا "اغنية روسية" مثال الكلاسيكية الحديثة.

تدور احداث الأوبرا فى القرن التاسع عشر فى احدى المدن الروسية الصغيرة ، تتبادل بارشا الصغيرة حديثاَ رومانسياَ من شرفة منزلها مع الفارس فاسيلى ويحاولان التوصل إلى وسيلة تتيح لهما اللقاء ، يغادر فاسيلى المكان وتصل والدة بارشا وتخبرها بوفاة الخادمة العجوز، وتطلب من ابنتها البحث عمن يقوم بعملها، تعبر الأم عن أسفها لفقدان الخادمة فى حضور إحدى الجارات، تعود بارشا مصطحبة الخادمة الجديدة مافرا، وهى شابة تتمتع بالصحة وقوة البنيان، وفى حقيقه الامر فإن مافرا هو الفارس الشاب فاسيلى متنكرا فى زي إمراة ، تتسلم الخادمة "مافرا"  عملها وتتظاهر والدة بارشا بالابتعاد عن المكان، وذلك لكى يتثنى لها فرصة مراقبة سلوك الخادمة الجديدة من دون ان يلاحظها احد.

وتصدم الأم لدى رؤيتها هذه الخادمة الشابة اللطيفة وهى تحلق ذقنها، ويتطور الامر بسرعة ويحدث هرج ومرج ويسرع الفارس بالقفز من النافذة، ويلوذ بالفرار تاركاَ بارشا خلفة وهى تردد النداء باسمه.

تعامل المصمم مع النص من منطلق الحكاية – الفانتازيا – التى تعتمد على الخيال فى تقبل  الاحداث وتداخلها وتراكبها، وهو ماتسمح به الرؤية السريالية كمعادل تشكيلي لعالم الحكاية (الفانتازيا الكوميدية) التى تعرضها احداث وموسيقى العرض المسرحي.

يبدأ العرض المسرحي بالافتتاحية الموسيقية، وهى من متلازمات العروش الموسيقية الأوبرالية حيث تعد الأوفرتيرا مدخلا اساسيا للعمل المقدم يمهد الاوركسترا به للمشاهد الدخول الى عالم العرض الموسيقي لذا فعادة مايفتتح الستار الأمامى للمسرح على الستار. الافتتاحية، وهى هنا قد تمثلت فى تصميم يتضمن صفحات للنوتة الموسيقية يخرج من بينها الآلات الموسيقية الاوركسترالية المتنوعة النحاسية ، والنفخ والوتريات والآلات الايقاعية، لتشكل أوركسترا كاملا يحمل كتابات هى إهداء سترافنسكى هذا العمل الى كل من بوشكين، جلينا، تشايكوفسكى.

ويحمل التصميم فى الوسط تشكيلا يمثل "مافرا" الفارس المتنكر فى زي إمراة وقد احاط رأسة متنكرا بمنديل نسائى معقود حول الرأس، بينما يظهر من تحته غطاء الرأس الخاص بالفرسان وعلى وجهه شارب كبير يلتف بشكل مبالغ فيه تأكيدا للرجولة والفحولة.

وفى أعلى التشكيل تنسجم من أعلى صورة مجسمة ببرواز ذهبى كبير للمؤلف الموسيقى سترافنسكى ، من الوهلة الاولى مع المقدمة الموسيقية فى علاقتها بالستارة الأمامية الشفافة، حيث ثبت التشكيل الأساسى على التل الاسود الذى كشف عن امتداد فى العمق لأشجار وأوراق وسحب وقباب، كما يؤكد تراقب الأشكال فى مقدمة التصميم وظهور الآلات الموسيقية من بينها في علاقتها بتشكيل مافرا ، نستشعر ان العمل الذى ينتظرنا غير تقليدي على رغم من واقعية مفرداته المتداخلة التى ترتفع بنا درجات فوق الواقع، حيث عالم الحلم الذى يسعى الأحبه فيه للتلاقى بمختلف الطرق.

يرفع الستار "مافرا" ليكشف عن المشهد الاول الذي يدور فى إحدى القري الروسية الريفية بطرازها الشعبى التقليدى ، حيث تستخدم جذوع الاشجار فى بناء وتزيين البيوت ذات الاسقف الجمالونية، ويتخذ الروس من أخشاب تلك الأشجار مادة للنحت المجسم والغائر والزخارف البارزة التى تزين الوجهات, وتلون بألوان مميزة تعطى طابعا خاصا لتلك المناطق يربطها بمحيطها من الغابات.

ونظرة إلى المشهد بصورتة المرئية التشكيلية يلاحظ على الفور خيال الحكاية الشعبية أو شعبية الخيال من خلال تراكب وتمازج العناصر، فالصورة والخيال أكثر أهمية فى الأوبرا منها فى المسرح العادى، فلكى تزدهر الموسيقي بالكامل عليها أن تلتصق بصورة فى الأوبرا: "إن الموسيقي لا تمثل كل شئ بالنسبة إلى الاوبرا، فاذا أردنا لهذه الأخيرة أن تلحق بالمسرح والموسيقي، ففى هذه الحالة نكون بحاجة إلى تدعيم خاص وتعبيرات خاصة، وإلى اتساع وإلى رمزية اكثر وضوحا.

أن هذه التعبير ضخم لأن هناك ارتباط بين الموسيقي والصور، إن الأوبرا فى حاجة الي واقعية اكثر من المسرح لأن الحديث يخلق مساحة فكرية أكثر واقعية ولذلك فإن التجريد النسبى للمساحة المسرحية من الممكن أن يحتوى الخيال، وعلى العكس فإن الموسيقي يجب أن تعتمد على تجسيد الصورة الفكرية.

ومن دون ذلك سوف تكون هناك فجوة فى الفهم اللازم للأوبرا لأنها فى أعتقادى يجب ان تعتمد على الأسلوب السردى أكثر من المسرح فذلك يعطى حرية أكثر للمتفرج لكى يتنقل مع الأصوات، وبالإضافة الي ذلك يجب أن أقول إن المساحة الضخمة للأوبرا تطلب تنظيماَ اكثر حجما واكثر وضوحاَ.

وفى أعتقادى أن هناك فرقا كبيرا بين ديكور المسرح وديكور الأوبرا. ولا يمكن أستخدام ديكورات الأوبرا على المسرح بسبب الفرق الشاسع بين التعبير العالي فى الأوبرا والتعبير المنخفض فى المسرح".

ونظرا إلى ان الأوبرا ارتبط ظهورها واستمرارها بعرضها على الطريقه الايطالية على مسارح ذات إطار، فقد استدعى المصمم هذا الإطار او القوس المسرحى باستخدامه مجسماَ كإطار للمنظر المسرحى يطل منه المشاهد، متابعاَ أحداث الحكاية وكانه ينظر من خلال صورة أو لوحة مرئية خيالية تتحرك مفرداتها وتتغير وتتلون إيقاعاتها المرئية والسمعية، وعن ذلك يقول الدكتور شاكر عبد الحميد فى كتابه "عصر الصورة" : هناك تشابه إلى حد ما بين طبيعة العرض المسرحى وطبيعة اللوحة الفنية، ففى الحالتين هناك مجموعة من العناصر أو المكونات يجرى التركيب الأوركسترالى بينهما، وفى الحالتين هناك إطار خاص أو نافذة خاصة نطل من خلالها على المشهد أو العرض أو اللوحة، وفى الحالتين هناك تقنيات البعيد والقريب، المركزى والهامش, الصوت والصورة والحركة، وفى الحالتين هناك الأهتمام بالضوء واللون والشكل الخاص بالملتقين نحو المركز البؤرى الخاص بالعمل أو نحو أطرافه الهامشية او نحو مكوناته جميعا، وفى الحالتين قد يحدث العرض التشكيلى أو المسرحى داخل إطار وقد يحدث خارجها أيضاَ، فالاعمال الفنية التشكيلية الطليعية وما بعد الحداثة فنون تخرج من الإطار إلى الحياة وتحاكى الفن بالفن، وتتهكم على الفن بالفن وتعارض الفن بالفن، وليس هناك من مكان فى داخلها للثبات أو الركود بل الحركة والتدفق والتتابع والتغير والتلاعب بالأفكار والصور وضرب المركزية وإحياء للمشهدية وللعرض وللرؤية والاستعراض.

ولكن يظل أهم مايميز العرض المسرحى عن اللوحة هو هذا الفراغ السحرى لخشبة المسرح والعلاقة الحميمية المباشرة مع المتلقى وهذا يتطلب التزامات خاصة بالعمل الأوبرالى، من ناحية التقنيات يجب ان يكون هناك حلول لتتابع المشاهد والمناظر، ومن ناحية اخرى ضرورة الاهتمام بالعلاقة بين خشبة المسرح والجمهور باعتبار أن العمل الأوبرالى يعتمد على هذه العلاقه فى المقام الاول، وعن تقنية تغيير المناظر فى مافرا ذات الفصل الواحد فقد تخللها مشهدان الأول خارجى ويدور امام منزل الفتاة، أما الثانى فهو داخلي يدور فى غرفة مافرا والمشهدان من دون فاصل زمنى، أى يجري تغيير المنظر من دون ستار مما يتطلب سهولة وسرعة فى الانتقال من مشهد لآخر ومن الخارجى إلى الداخلى، ثم عودة الى الخارجى مرة أخرى، لذا فقد أعتمد المصمم فى تشكيله على فكرة اللوحة من خلال تجسيد لإطار تحديد المناظر الموجود بالمسرح، وهو تشكيل مجسم منحوت بزخارف نباتية ترجع الى العصر الروكوكو، مما يعطى الإيحاء بالشكل المتحفى أو القديم حيث تدور الحكاية من خلال البرواز.

يظهر المشهد الأساسى للتشكيل المجسم حيث تدور الأحداث أمام منزل بارشا التى تقف فى شرفة منزلها تنتظر فارسها الذى ياتى على ظهر حصان خشبى مثبت على عجل يتحرك بالدفع يبدو ذا رأس صغير وعنق رشيق مرفوع بالتفافة تبرز صدره المنتفخ فى عنفوان وخيلاء يؤكد قصر السيقان، وقد ظهر الحصان تكسوه نقوش حريرية لامعة، بينما زينت صدره مجموعات من الزهور ذات الالوان المختلفة من الأقمشة المضافة اللامعة الفضية والذهبية، ويأتى اللجام باللون الأسود الحريرى، الشكل فى مجمله ذو طابع شعبى فانتازي يؤكد ظهوره وقد امتطاه الفارس فاسيلي بزيه العسكري الخاص بالفرسان الأزرق الزهرى اللون ذى حواف وزخارف مجدولة تزين الصدر والأكتاف برتبته العسكرية وغطاء الرأس (الكاب) بشكل مبالغ فيه تزينه الزخارف الذهبية.

يبدو منزل الفتاة من الخارج مرتفعا قليلا بثلاث درجات على جانبيه تؤدى إلى مدخل البيت وشرفته المطلة على الخارج، وقد غطى المستوي من الامام بتشكيل زخرفى بشكل عروس البحر، وهو من الأشكال الشعبية الروسية المنتشرة كزخارف واشكال نحتية تزين واجهات البيوت، وقد اتخذت شكل عروس البحر بتكرارها، وفى المقدمة قاعدة حجرية يرتفع عليها الميناء المعمارى للشرفة الخارجية يعتمد سقفه الجمالونى على أربعة أعمدة تحد المدخل الرئيسى والشباك، وقد نصب سور فى المقدمة شكلت قوائمه من زهور متراصة مفرغة تعطى إحساسا بالخفة والشفافية، ويبدو الباب على اليمين بين العمودين بينما يأتى الشباك على اليسار يحدده من الجانبين عمودان أخران وتحمل الأعمدة أسقفا بارزة وقد بدت هذه الأعمدة ذات تيجان على شكل زهرة متفتحة تحمل السقف وقاعدته على شكل أوراق شجر وينتفخ العمود من الوسط ، بينما الفتحات المتمثلة فى الباب والشباك قد أتخذت نهايتها أقواسا لأنصاف دوائر يربط فيما بينهما الجدار المكون من جذوع الأشجار الأفقية المتراصة.

هذا الجزء المشيد من التشكيل والمتحرك قد ثبت على عجل وقسم إلى جزأين متساويين وبتجمعهما يتشكل مشهد الشرفة، وبتفرقهما سحبا على الأجناب تتكون أجزاء من واجهات بيوت مجاورة ومكملة لمشهد القرية.

وفى الساحة امام البيت ترى الطبيعة بمفرداتها، وتداخلها وتراكبها، وترى على الأجناب الكواليس وقد اتخذ منها المصمم أشكالا لأشجار ممتدة ذات اوراق متنوعة من حيث المساحة أو الشكل أو الخامة. وقد ثبتت على الخلفية من قماش التل الأسود الشفاف واستخدمت الأقمشة المتنوعة فى تشكيلها وعلى الجانبين ترى زهور كبيرة وقد خرج بعض منها خارج إطار الصور على الجانبين فى مقدمة المسرح بينما تري في العمق أشجار أعياد

الميلاد المميزة، يظهر بينها تمثالان خشبيان منحوتان لرأس فارس يرتدى خوذة يطل بوجهه وقد أتسعت عيناه وهما كحارسين لهذا البيت فى حين علق فى أعلى المشهد على اليسار تشكيل للعصفورتين تقفان على غصن من الزهور الحمراء وتطلان على بيت بارشا وفى اليسار فراشتان ترفرفان بجناحيهما تحملان بروازا ذهبيا كبيرا فى وسطة صورة لبوشكين مؤلف قصة الأوبرا بينما فى وسط اعلى البيت يقف على قمته واسقفه الجمالونية ديك ملون كبير صائحاّ مزهوا بالوانه المتعددة وصدره المنتفخ.

وفى العمق خلف البيت تظهر قباب متعددة لأبراج الكنائس الروسية المميزة بألوانها وطرازها، تلك القباب البصلية الشكل والذهبية والفضيه المموجة والحلزونية, وقد أصطفت على أبعاد متفاوته وبمساحات مختلفة لتؤكد العمق المنظورى للمشهد الذى يبدو وسط بانوراما لسماء صافية ممتدة تبدأ من بداية المسرح حيث أستخدمت البراقع العلوية أجزاء من السماء بها سحب مختلفة معلقة تمتد فى أعلى لتصل الى الستار الخلفى لبانوراما السماء فتبدو الواحات المعمارية للكنائس فى علاقاتها مع البانوراما الخلفية، مؤكدة الفراغ المسرحى والبعد الثالث المنظورى.

وفى المشهد التالى حيث تدور الأحداث فى غرفة المعيشة، يتكشف المنظر بسحب الشرفة الخارجية إلى الأجناب لتطل على الغرفة الداخلية وقد أرتفعت درجة واحده على مستوى الأرض ويحدها من الخارج برواز آخر داخلى لكنه هذه المرة برواز مرتبط بعمارة البيت يتشكل من الخطوط الخارجية للبيت بأسقفه الجمالونية وقوائمة التى تحمل الأسقف، وفى الوسط يبدو الديك الصائح كما يبدو البرواز ثريا بزخارفه البارزة المستواة من الزخارف الشعبية الروسية المتنوعة مابين الخطوط المستقيمة والمتعرجة والدوائر واشباه الدوائر بجانب الزخارف النباتية والهندسية، وهى تعتمد على الحفر فى سطح الخشب أو بالإضافة الخارجية فى احيان أخرى.

ننتقل الى الداخل حيث علي اليمين طاولة فى العمق وضع عليها "السيمافار" وهو من الوحدات التراثية الروسية ولازمة من لوازم البيت الروسى، يستخدم لعمل الشاي ومنه أشكال متعددة: المستدير والبيضاوى والمستطيل ومنه الفضى والذهبى ومنه الملون بزهور على أرضية سوداء، وعادة لا يذكر فى معظم المسرحيات الروسية كدلالة على طبيعة المكان وخصوصيته ونذكر منها ( مسرحية الخال فانيا – والشقيقات الثلاث) لتشيكوف، حيث يعد الجلوس الى المائدة وتناول الشاى باستخدام السيمافار ، وهى العروس الخشبية(ماتروشكا)

وهى من الوحدات التراثية الروسية أيضا وتعد من أشهر العناصر المتداولة سياحياَ دلالة على المنطقة الروسية وهى تمثل شكلاَ اسطوانياَ وبيضاوياَ مفرغاَ يكمن به فتحة تتداخل فيه العرائس الواحدة تلو الاخرى الصغرى فالصغرى وتصل اعدادها إلى أثنتى عشر عروسة متدرجة فى الحجم، تلون عادة بألوان ذاهية زخرفية تعطى فى النهاية الشكل التقليدي للأم الروسية بغطاء الراس أو الشال او منديل الرأس الذى يتخذ أشكالا متعددة منها: الازرق والأحمر والأصفر والأسود، إضافة الى الرداء الخارجى الذى يتخذ بدوره أشكالا مختلفة دلالة على التراث الروسي فى الازياء الشعبية خاصة.

وتبدو العرائس مصطفة فى الخلف على مقربة من السيمافار لتكون ركنا شديد الخصوصية والدلالة، وعلى مقربة من الطاولة والعرائس يشاهد كرسى ظهره برواز ذهبى بداخلة صوره للمؤلف الموسيقي جلينكا، بينما فى أقصي اليسار برواز كبير آخر مثبت على الأرض فى الزاوية المقابلة للسيمافار.

 صورة اخرى للمؤلف الموسيقي شايكوفسكى، وتشاهد وسط المنظر العام صور للشخصيات المهمة الثلاث التى اهدى إليها سترافنسكى هذه الأوبرا ، بينما ترى على اليسار كرسياَ اخر يمثل صورة سترافنسكى نفسه، وفى وسط الحجرة نجد أدوات الحلاق : طبقا كبيرا ، وفرشاه وموس حلاقة، وقد صنعت بشكل مبالغ فيه ووضعت على طاولة أخرى وغطيت بمفرش أحمر من القطيفة زينت اطرافه بأزهار دقيقية مذهبة، ويعلو الطاولة فى الخلف فاتحة شباك كبير قسمت أضلاعه بحيث تكون هناك فتحه علوية للتهوية وهى من أساسيات العمارة الروسية وتسمى فارتوشكا، ويغطى الشباك ستارة ذات طابع شعبى أيضا هى شرائح رأسية من القماش الملون الاحمر والاصفر والاخضر ذات برقع علوى احمر، وقد ثبتت على هذه الشرائح زهور بارزه تزينها بينما الحائط الخلفى يبدو مزخرفا كورق حائط، وهو من القماش ايضا ويعد ورق الحائط من الخامات منتشرة الاستخدام فى تغطية الجدار فى الاماكن الداخلية المستخدمة بكثرة خاصة فى الارضيات والاجزاء السفليه من الحوائط.

بعد هذا العرض السابق لمناظر ومشاهد الاوبرا يمكن ان نتوقف عند بعض المعطيات الفنية

وصولا الى الأسلوب الذى اتبعه المصمم فى تعامله مع الاوبرا الروسية فيلاحظ مايلي:

1-  نظرا إلى أن الأوبرا تعد واحدة من الاعمال ذات الطابع القومى الروسى فقد اهتم المصمم بتحقيق ذلك المناخ التشكيلى الذى يؤكد هذا الطابع من خلال استخدام مفردات تشكيلية شديدة الخصوصية مرتبطة أرتباطا وثيقا بالبيئة والعادات والتقاليد الروسية ، ولعل أبرزها: العرائس الخشبية( الماتروشكا ) والسيمافار، الستائر الداخلية للفتحات والشبابيك بألوانها الشعبية، ورق الحائط فى الغرف الداخلية ، القطع النحتية الخشبية التى ترى عادة فى الحدائق والمنتزهات وفى الفراغات بين المبانى كلعب الأطفال ، وتتخذ اشكالا متعددة منها الآدمية والحيوانية وأشجار أعياد الميلاد (اليونكا) وقد اتخذت فى التصميم ألوانا فضية وبيضاء إشارة الى تغطيتها بالثلوج خاصة فى الشتاء مما يعطى إيحاء بطبيعة المكان والفترة الزمنية خاصة مع أستخدام المؤثرات الخارجية أثناء العرض بإسقاط الثلوج المتطايرة من اعلى على المشهد متوافقة مع لون القطع النحتية البرونزية والفضية والزهور الباستيلية الألوان وكذلك الاشجار المستخدمة ككواليس جانبية وهى أشجار تتسم بالأستقامة والطول وطبيعة أوراقها المميزة وهى أشجار نشاهدها عادة فى الغابات الكثيفة بالقرب من القرى.

2-  الالتزام بالطراز المعمارى متمثلا فى اشكال الكنائس فى الخلفية بأبراجها وقبابها وزخارفها وكذالك الالتزام بالشكل المعمارى لبناء البيت الريفى من حيث خطوطه الخارجية او مكوناته المعمارية وخاماته المستخدمة فى بنائه وكذلك المفردات الزخرفية وعلاقتها التشكيلية وجودها .

3-  استخدام الرموز الدالة على طبيعة المكان المادية والاجتماعية ولأن القصة تدور احداثها فى الريف فقد كان هناك ضرورة لتمثل اشكال الطبيعة الريفية من حيوانات وطيور فكانت الفراشات والعصافير والديك والحصان وهى مفردات بيئية مهمة لاستكمال الصورة من ناحية، ومن ناحية اخرى لتأكيد العلاقات وتقابلها فنجد الديك بصياحه والوانه وعرفه التاجى والحصان بصدره المنتفخ دلالة على قوتة وشكله الطاوسى المختال فى علاقتهما بالفراشات الرقيقة المحلقة الى اليسار والعصافير المغردة المنتظرة على غصنها الى اليمين والتمثالين مفتوحى الاعين الحارسين للبيت على اليمين واليسار فى هيئتهما المتقدمة بهما السن والواضح اثر الزمن على وجهيهما .

توضح كل تلك المفردات التشكيلية الرمزية طبيعة العلاقات بين الشاب الفارس برجولته وفتاته المحبة برقتها والام الحارسة المراقبة المترقبة بصرامتها التى لم تمنع خداعها فتشكل تلك المفردات بجانب وظائفها التشكيلية الجمالية معادلات مرئية لاحداث الحدوتة وشخوصها وعلاقاتهم.

هذا على مستوى الشكل اما عن التقنيات المستخدمة فقد مزج المصمم فيها بين عدة اساليب وتقنيات بين المجسم والمرسوم، البارز والغائر، المعتم والشفاف، المتحرك والثابت، بهدف إثراء الصورة المرئية فاستخدمت ستائر التل الشفاف فى الخلفيات وعلى الأجناب وفى البراقع العلوية، وبإضافة خامات القماش المختلفة الملونة جرى رسم تجسيد الاشكال المعمارية والاشجار والسحب، وتصنع خامة القماش نفسها بإختلاف ملامسها ودرجة لمعانها وامتصاصها للضوء، مناطق الظل والنور، وللايحاء بالبعد المنظورى لم يلجأ المصمم الى الاعتماد على الرسم وخطوط المزولة، ولكن اعتمد على تركب الاشكال باستخدام اكثر من ستارة للمشهد الواحد، بحيث يتكون النظر بتوالى الستائر وتراكبها ويشكل الثلج درجة ضبابية تساعد على تأكيد البعد والمسافة وتقلل من درجة تألق الالوان المتباعدة، فتبدو ألوان الأقمشة على المستوى الأول اكثر تألقا من الذى يليها وهكذا... وبالتالى تبدو الوحدات المعمارية والأشجار الأقرب أكثر وضوحا فى تفاصيلها عن التى تليها فيتحقق بذلك البعد الثالث للأشكال.

وكذلك ساعدت عملية المزج بين المرسوم على الستائر الرأسية والمجسم فى المقدمة متمثلا فى شرفة المنزل التى أرتكزت على مستويات متدرجة وواجهة المنزل بفتحاته وسقفه نصف المجسم المحمول على أعمدة ساعد كل ذلك فى علاقتة مع الخلفية المكملة للبيت المتمثلة فى البرواز الخارجى للواجهه ومجموعات القباب والأبراج فى الخلفية على تاكيد الفراغ المسرحى والعلاقة بين السالب والموجب، بين المجسم ومايحيط به ويتخلله من فراغات، وقد ساهم فى تأكيد الفراغ المسرحى والعلاقة بين السالب والموجب ، بين المجسم وما يحيط به ويتخلله من فراغات وقد ساهم فى تاكيد ذلك شفافية الخامات المستخدمة فى علاقتها مع الأشكال المصممة، وكذلك ألوان الصبغات المائية الشفافة ساعدت فى مزج الأقمشة وخاماتها المختلفة ودرجات ألوانها فى أمتزاجها مع ألوان الصبغات على نحقيق التجانس والتوافق بين الوان الخامات وملامسها.

كما استخدمت خامة الاستيريوبور( الفلين الابيض) فى عمل المجسمات واعمال النحت مثل السيمافار وعرائس الماتروشكا ونحت وتشكيل البرواز الامامى لفتحة المسرح وعمل اطارات وبراويز لصور المؤلفين الموسيقين تشايكوفسكى، جلينكا، وكذلك الصور الخاصة ببوشكين، وكوحدات زخرفية بارزة فى البرواز الداخلى للحجرة وكإضافات ساهمت فى تشكيل الشكل الخارجى للحصان وذلك لما تتميز به هذه الخامة من سهولة فى النحت والتشكيل وخفة فى التحريك والنقل والتغيير مع الوضع فى الأعتبار ضرورة معالجتها بإضافة مواد حافظة للسطح الخارجى خشية التلف بالاحتكاك فتضاف الى السطح شرائح الشاش مع الورق الغراء، ويفضل عادة الشاش لتماسكة كما انه يعطى تأثيرات جيدة مع الالوان وفى حالة عدم الحاجة إلى هذه الملامس الخشنة فى بعض الحالات مثل العرائس أو السيمافار يضاف فوق الشاش طبقه من المعجون لصقل السطح الخارجى الذى يدهن بعد ذلك بمواد لامعة لكى يعطي الملمس المطلوب.

كما جاءت تقنية تنفيذ الأشكال المعلقة مثل الفراشات والعصافير على الغصن، وكذلك الزهور فى الارض على الأجناب وأشجار أعياد الميلاد (اليولكا) متوافقة مع الاسلوب العام للتشكيل، حيث أستخدمت الاقمشة الشفافة الشيفون، بدرجاتها المختلفة فى تشكيل وتلوين هذه الوحدات التى نفذت أولا بخامات معدنية وأسلاك رقيقة يسهل تشكيلها، بحيث تكون مفرغة كأطر مسطحة، ثم تشد عليها الأقمشة وتثبت، مما يعطى الشكل شفافية وتعطى الشفافية تراكبا وتتداخل لمكونات الشكل مجسما يبعث من داخله الضوء وتنحو الاشكال منحى آخر غير واقعى بما يتوافق والرؤية الكلية للصورة المرئية.

اعتمد المصمم فى رؤيته التشكيلية عالم الحكاية الشعبية الروسية، التى صاغها الشاعر بوشكين ببساطة شخوصها واحداثها، وكتب سترافنسكى موسيقاها غير التقليدية فيما أطلق عليه "المودرن كلاسيك" او الكلاسيكية الحديثة.

كان التعامل غير التشكيلى مع تلك الأوبرا غير تقليدى بدوره، توافقا مع مايطرحه النص الموسيقى للمؤلف من دون التخلى عن أستلهام وتوظيف ملامح البيئة الشعبية الروسية كمرجع أساسي فى التشكيل ومن هنا جاءت خطوط التشكيل وعلاقاته المرئيه وسطا ما بين الواقع والخيال، الحقيقة والحلم ، هى رؤيا (فانتازيا خيالية) تتداخل فيها الاشكال والصور لتصنع واقعا جديدا مغايرا اكثر رحابة واكثر شفافية، حيث يمكن لخيال الحكاية ان ينطلق وللأحبة أن يلتقوا دون حدود فاصلة.

نلمس ذلك من خلال النظرة الأولى إلى المنظر المسرحى، بدءا من البرواز فى المقدمة، الذى تخرج من داخله الاشكال لتمتد على جانبيه، فيصبح بذلك برواز الصورة غير محدد لها، ولكنه جزء منها ومكمل لها من خلال هذا التداخل .

بقلم/ د. عبد المنعم مبارك عميد المعهد العالى للفنون المسرحية المصدر مجلة فنون مارس 2006

ساحة النقاش

egyptartsacademy
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,013,696