أن جمهور المسرح منذ البدايات الأولى كان طرفا فعالا في العمل المسرحي ،إذ يتوقف نجاح أو فشل العروض التي كانت تقام آنذاك فتكون بذلك له كلمة الفصل ، و في ظل التهميش الذي مورث على المتلقي بصفة عامة برزت إلى السطح مجموعة ن الصيحات و النداءات التي حاولت رد الاعتبار إلى المتلقي الذي عليه يتوقف الاعتراف بالعمل المسرحي و تقييمه و الحكم عليه و مما لا شك فيه أن التلقي المسرحي عملية في غاية التعقيد و تزداد هذه الصعوبة كلما تعلق الأمر باختلاف الحقول الثقافية و المرجعيات الحضارية بين منتج العرض و متلقيه لان الأول يوجه مجموعه من الخطابات المسننة المنبثقة من توجهه الفكري و الثقافي إلى المتفرج لذا يجب عليه فك هذا التسنين و خلخلته و هو ما يتطلب منه الماما معرفيا بثقافة الغير و هذا يعنى أن المتفرج / المتلقي هو أيضا مشارك فعلى في بناء العمل و قراءته و كل وصف لبنية النص على أن يكون في الوقت نفسه وصفا لحركات القراءة التي يفرضها و هذين المظهرين مترابطين .

و بما أن معنى اى نص أو عرض هو عدد قراءاته فانه يكون أرضيه مشاع لكل القراء المتلقين فعندما يفرغ المخرج من الكتابة السينوغرافية تبدأ مهمة المتلقي الذي من اجله أنجز هذا العرض اى أن عليه يقوم باكتشاف الآلات و ترويض المعاني التي ينطوي عليها كل نص أو عرض و لعل هذا ما دفع رائد مدرسة كونسطانس الألمانية التي اهتمت بشكل خاص بجمالية التلقي ( هانس روبير ياوس) إلى القول " انه لا يمكن تصور حياة عمل ادبى في التاريخ دون المشاركة الفعلية للمتلقين الذين يوجه إليهم هذا لعمل .

و قد كان الاهتمام منصبا على مر التاريخ على جمالية الإنتاج التي وقع منظورها في مجموعة من الشوائب و الأخطاء في حين تم إهمال جمالية التلقي و رغم كون هذه الأخيرة حديثة العهد إذ يمض في التحضير لها سوى سنوات قلائل فأنها استطاعت أن تتمركز بشكل جيد و أن تستوعب خطابات جمالية الإنتاج بل و أن تتجاوزها .

و على الرغم من الاهتمامات المتزايدة بجمالية التلقي من قبل تيارات مختلفة فان هذه التيارات عليها أن تستفيد من أخطاء جمالية الإنتاج التي تميزت بأحادية الجانب في مسلماتها كما أن عليها أيضا أن تقيم مصالحة في إطار العلاقة الجدلية بين الإنتاج و التلقي فكل واحد يتحدد في علاقته بالأخر .

و غالبا ما يراهن المنتجون المسرحيون على الرقص على جراح الجمهور المفترض و الاستجابة لأفق انتظاره و يحاولون الابتعاد عن التجريب الذي ينأى عن المألوف و المتداول و يمكن القول أن أفق الانتظار لدى جمهور معين يعنى النظام المرجعي المنبثق عن ثلاثة عوامل أساسية ، أولها : معرفة الجمهور القبلية بنوعية الجنس الادبى الذي ينتمي إليه هذا العمل ، و ثانيهما : شكل و قيمة الأعمال السابقة التي يفترض معرفتها في العمل ، و ثالثها: التعارض بين اللغة الشعرية و اللغة التطبيقية و بين العالم المتخيل و العالم اليومي .

لذا فان الحالة القبلية التي يكون عليها المتلقي قبل استقباله للعمل الابداعى أو الادبى تستند على ثلاثة عناصر رئيسية هي : الجنس الادبى ، و التناسق ،و التخيل .

و ينتج عنه تلقى المتفرج لعمل أما الاستجابة لأفق انتظاره بمعنى أن العمل الذي تلقاه هو عمل عادى و مبتذل و أما تخييب أفق انتظاره إذا كان العمل دون المستوى أو تغيير أفق انتظاره إذا كان العمل دون المستوى أو تغيير أفق انتظاره إذا كان العمل جديدا و تجريبيا ، يتجاوز المتداول و يقدم اجتهادات و إضافات نوعية و مختلفة كما ان إدراك المشاهد المعرفي للإطار المسرحي و معرفته بالنصوص و القوانين النصية كل ذلك يشكل بالإضافة إلى أعداده الثقافي العام و تأثير النقاد و غير ذلك ما يعرف في علم جمال التلقي بأفق التوقعات الذي بواسطته يتم قياس المسافة الجمالية التي يولدها العرض في ابتكاراتها و تعديلها للتوقعات المستقبلية .

أذن يجب النظر إلى المتفرج باعتباره صانعا للفرجة و ليس فقط مستهلكا سلبيا لها فالمتفرج هو اللبنة الأساسية لكل عمل مسرحي و بغيابه يصير هذا العمل غير ذي بال اذ من المفترض أن يقوم بمهمة تقييميه و تقويمية في الوقت ذاته لأنه من خلال احتجاجاته و مناقشاته و تشجيعاته ينتبه المخرج المسرحي إلى مكامن القوة و الضعف في عمله لان المتفرج هو الذي يخلق الفرجة مثله فى ذلك مثل المخرج المسرحي و هنا تكمن المهمة الصعبة الملقاة على عاتق الجمهور و ذلك أن فهم و تأويل اى عمل مفتوح يمر عبر المؤلف الذي يشحنه بتصوره الشخصي المسكون بتجربته و زوايا نظره و رؤيته للعالم ثم يأتى بعد ذلك المخرج الذي يعد مسرحة هذا النص ليقذف به إلى الممثل سيد الخشبة ليضع عليه بصماته الخاصة و ليصل فى اخر المحطة الى الجمهور الذي يتلقاه بأفق انتظارية مختلفة ، تختلف باختلاف المستويات السوسيو ثقافية للمتفرجين .

و بما أن العرض المسرحي هو ساحة تباينات لا بيانات و ساحة تفجير لمعان لا حصر لها و مرتع لتعدد العلامات السمعية و المرئية فان المتفرج يحاول في زمن قياسي التركيب بين مختلف هذه العناصر التعبيرية و استيعاب معظم المعاني المتلقاه .

كما ان هناك علاقة جدلية و مرجعية بين العالم الخارجي – عالم التجربة و الثقافة – و العالم المفترض المحدود داخل الفضاء المسرحى و هو ما يجعل المتفرج يتوزع بين الواقع و المتخيل و يحاول قدر الإمكان مقارنة ما يراه على الخشبة بعالمه اليومي الذي يتحرك داخله بصورة مطردة و يعيش حياته بتلويناتها و تشعباتها .

و في النهاية بمكن القول انه بالنظر إلى كون العرض المسرحي تكثيفا لمختلف أنواع العلامات و لناء على كون العلامة المسرحية ذات طبيعة معقدة و تتراوح ما بين الرمز و الكلمة و الإيقونة و الإشارة و الصرخة و الصمت فانه من الواجب أيضا تعليم المتفرج كيفية المشاهدة حتى يكون متفرجا ايجابيا و فاعلا و لن يتأتى ذلك إلا إذا تشبع هذا المتفرج المفترض بثقافة مسرحية و صار المسرح بالنسبة إليه فنا يوميا و مألوفا و ليس فنا طارئا و دخيلا على تربته الثقافية

 

بقلم د/ توفيق موسى اللوح
المصدر / اجندة اى تى اى المصرية رقم 7 المركز المصرى العالمى للمسرح

ساحة النقاش

theatre
<p>هذا مقال مهم جدا للدكتور توفيق موسى اللوح، حيث إنه يمس فرعا مهما من الفروع الحديثة وهو ما يتعلق بنظرية التلقى وتاثير انص او العرض المسرحى على المتلقى او المتفرج وتأثر المتلقى بهذا النص أو العرض ، كما أن هذا المقال يفتح آفاقا كبيرة للبحث العلمى فى هذا الجانب لما له من اهمية كبيرة فى كتابة نصوص مسرحية على قدر عال من الجدة والحرص على إيصال رسالة إيجابية تنويرية وتوجيهية وتحريضية لعقل المتلقى لكى يشارك فى الحدث المسرحى ويضيف للنص او للعرض المسرحى جماليات لا تكتمل إلا بوجود هذا المتفرج او المتلقى .</p> <p>لذا نأمل أن يمتعنا الدكتور توفيق بمثل هذه المقالات التى تفتح لنا آفاقا كثيرة ومهمة فى البحث العلمى الهادف فى زمن كثر فيه الغث واتمنى ان تصل هذه الرسالة الصادقة لكل المهتمين بالمسرح الجاد والكلمة الصادقة لبناء مجتمع قائم على القيم وقادر على مواجهة التحديات .</p>
egyptartsacademy
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

3,034,249